ما بين الساحل والوراق

فتحي سليمان

ما بين الساحل والوراق

فتحي سليمان
10:13 م السبت 22 يوليه 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

قال لى سائق أثناء توجهى إلى ماسبيرو تلبية لدعوة أحد برامج الفضائية المصرية: "يا بيه أيه رأيك فى اللى حاصل فى جزيرة الوراق؟!".. ولأننى اعتدت أن اسأل فقط وفضولى الصحفى يدفعنى دائمًا بشغف نحو المعرفة أعدت عليه نفس السؤال: أيه رأيك أنت؟.. لكن الرجل المسنّ، ذو الرأس الكبير، والوجه الشاحب، رد بعينين غائرتين إلى حد ما، وابتسامة خفيفة تشققت تفاصيلها بفعل الزمن والظروف.. طيب هل اللى حصل فى جزيرة الوراق حد يقدر يعمله مع حد مخالف فى جزيرة الزمالك؟.

لم تكن إجاباتى لتقنع السائق الذى حمل استفهامه تجربة حياتية أعمق من غرض المعرفة نفسه، ووضعنى أمام حالة مأساوية متناقضة تصف حال شقيقين أحدهما سرق نصيب الآخر من أرض تركها لهما والداهما، وظل الآخر يعمل ويعتصر جوعًا لسد بعض الديون التى لحقت به جراء موت أبيه وبلطجة شقيقه.

يقول صديقى الذى صرف نحو 10 آلاف جنيه أثناء حضور عروض عارية في ملهى شهير بمنطقة الساحل الشمالى يمتلكه أحد أبناء رجال مبارك ونجل وزير سياحة سابق إن الوضع كان مختلفًا تمامًا وتصاعدت هناك حدة البذخ المفرط الذي حمل في باطنه محاكاة للطقوس الأمريكية والغربية وصار المظهر مدفوعًا بنوازع سطحية طبقية من أبناء الأثرياء في مصر للتعبير عن ثرائهم الفاحش.

وفى نفس الوقت الذي حدثت فيه ثورة "سوشيالوية" على مواقع التواصل الاجتماعى حنقًا على عروض ملهى الساحل كانت معدات الدولة وآلاتها تعبر إلى وسط النيل لإزالة منازل فقراء الجزيرة تنفيذًا لحملة استرداد الأراضى المُستولى عليها.

ورغم نجاح الدولة فى تنفيذ حملة أطلقها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى فى إعادة آلاف الكيلومترات من الأراضى المسروقة غير أن جهة ما أخطأت فى تقدير موقف جزيرة الوراق، ووضعت نفسها أمام خيارين كلاهما خاسر فإما أن تستكمل حملتها ويسقط حينها مزيد من القتلى والجرحى فى صفوف الشرطة والمدنيين وتجنى مزيدًا من السخط الشعبى وإما العودة بـ"خفى حنين" وتجنى كذلك نفس ثمار الخيار الأول – وهو ما حدث.

وما بين صورة لحفلة لم يكن يمر عليها يومان.. وأخرى لحملة نفذتها الدولة لإزالة أراضى الفقراء المخالفين باتت مصر بائسة حائرة ما بين صورتين يختصران ما آلت إليه الأمور.

ومن الحنق الصارخ من كم البذخ فى منتجعات مارينا والساحل والتجمعات والكامبوندات والهايتس والجرين بورجر إلى دماء الطفشان وغضب أم البنات وعويل أطفال جزيرة الوراق ظهرت مهزلة اجتماعية تشير إلى مأساوية الصراع بين طبقة أثرياء تمتلك وتستمتع بكل شيء وطبقة فقيرة كادحة تبحث عن أى شيء يُتيح لها البقاء على قيد الحياة.

وكما للمسئولين طرق فى تذليل العقبات وتسيير الصعوبات وتنفيذ طلبات السادة "الباشوات" فإن للقانون روحٌ تُوجب على منفذيه وضع البدائل الأخرى والسيناريوهات البديلة والحلول السحرية حبيسة الأدراج التى تخرج بمجرد اتصال هاتفى مهم.

أعلم أن مجرد تشييد مبنى على أسس حديثة عقب إزالة القديم المتهالك منه يستغرق وقتاً كبيراً حتى نراه جميلاً منمقاً، فما بالنا بتأسيس بلد ضخم تهالك اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وعليماً واقتصادياً وأمنياً طيلة عقود وأملى فى الله عظيماً بأنه سينصر قياداتنا ويعبر بهذا البلد إلى شط آمن ومستقر.

إعلان

إعلان

إعلان