• الرغي.. والرغي الآخر!

    الرغي.. والرغي الآخر!

    فتحي سليمان
    07:00 م الأحد 17 ديسمبر 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    قال لي صديقي موجهاً لوماً يحمل بين طيات حروفه حزناً وهماً على حال مهنة تردت أحوالها وتوارت خلف الزيف والسطحية: "بصراحة أنا بقيت أشوف إن مهنة الصحافة، مابقتش صحافة.. بقت كدب وتفاخر ووسيلة للوصولية والنفاق، والمزايدة الوطنية والسير مع الموجة بدون ليميت محدد أو سقف".

    أخجلتني رسالة صديقي التي أرسلها لي رداً على ما نشرته في هذه الزاوية سابقاً عن حال ثـُلة من المتسلقين في بلاط صاحبة الجلالة، وبقدر ما كان رأيه متسقاً مع ما ذكرت بقدر ما أحبطني كم "العك" في مهنة سامية تسببت "الشللية" و"المحسوبية"، و"الوصولية"، في طعنها في الظهر ممن يمسكون بمقاليدها ويحسبون أنفسهم أوصياءً عليها.

    كانوا وكنا وكنت واحداً منهم أرى أن أولى خطوات عملية الكشف والمحاسبة والمراقبة والمتابعة والتوعية والتثقيف، تبدأ بخبر أو تقرير يكتبه صحفي مخضرم يقبض على أدواته ويرهب قلمه الفسدة ويرعب المفسدين لدرجة أنني كنت أحلم بذلك الْيَوْمَ الذي يأتي ويُعفَى فيه مسؤول بسبب تقرير في جريدة فضح ممارساته الفاسدة.

    "بقيت أشوف مهنتكم عبارة عن شوية صور على الفيس بوك، وهمبكة قدام الناس بدون عمق أو علم أو فهم أو ثقافة.. المعظم يسعى لتكوين علاقات للوصول فقط".. وصفت باقي رسالة صديقي حال المهنة التي ورث عشقها من بيئته المثقفة التي تعشق الاطلاع الدائم، فوجدتني أوافقه الرأي دونما جدال لمصادفته هوىً كنت قد ألمحت إليه على استحياء في بعض منشورات على"فيس بوك".

    يكمل صديقي مضمون رسالته التي تمنيت أن يقرأها كل متمرس ومتدرب في مهنة الصحافة كما وصلتني قائلاً: "أنا بغير والله على اسم الصحافة لوصولها للمرحلة المتدنية دي، لأن الصحفى الشريف النضيف الموهوب في فهمي يعادل فى دوره ومهمته رجل النيابة والمحقق ورجل الشرطة الذي يضبط الجريمة لأنه ببساطة يسلط الضوء على كل أمر سلبى أو سيئ، فى مختلف الأماكن والمجالات ليضيء الظلمات وينشر مكمن الخلل لإصلاحه".

    شعرت بخيبة أمل حينما أخبرني أحد المتحدثين الرسميين في جهة حكومية منذ فترة بأنهم يصنفون في جهة عمله، الصحفيين على أساس الولاء للمؤسسة وخدمتها، وإبراز الجانب المضيء فيها والتغاضي عن مكمن الخلل لعدم النيل من سمعة العاملين فيها، وزاد الأمر حينما ربط عبارات الوطنية والإخلاص والتقدم بعملية النشر، تناقشت معه، وجادلته، ووجهت إليه استفساراً عجز عن الرد عليه: هل يرتبط كرسي أو منصب باسم شخص معين؟ فقال لي: بالطبع لا.. فعاودت السؤال بصيغة أوضح: فلماذا يعكف قسم العلاقات والإعلام في كل مؤسسة فقط على تجميل صورة مدير المؤسسة أو رئيس المصلحة، دونما التطرق إلى خططه أو إفساح المجال لمناقشة تلك الخطط وجدواها للمتخصصين والصحفيين، وطريقة العمل، ومعاقبة من يرصد الخلل ويصرح به ويسعى لنشره لدرجة تصل إلى حد المنع من التغطية وحجب الأخبار عنه. أليست هذه مزايدة ومصادرة ونظرية ترسخ وجهة نظر "اللي على راسه بطحة"؟!.

    انتهى الحوار بيني وبين المتحدث الاعلامي وكلانا مقتنع بوجهة نظره من خلال وضعيته وقناعاته، حتى إشعار آخر.

    نقلت وحررت عشرات الأخبار وسعيت لعمل تغطيات صحفية محترمة، وفي معظمها لم أكن أحصل على معلومة بسهولة حتى يكاد اليأس يتمكن مني بسبب التعتيم والحجب وعدم الوضوح، لكنني أكون في قمة السعادة حينما أتمكن من إحراز نصر ولو يسير على مسؤول اعتاد التعتيم والإخفاء فأُرسل له مضمون ما أخفاه عني كنوعٍ من المكايدة التي تشبه في حلقاتها صراعات "توم وجيري"، لينتهي الأمر إلى صداقة مغلفة أو تجنب تام إعمالاً بمبدأ: "يا نحلة لا تقرصيني".

    إليك ياصديقي، فالصورة وإن كانت قاتمة بعض الشيء فإن بها جانبًا مضيئًا، وإن كان العجز والوهن دبّ في جسدها فالكلمات قد تضعف وتذبل وتغفو لكنها لا تموت أبداً، ومسارات التصحيح تعمل وسوف تتواصل لمواكبة متطلبات الناس واحتياجاتهم، وانطلقت دعوات المهنية والعودة لأصول وقواعد المهنة في مؤسسات مصرية ووطنية (خاصة، وحكومية)، وإن كانت قد تأخرت كثيراً لكن العجلة تحركت وستعطي نتائج أكثر نضوجاً وتجارب أكثر رضا مع مرور الوقت. أيضا بدأت عمليات تنقية جداول نقابة الصحفيين من المدّعين والمزوّرين، وإن كانت غير كافية او رادعة.

    وأخيراً لو وضعت جميع المؤسسات الصحفية كلمات أمير الصحافة وسوطها الذي طالما جلد به وزراء ومسؤولين "أن يفوتك ١٠٠ سبق صحفي أفضل من أن تنشر موضوعاً كاذباً"- شعاراً لها لما بات الصدأ ينخُر في تاج الملكة بسبب اللهث الخبري وعدم التدقيق وعدم منطقية المعلومة وتناقضها من مؤسسة لأخرى.

    إعلان

    إعلان

    إعلان