كشف الدكتور محمد معيط، رئيس المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي ووزير المالية السابق، تفاصيل الأوضاع الاقتصادية التي مرت بها مصر منذ عام 2016 وحتى أزمة 2022، متحدثًا عن تراجع الاحتياطي النقدي، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وخروج الأموال الساخنة، وتداعيات الضغوط التمويلية التي تعرضت لها البلاد.
كما تطرق "معيط" إلى ما وصفه بكثافة التقارير السلبية الصادرة عن مصر والاقتصاد المصري، مشيرًا إلى خلافات نشبت بينه وبين إحدى مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية بسبب ما اعتبره مبالغة في خفض التصنيف الائتماني لمصر خلال فترة متقاربة.
جاء ذلك خلال لقائه مع الإعلامي والكاتب الصحفي مجدي الجلاد، رئيس تحرير مؤسسة "أونا" للصحافة والإعلام، التي تضم مواقع: ("مصراوي" و"يلا كورة" و"الكونسلتو" و"شيفت")، في بودكاست "أسئلة حرجة" المذاع على "مصراوي".
محمد معيط: احتياطي النقد الأجنبي كان قريبًا من الصفر في 2016
أشار الإعلامي مجدي الجلاد في بداية الحديث إلى وضع الاحتياطي النقدي في عام 2016، متسائلًا عن علاقة هذا الاحتياطي بحياة المواطن اليومية، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ورد "معيط" بأن توفير احتياجات المواطنين من السلع والخدمات يتطلب وجود عملة أجنبية لشراء الاحتياجات الأساسية، موضحًا أن الوضع في عام 2016 كان بالغ الصعوبة، إذ اقترب الاحتياطي النقدي من مستويات حرجة ولم يعد كافيًا لتوفير احتياجات الدولة والتزاماتها.
وأكد أن برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي الذي بدأ في 2016 كان، من وجهة نظره، ضرورة فرضتها الظروف، قائلًا إن مصر لم تكن تملك بديلًا آخر في ذلك التوقيت.
لماذا كان برنامج الإصلاح الاقتصادي حتميًا؟
تطرق الحوار إلى تصريحات سابقة للرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن اجتماع عقد في 2016 مع قيادات الدولة والحكومة والأجهزة المختلفة، لبحث برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وسط مخاوف من تداعياته الاجتماعية.
وأوضح "معيط" أن المخاوف في ذلك الوقت كانت مرتبطة بتأثير البرنامج على المواطنين، واحتمال رفضهم للإجراءات المصاحبة له، مشيرًا إلى أن الرئيس السيسي تحمل مسؤولية تنفيذ البرنامج في ظل عدم وجود بديل آخر لمعالجة الأزمة الاقتصادية واستنزاف الاحتياطي النقدي.
وأضاف أن المشكلة الأساسية آنذاك كانت تآكل الاحتياطي النقدي بصورة خطيرة، بما جعل قدرة الدولة على شراء احتياجاتها والوفاء بالتزاماتها الخارجية محل ضغط شديد.
معيط: كان مطلوبًا تهجير الفلسطينيين إلى سيناء
انتقل الحوار إلى الفترة التي أعقبت نهاية عام 2019 وظهور جائحة كورونا، ثم أزمة خروج الأموال الساخنة في 2022، والتطورات التي تلت ذلك وصولًا إلى عام 2024.
وأشار "الجلاد" إلى أن مصر واجهت خلال هذه الفترة خطرًا اقتصاديًا كبيرًا، قبل أن تأتي صفقة رأس الحكمة لتوفر سيولة دولارية وتخفف حدة الضغوط، وتساءل عن طبيعة الضغوط التي تعرضت لها مصر بين عامي 2022 و2024، وما إذا كانت التقارير السلبية المتزايدة جزءًا من تلك الضغوط، وما إذا كان من بين المطالب المطروحة قبول تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
وقال الدكتور محمد معيط إن ما كان يتم تداوله بشأن المطلوب من مصر تضمن طرح تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وإن هذا الطرح كان مرتبطًا بما وصفه بحل مشكلة غزة وتصفية القضية الفلسطينية.
وأكد أن مصر رفضت هذا الأمر بشكل تام، وأن الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن موقفًا واضحًا في هذا الشأن، مشيرًا إلى أن القضية لم تكن مجرد ملف اقتصادي، وإنما ارتبطت بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري.
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والأمني الذي كانت تمر به المنطقة، خصوصًا مع تعرض الاقتصاد المصري لأزمة تمويلية حادة خلال تلك الفترة.
وفي سياق الحوار، طرح "معيط" تصورًا مفاده أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يستخدم كوسيلة لإجبار الدولة على اتخاذ قرارات معينة، من خلال تضييق البدائل أمامها بصورة تدريجية.
