• لحظة التحول.. أرأيت الذي يكفر بالحياة؟!

    لحظة التحول.. أرأيت الذي يكفر بالحياة؟!

    فتحي سليمان
    09:00 م الجمعة 17 نوفمبر 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    ببساطة ودون تعقيدات مصطلحية أو مسميات بحثية متشابكة، ودراسات مطولة عن ماهية التطرف والظروف التي تدفع المتطرف لاتخاذ منحنى انعزالي عن المجتمعات المتسامحة، وعن تلك اللحظة التي يتخذ فيها قراره باستحسان وارتياح ويلفظ الدائرة التي نشأ فيها، والبيئة التي خرج منها، إلى جبهات وتنظيمات ملفوظة، تكفر المجتمع وتحقد عليه وتستبيح دمائه بكل رضا وارتياح.

    بعيداً عن الهوى السياسي الذي يلاقيه معتنق الأفكار المتطرفة أحياناً عند مستخدميه ومجنديه، ما هي طبيعة ذلك الرضا الداخلي والسلام النفسي الذي يلقاه عقب ارتكاب عملية تخريبية أو استهداف دموي يتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة التي تجافي إراقة الدماء والخراب؟

    رأينا جميعاً كمصريين وتابعنا حوار الإرهابي الليبي عبد الحميد المسماري مع الإعلامي عماد الدين أديب وشاهدنا استفزازاته وإجاباته التي تعبر عن ارتياح ضميره، رغم تقتيله وجرائمه وتنفيذ الأوامر دون تفكير وتحوله من إنسان كرمه الله إلى ترس في آلة، يُؤمر فيُنفذ، ويُطلب منه فيستجيب، ويُشار إليه فُيلبي، لاغياً عقله وفكره وفطرته.

    تحدثت مع عدد غير قليل من معتقلين سابقين ممن سُجنوا على خلفية إرهاب التسعينيات وباحثين في شؤون الحركات الإسلامية وقيادات أمنية ضبطت وحققت مع عناصر تكفيرية ومتطرفة، جميعهم اتفقوا أن لحظات التحول إلى التطرف سببها عجز الدولة عن مواجهة خطة التنظيمات الإرهابية لتجنيد وترك القبضة الأمنية تغرد بمفردها في حرب ممتدة منذ أربعينيات القرن الماضي وتشتد ضراوة وشراسة عالمياً وإقليمياً ومحلياً.

    اللحظة التي ينصهر فيها العنصر المتطرف في جماعته، هي تلك التي ينفصل فيها بعقله وقلبه عن المجتمع وآلامه وهمومه ومشكلاته ويضع أمامه تلك القائمة من الأخطاء التي يركز عليها قادته ويبدأ في صياغة الشكل الذي يراه ويبلور قناعاته الدينية للتخلص من أهل الشر فيصير رهن إشارة أمرائه وعبداً لتنفيذ أوامرهم.

    تبدأ تلك اللحظة بمخاطبة عقله، بعدما تجمدت المؤسسة الدينية الرسمية فما عادت تقدم له تلك الأجوبة التي تستطيع إعادته عن مساره. وتتخذ فكرته أكثر عمقاً نتيجة المعلومات السطحية والأفكار الهزيلة التي تلقاها في دراسته وبيئته، وتتمكن منه قناعاته الجديدة جراء ثقافة الخواء العاجزة في مجتمعه عن تكوين فكر واع قوي يواجه ويناقش فيصبح العنصر أسيراً لعملية "غسيل دماغ" ممنهجة تتم بإتقان ومرونة وتستمر عدة أشهر حتى يصير جاهزاً لتنفيذ المهمة ومنصهراً في جماعته الجديدة.

    الرضا عن النفس والارتياح الداخلي لدى "العنصر"، يبدأ عند استحضار كل أفكار الحقد وأدوات الكره ومواد الغضب من مجتمعه والتي تُبث في عقله، فُتتكرس فكرة الغربة والاغتراب لديه لتصبح جماعته الجديدة وتنظيمه الذي ينصهر فيه هو مصدر التوجيه الوحيد الذي يحدد له ماهية الخير والإيمان والحق في مواجهة الباطل والكفر والشر.

    تراجع مؤسسات الدولة واقتصار دور المواجهة على المؤسسة الأمنية فقط وتجمد الخطاب الديني وسطحية الأداء الإعلامي والتعاطي مع القضايا الدينية بشكل سطحي وعشوائي وعدم إثراء الحياة الثقافية والفقر، كلها عوامل منحت التنظيمات المتطرفة بيئات خصبة لاستقطاب وتجنيد عناصرها بسهولة.

    العقل التكفيري ليس مسلوب الإرادة ولا وهمي أو سطحي لكن تكونت لديه قناعات راسخة هي أحياناً أشد ضراوة وأعمق فكراً ممن يواجهه، لذلك التماسك المجتمعي وإصلاح الحالة الأمنية وآليات المواجهة للتنظيمات المتشددة، وإثراء أدوات النقد والتفنيد مهم جدا لحصار التطرف فكرياً وأمنياً ومجتمعياً.

    إعلان

    إعلان

    إعلان