• عِش رجلاً تمت بطلاً

    فتحى سليمان

    عِش رجلاً تمت بطلاً

    فتحي سليمان
    06:00 م السبت 15 يوليه 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    يهاتفني وإذ بصوتٍ تخنقه عبرته، يحدثني بنبراتٍ يملأها الألم.. يخبرني عن قائده الشهم الذي فقده بعد أن تعلم منه ألا يهاب الموت.. عرف معنى الاستبسال بصحبته.. ورأي الوفاء بعشرته.. وشاهد الفرق بين الحقيقة والتمثيل برفقته.. أيقن أن الرجولة أسمى من مجرد كلمة ذكر مدونة في ظهر بطاقة شخصية.. وكيف يكون الحب وقت الحرب.. والإيثار وقت المواجهة.. والقوة في الحق.

    لم تكن مجرد كلماتٍ بل تجربة حياتية لخصها لي أحد الضباط ممن تعلموا على يد الشهيد البطل مقدم تامر شاهين ضابط الأمن المركزي الذي استشهد قبل نحو عشرة أيام اثر تفجير استهدف مدرعته قبل تسليم الوردية بسيناء.

    حكى الضابط الذي تتلمذ على يد قائده، وكان يحدثه كل يومين لأخذ مشورته في العمل والحياة أنه لم يكن يتخيل أن يفقد تلك الحماسة التي تحملها نصائح قائده، وأنها ستصير روحاً فقدت الجسد حتى تظل درساً محفوراً في وجدانه هو وزملائه، ولو آتاه الله يقيناً أن النهاية تقترب بتلك السرعة لاقترب أكثر حتى ينهل من تلك الحكمة التي وضعها الله في قائد أحبه الجميع ورثاه من سمعوا به، وتألم كل من فقده.

    "حماية الوطن حاجه مش سهله ومحتاجة وحوش، وأنتم وحوش، وبعدين أنت مش لوحدك إحنا مع الله وأهم حاجة العقيدة إما النصر أو الشهادة".. تشجيع استمر لسنوات، وبسالة منحها الشهيد لضباطه وقت الشدة والمواجهة.. لم يسكته آزيز الرصاص، وظل يطربه كأنه نغم.. كان يضحك وقت الآلم.. ويمزح كي لا ييأس جنوده وضباطه.. علمهم أن الله لا يضيع حق مجتهد.. وأن للحق رجالاً يحمونه ما بقيت الحياة.

    "لن ننسى من علمنا البطولة يوماً".. أنهى الضابط حديثه معي ووعدني وهو يتقلد منصباً جيداً يمنحه الراحة بعيداً عن المواجهة أنه سيتقدم بطلب إلى وزير الداخلية للالتحاق بقوات الأمن في سيناء، وأنه لن يسامح نفسه أبداً لو ترك حق قائده الشهيد.

    مشهد 2

    إن مجرد تخيل نفسها وحدها بدونه شيء يرعبها.. يبث داخلها قشعريرة.. يزد رعبها وانقباضها.. تخلد كل ليلة إلى نومها وفِي مخدعها وسادة اعتادت أن تحتضنها طيلة 70 يوماً مبللة بالدموع.. فكيف لها وهي من رأت نفسها محبوبة من رجل ملائكي الطلعة نقي السريرة.. عفيفٌ الخلق، جميل الملامح.. ظل يمد إليها يده يمسح همها بكفٍ ملساء طاهرة لا شقوق فيها أن تفقده بتلك السرعة.

    كيف لها أن تحيا بدونه ومنذ أن فقدته مازالت تطربها كلماته، وألحانه التي ألفها لها وأشعاره، وخواطره، وأغانيه ووعوده وحكاويه وضحكاته.. مازالت تعشقه وتنتظر عودته أو الذهاب إليه.

    تتذكر يوم راحته وتذهب إلى هناك - ذلك المكان البعيد الذي اعتادا أن يلتقيا فيه - تسمع صوته وكأنه معها .. تقرأ ما كتبه مراتٍ ومرات.. تنصت لمقطوعة رائعة من ألحان موسيقاه.. يشكو لها بعضاً من ضغط العمل، وتوتراته، وتعليمات القادة المستمرة باليقظة والحذر.

    تتسأل كيف يخرج من عصب الظروف القاسية فيض تلك المشاعر وطبيعة عمله كضابط في صفوف الشرطة صلبة وجافة.. يُجيبها بأن موهبته تُثقلها قسوة عمله.. وأن مشاعره تتولد من عمق أزماته.. وأن أقسى أنواع الألم رسمت في مخيلته رواية عشق الحياة. 

    لم يكن متناقضاً بل نظرية حياتيه ظل يحيا بها الضابط الشهيد النقيب محمد وهبة الذي انهار كل زملائه ومحبيه وذويه بصدمة عصبية فور سماعهم نبأ استشهاده مطلع مايو الماضي.

    تتمنى حبيبته أن تُعيده إليها.. تعرف أنها لن تستطيع ..تكاد ترى تفاصيله بين يديها وكأنه لم يمت.. تبدأ رحلتها الداخلية ثقيلة مملة.. يتفاقم إحساسها بفقده لكن شعورها بالفخر تجاه بطولته وسيرته أكبر من أي عذاب تتجرعه.

    "بص للي اتدفن قدامك وقولي فاكر زعل ما بينكم؟، والله ما فى حاجة مستاهلة نزعل من بعض أو نشيل ونهرى وننكت فى نفسنا، اعفوا واصفحوا دي الدنيا لحظة، ونقابل رب كريم، ويا بخت من قابله بقلب سليم".. كانت أخر كلمات الشهيد الذي ظل عاشقاً حالماً بوردية الحياة وصفائها حتى وفاته وعرف أن الموسيقى والحب أفضل طريقة لمواجهة الحقد والغدر.. كان يمنح زملاؤه حنيناً لم يجدوه عند سواه.. وفاصلاً من الأمل في الحياة.

    لذا سيظل بجوار كل أحبائه حياً بسيرته، حتى يرونه هناك.. في جنة الخلد بإذن ربهم.

    "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"

    رحم الله كل أبطال الوطن وشهدائه.

    إعلان

    إعلان

    إعلان