هل نحن عرب حقاً؟

هل نحن عرب حقاً؟

ياسر الزيات
09:00 م الأربعاء 01 نوفمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

قابلت صديقي الإيطالي، مصادفة، في أمستردام. كان يعيش في القاهرة لسنوات، ويحب مصر والمصريين، لكن مصر قست عليه في السنوات الأخيرة، كما قست على الكثير من أبنائها ومحبيها، فاضطر للانتقال إلى برلين.

خرجنا لندخن أمام الفندق الذي التقينا فيه، وكان الطقس هولندياً بامتياز، وأضيفت إليه رياح شديدة تقترب من العاصفة. غيوم كثيفة تقترب من الأرض حتى يهيأ لك أن بإمكانك أن تمسكها بيديك، ومطر تتفاوت غزارته حسب السحابة التي تمر فوقك، أو السحابة التي تمر تحتك. أما الهواء فهو رمادي قاتم، لا يلائم من اعتادوا مثلنا على الشمس الصريحة التي لا ريب فيها. ذلك هو الطقس في هولندا، ويشبهه كثيرا الطقس في ألمانيا. وإذا رأيت الشمس ساطعة، فلا تنخدع أبدا بسطوعها، لأن دوام الشمس من المحال هنا، ولن تمر دقيقة قبل أن تقرر غيمة كثيفة عابرة أن تغرقك بمائها، ويعود الطقس إلى لونه الرمادي القاتم لأيام أو لأسابيع. 

هنا التقينا، أنا وصديقي الإيطالي، في قلب تلك العاصفة الرمادية، فقال لي: "نحن، أبناء المتوسط، يصعب علينا أن نحتمل مثل هذا الطقس"، ووافقته تماما: "نحن أبناء الشمس". 

ثم تأملت حديثنا، فاكتشفت أننا نتحدث بصيغة "نحن"، التي تستوجب أن يكون في مقابلها "هم". ما الذي يجمع مصرياً وإيطالياً، ويجعلهما وحدة واحدة، حتى أنهما يتحدثان بصيغة "نحن"؟ كنا نتحدث معاً بالإنجليزية أحيانا، وبالعربية التي يجيدها أحيانا أخرى، لكن اللغة لم تمنع أيّاً منّا من الشعور بالانتماء إلى الآخر، أو إلى ثقافة الآخر، في مواجهة آخر ثالث يمثل هؤلاء الـ"هم". ولكنني لا أنتمي إلى الثقافة الإيطالية، ولا هو ينتمي إلى الثقافة المصرية، فما هو ذلك المشترك الغامض الذي يوحدنا في مواجهة آخر حقيقي بالنسبة لنا نحن الاثنين؟ لا أحد فينا يشارك الآخر لغته أو ديانته، لكننا نشترك معاً في جغرافيا واحدة تجمعنا، ويصعب أن تفرقنا، هي جغرافيا البحر الأبيض المتوسط.

كان طه حسين أول من لفت الأنظار إلى انتماء المصريين عميقا للثقافة المتوسطية، في كتابه الذي يصعب العثور عليه، لأن أحداً لا يعيد طباعته، رغم أهميته الشديدة، وهو "مستقبل الثقافة في مصر". وفيه يحاجج طه حسين بالانتماء المصري للثقافة المتوسطية، باعتبارها الانتماء الأكثر قربا والتصاقا وثباتا لطبيعة المصريين. هو طرح شديد الجرأة وسابق لأوانه، لأنه يتحدى المعتاد لدينا، وهو الانتماء إلى اللغة والدين. 

تذكرت الكتاب بعد أن جمعتني "نحن" بصديقي الإيطالي، فأحسست- بصدق- بمدى تشابهنا، وقد أجرؤ على القول بأنني أحسست بأنه- رغم كونه إيطالياً- أقرب لي من شخص خليجي، ربما كان يشاركني اللغة نفسها، والمعتقد الديني نفسه. 

أسأل نفسي: هل يمكن لثقافة أن تقوم على اللغة أو الدين؟ نحن ندعي أننا نتحدث اللغة العربية، لكننا في الحقيقة نتحدث لغات أصلها عربي، وبعضها لغات تغلب عليها اللغة العربية لا أكثر. ولولا أن الأغاني المصرية والسينما المصرية كانت لها السطوة والغلبة في فترة من الفترات، لأصبحنا- نحن المصريين- تائهين حقاً في محيط متلاطم من اللهجات المحيطة. 

وكثيراً ما أخجل لأن صديقاً مغربياً أو تونسياً أو سورياً يحاول أن يخفف من لهجته لكي أفهمها، وأشعر بالذنب لذلك، لكن لولاه لانقطع الاتصال، واستحال الفهم. هذا أمر طبيعي، لأن اللغة كائن حي، ينمو، ويتطور، ويتحور، ويتغير بتغير الطبيعة المحيطة، لكن الطبيعة نفسها لا تتغير، لأنها مرتبطة بعوامل جغرافية ومناخية. فهل يمكن نسب الثقافة إلى لغة؟ هل يستقيم أن نقول إننا عرب لمجرد أننا نتحدث اللغة العربية؟ لماذا لا يقول سكان أمريكا اللاتينية إنهم إسبان أو برتغاليون مثلا نسبة إلى اللغة؟ ربما أفهم أننا أفارقة أو مصريون أو متوسطيون، لكن يصعب عليّ أن أفهم فكرة الانتماء إلى لغة لم تعد موجودة بالفعل. 

ظني أن هذا سؤال يستحق التفكير فيه: هل نحن حقاً عرب؟

إعلان

إعلان

إعلان