نقيب الصحفيين: أزمة قيد صحفيي المواقع تستوجب نقاشًا جادًا داخل الجماعة الصحفية
كتب : مصراوي
خالد البلشي نقيب الصحفيين
قال الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، إن أزمة تقدم الإعلامي شريف عامر للقيد بنقابة الصحفيين أعاد من جديد فتح جرح شديد العمق في جسد المهنة، وأعاد إلى السطح قضيةً كان مسكوتًا عنها، تمثل واحدة من أخطر أزمات الصحافة المصرية في الوقت الراهن: وهي قضية مدّ الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة، وقطاعات واسعة محرومة منها، وهم المتدربون والصحفيون العاملون في المواقع الإلكترونية.
وأضاف في منشور على صفحته على فيسبوك، أن هذه القضية المعروفة بأزمة قيد صحفيي المواقع الإلكترونية. فقطاع كبير من الصحفيين، رغم الاعتراف بهم رسميًا من قبل الدولة، ورغم صدور القانون (180) لسنة 2018، الذي اعترف بالصحافة الإلكترونية والرقمية، ووضع تعريفات واضحة لها، لا يزالون يعملون بلا حماية نقابية، ولا ملاذ لهم، في ظل نصوص الدستور المصري، التي جعلت لكل مهنة نقابةً مهنيةً واحدةً، سوى الحصول على حماية نقابة الصحفيين، ولكنها مغلقة في وجوههم بفعل تفسيرات للنصوص القانونية يتحتم علينا البحث عن مخارج لها؛ حفاظًا على المهنة وبنيان النقابة.
وأشار إلى أزمة تقدم شريف عامر للقيد كشفت أيضًا عن حجم الغضب المكبوت داخل قطاعات واسعة من الصحفيين والممارسين للمهنة، دفاعًا عن حقهم المشروع والمسلوب في الحصول على هذه الحماية. وهو حق يعترف به غالبية ممارسي المهنة، لكن الوصول إليه لن يأتي إلا عبر نقاش جاد يتجاوز الانفعالات الحادة، والغضب غير المؤطر، ويرسم خريطة واضحة للمستقبل تراعي مصالح جميع الأطراف، وتتجاوز تخوفات قطاع واسع من أبناء المهنة.
وقفة مع النفس: خطوات إضافية
وقال نقيب الصحفيين: "على الرغم من أن مجلس النقابة الحالي اتخذ عددًا من الخطوات لصالح الاعتراف ببعض حقوق ممارسي المهنة من غير النقابيين، بدءًا من الإعلان بوضوح عن أن المجلس يدافع عن جميع ممارسي المهنة، والسعي الجاد للتفاعل مع شكاواهم، والتدخل في قضايا العمل لصالح قطاعات كبيرة منهم، والدفاع عن حقهم في ممارسة المهنة، وضم المحبوسين منهم إلى قوائم النقابة، وخوض معركة الإفراج عن عددٍ ممن تم القبض عليهم من غير النقابيين، وفتح أبواب النقابة لهم، وإتاحة الفرص لتدريبهم، وعدم التفرقة بين أعضاء النقابة، والمتدربين في قضية مؤقتي الصحف القومية، والمطالبة بتفعيل النصوص القانونية على المتدربين من خلال إلزام الجهات بإرسال قوائم بأسمائهم كشرط لقبول القيد في المستقبل".
وتابع: "إلا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى ضرورة تحويل هذه الخطوات إلى فعل قانوني ومؤسسي يعيد لهم حقهم المسلوب في الحماية النقابية، من خلال فتح الباب بشكل قانوني أمام قيدهم، والاعتراف بهم مؤسسيًا وقانونيًا، وهي خطوة صارت فرضَ عينٍ على الجميع".
