المتمشيخون و"كعب الرقاصة"

المتمشيخون و"كعب الرقاصة"

فتحي سليمان
07:00 م الجمعة 20 أكتوبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أنهي ليلته داخل ملهى ليلي، شاهد فيه راقصات يتمايلن وفتيات "ريكلام" يتحايلن ويتخايلن لافتتانه وما أن قضى سهرته ثملاً عاد في الخامسة صباحاً إلى منزله، كان أذان الفجر يرتفع والمساجد تعج بالصلوات، سار حيث تحفظ قدماه طريقه، دخل غرفته وقبل أن يبدل ملابسه، وصلته رسالة على تطبيق الـ"واتس آب" فيها صورة لمنظر طبيعي مكتوب عليها: "اللهم صبح أحبتي صباحاً ينفرج فيه همهم ينشرح فيه صدرهم ويوسع فيه رزقهم وتستجاب فيه دعواتهم... اللهم جئناك خاشعين ساجدين فردنا إليك مرداً جميلاً".

دون أن يتأمل كلمات الرسالة أو ينشغل كثيرا بقراءة ما هو مكتوب فيها أو يدري معناها ضغط على علامة forward وذهب إلى خانة إعادة لإرسال وحوّل الرسالة إلى جميع من هم بقوائم المجموعات على هاتفه المحمول، وضع الهاتف في شاحن الكهرباء على كرسي مجاور لسريره وغط في نوم عميق.

وصلتني الرسالة من الصديق الذي اعتاد إرسال هذه النوعية من الرسائل كل صباح حتى أن صفحته على فيس بوك لا يكاد يخلو منشور كتبه أو تعليق أو مشاركة من دعاء أو ذكر وعظة حسنة تخبرك للوهلة الأولى أن "مولانا" يجب أن يتقلد منصباً في دار الإفتاء المصرية أو واعظا في هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تماماً صديقي كضابط كنت أعرفه لا تفارق يده سبحته، يتوضأ ليصلي الفرض بمجرد أن يحين وقت أدائه، كتاباته لا تخلو من مسحة دينية أو حكمة دنيوية في الوقت الذي لا تفارق سيارته "تذاكر" الهيروين التي يضعها لأبرياء في قضايا ملفقة حتى سقط قبل أسابيع متهماً بسبب دعوة مظلوم نزلت فوق رأسه، وزجت به سجيناً خلف قضبان أحد مقرات الاحتجاز.

وثالثهما، رجل الأعمال الذي يدير صفقاته المشبوهة في تجارة الآثار والاستيلاء على الأراضي بالتوازي مع تخصيصه لقطعة أرض باهظة الثمن في إحدى قرى محافظته بالصعيد لبناء المسجد والمجمع الطبي الخدمي لأبناء قريته ممن تتنزل عليهم عطايا "عمك الحج"، كغيث ينجيهم من ظروف السنوات العجاف.

لا يختلفون، عن سيادة النائب ذلك الذي أباح لنفسه بيع تأشيرات الحج الممنوحة كهدايا لأبناء دائرته، للتربح لنفسه وذويه، والمطبب الذي يتاجر بآلام مرضاه فيهمل في مشفاه الحكومي حيث جهة عمله ليعطيهم عنوان عيادته في الطابق الحادي عشر في برج الأطباء بالمنطقة الراقية، والتي يغلقها كل عام لمدة ١٥ يوماً لأداء فريضة الحج تاركاً لافتة عريضة على باب العيادة "الدكتور فلان سيستأنف العمل عقب العودة من الحج".

والمدرس الذي يتغزل في بهاء طالبته تارة وأم تلميذ توفي زوجها منذ فترة مستغلاً مهارته في كورسات اللغة الإنجليزية ومهارته في اختلاس اللحظات الحرام والمهندس الاستشاري الذي يمنح أصحاب عقارات حي المعادي تلك الشهادة المضروبة بأن العقار آيل للسقوط كي يحصل على حكم بإزالته.

والمحامي المتفنن بثغرات القانون لإخراج تاجر الهيروين والصحفي المتسلق الذي يكتب ما يسره أن يراه المسؤول ويرضى عنه والمنتج الجزار والفنان الطائش والقاضي الظالم والوزير "المزاجنجي".

القاسم المشترك الذي يجمع هؤلاء في صحن الحرم المكي لأداء فريضة الحج كل عام للتكفير عن الذنوب دون تغيير أو توبة حقيقية كتلك الراقصة التي تعود بمجرد ان "يرف" كعب قدمها.

سوف تنجح مسيرة نقل المواطن من عيشة بالإيجار المؤقت في بلد تئن بالأزمات إلى راحة تمليك وطن خال من الأمراض ولكن بتجنيب المزيفين ممن لا يجيدون طول الوقت سوى تسويق أنفسهم وكذلك تنهض بضمائر أبنائها اليقظة وأيديهم البيضاء.

معاً نحو وطن عنوانه الكفاءة وميزانيته التحدي وقدوته أصحاب الإنجاز والفكر.

إعلان

إعلان

إعلان