وأوضح معيط أن مصر كانت تواجه بالفعل أزمات متتالية، مشيرًا إلى أن الحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة كانت تتابع التطورات وتدرك حجم الصعوبات التي بدأت تتفاقم منذ عام 2022.
وأكد أن الضغوط لم تبدأ مع أحداث 7 أكتوبر 2023، وإنما سبقتها أزمة خروج الأموال الساخنة والتداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، وما ترتب عليها من ضغوط على الاقتصاد المصري.
محمد معيط: كنا نتساءل عن كثافة التقارير السلبية
تحدث وزير المالية السابق عن التقارير التي كانت تصدر بصورة متواصلة عن الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن التساؤل الأساسي داخل الحكومة كان يتعلق بحجم هذه التقارير وتكرارها.
وقال إنهم لم يكونوا يعرفون أسباب هذا الكم من التقارير السلبية التي كانت تصدر عن مصر بصورة يومية وبشكل اعتبره مبالغًا فيه، موضحًا أن الأمر أثار تساؤلات بشأن أسباب زيادة الضغوط والتقييمات السلبية للاقتصاد.
وأضاف أن مؤسسات التصنيف الائتماني كانت من بين الجهات التي أصدرت تقييمات متتالية بشأن مصر، وهو ما دفعه، خلال توليه وزارة المالية، إلى الدخول في خلاف مع إحدى مؤسسات التصنيف العالمية.
محمد معيط: اختلفت مع مؤسسة تصنيف بسبب خفض التصنيف
أوضح الدكتور محمد معيط أنه لن يذكر اسم المؤسسة التي اختلف معها، لكنه أكد أن الخلاف كان مرتبطًا بما اعتبره مبالغة في التعامل مع خفض التصنيف الائتماني لمصر بصورة متلاحقة وسريعة، مشيرًا إلى أنه في بعض الأحيان لم تكن هناك إجابات واضحة لديه عن أسباب استمرار التقارير السلبية والضغط المتزايد على التصنيف الائتماني المصري.
وأكد وزير المالية السابق، أن خفض التصنيف الائتماني ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على الوصول إلى مصادر التمويل، موضحًا أن تراجع التصنيف يمكن أن يؤدي إلى إغلاق أو تضييق بعض مصادر التمويل أمام الدولة.
لماذا أغلقت مصادر التمويل أمام مصر؟
أوضح "معيط" أن مؤسسات التصنيف كانت تستند في تقييماتها إلى مؤشرات اقتصادية ومالية، من بينها الاحتياجات التمويلية للدولة، ومدى قدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية، وحجم الالتزامات قصيرة الأجل، إلى جانب وضع الاحتياطي النقدي.
وأضاف أن عدم وجود برنامج فعال مع صندوق النقد الدولي كان يؤثر أيضًا على نظرة المؤسسات المالية الدولية إلى الاقتصاد المصري، موضحًا أن بعض الجهات كانت تربط إتاحة التمويل بإتمام المراجعات الخاصة ببرنامج الصندوق.
وأشار وزير المالية السابق، إلى أن البنك الدولي، على سبيل المثال، كان يتعامل مع التمويلات والمراجعات في ضوء مسار برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي، وهو ما جعل تعثر البرنامج أو تأخر المراجعات ينعكس على إمكانية الحصول على بعض التمويلات.
خروج الأموال الساخنة بدأ قبل حرب غزة
شدد محمد معيط على أن خروج الأموال الساخنة والضغوط الاقتصادية بدأت قبل أحداث 7 أكتوبر، مؤكدًا أن نقطة التحول الرئيسية كانت في مارس 2022 مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وأوضح أن الأزمة أدت إلى رد فعل قوي في الأسواق وخروج سريع للأموال، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة الأمريكية، ثم تلاحقت بعد ذلك الضغوط الاقتصادية والمالية.
وأضاف أن هذه التطورات جاءت قبل حرب غزة، ثم جاءت أحداث لاحقة لتزيد من حدة الضغوط، في وقت كانت فيه مصر تواجه احتياجات تمويلية كبيرة والتزامات خارجية ومحدودية في الوصول إلى الأسواق الدولية.
وأكد الدكتور محمد معيط، في ختام حديثه، أن استعادة الثقة في الاقتصاد المصري والقطاع المصرفي كانت عنصرًا أساسيًا في تجاوز تلك المرحلة، إلى جانب توفير مصادر العملة الأجنبية والتمويل التي ساعدت الدولة على التعامل مع الأزمة.
اقرأ أيضًا:
مجدي الجلاد يسأل محمد معيط: الاقتصاد مؤشرات ولا جيب المواطن؟ - (فيديو)
مجدي الجلاد يواجه محمد معيط: الحكومة غرقت في الديون.. فما ردك؟ - (فيديو)