مكاسب المهنة والنقابة والسوق
وتابع: "لعل الرسالة الأهم، التي يجب أن يدركها جميع الأطراف، أن هذه الخطوة ليست مجرد إقرار بحق مسلوب، ولكنها أيضًا السبيل للحفاظ على المهنة وإصلاح أوضاعها وملاحقة أشكال تطورها، فضلًا عن كونها لازمة لضبط السوق الصحفي. فمدّ مظلة الحماية النقابية للجميع سيسمح في الوقت نفسه بإغلاق الأبواب الخلفية أمام المنتحلين، وتفعيل سبل محاسبة المتجاوزين. فضلًا عن أن مستقبل النقابة وقدرتها على التعبير عن الصحفيين ورعاية مصالحهم سيظل مرهونًا بانفتاحها على المستقبل، ومدّ الحماية لجميع الممارسين لها وتمثيلها لجميع ممارسي المهنة، تطبيقًا للنصوص الدستورية".
وشدد نقيب الصحفيين على أن مستقبل المهنة وتطورها رهن بأن تمد النقابة مظلتها لحماية جميع العاملين بها، وهو ليس حقًا للصحفيين الإلكترونيين فقط، ولكنه سيحقق أيضًا مصلحة جميع الأطراف، وفي مقدمتها الجماعة الصحفية، بل والجهات التنفيذية أيضًا، من خلال تطبيق الضوابط النقابية على الجميع، وعدم استغلال أخطاء بعض المواقع كذريعة للتضييق على عمل الصحف أو العصف بحرية الصحافة، فضلًا عن أن المواقع الإلكترونية هي "الباب المفتوح" حاليًا على اتساعه لتوسيع السوق الصحفي، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تحيط بالصناعة، والتكاليف العالية للطباعة، وكذلك تراجع البنية التحتية والمؤسسية لصناعة وشركات التوزيع، بعد خروج عددٍ كبيرٍ من الموزعين ومنافذ التوزيع من السوق، وهو الباب الذي يضمن استيعاب أكبر عددٍ من ممارسي المهنة والعاملين والمبدعين داخل السوق الصحفية.
نظرة على فلسفة القانون: إعادة التفسير لا التعديل
وواصل: "أعتقد أننا نحتاج لنقاش جاد حول سبل مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة بما يحافظ على حقوق جميع الأطراف. ولعل أحد الأبواب هو إعادة تفسير النص القانوني الحالي لصالح المستقبل، مع وضع ضوابط صارمة وحادة تمنع دخول منتحلي الصفة، وتضمن في الوقت نفسه ألا تصبح المواقع بابًا خلفيًا للعضوية، من خلال تشديد الشروط ووضع ضوابط صارمة لقبول المتقدمين، من خلال قصر القبول على المواقع ذات البناء المؤسسي، التي تضمن علاقة عمل حقيقية مقابل أجر عادل، وتكفل ضمانات لاستمرار علاقة العمل، وتحفظ الحقوق المتبادلة بينها وبين النقابة، مع تحديد حد أقصى للمقيدين طبقًا لطبيعة الموقع والمؤسسة، التي تنطبق عليها هذه الشروط المؤسسية، وبما يضمن في الوقت نفسه ألا يتم استغلال عدم شمول الحماية النقابية لقطاعات واسعة من الصحفيين لفتح أبواب لتمثيلهم عبر مؤسسات نقابية ناشئة يسهل إخضاعها، بدعوى أن نصوصها القانونية تسمح بذلك، في محاولة لتقليص دور نقابة الصحفيين على المدى الطويل".
نقيب الصحفيين أوضح أيضًا في منشوره أن نظرة متأنية على فلسفة القانون وقت وضعه عام 1970، ستكشف أن المشرّع كان حريصًا على مدّ الحماية النقابية لجميع العاملين في المهنة، باختلاف تنوعاتها وقت صدور القانون. فتحدث عن "الصحافة المطبوعة"، كما مدّ الحماية لصحفيي الوكالات، الشكل الوحيد خارج أدوات الطباعة ومفهومها وقت صدور القانون، ولم يقف عند هذا الحد، بل إنه فتح باب الحماية النقابية من خلال الانتساب لمَن يمارسون مهنة الصحافة حتى لو كانوا يعملون بوظيفة أخرى، وكذلك للصحفيين الأجانب، والعرب المقيمين على أرض مصر طوال مدة إقامتهم، وهو الحق الذي تم نقله من النقابة لجهات أخرى، وهو ما يجب علينا فتح نقاش ممتد حول مسبباته ونتائجه، وأثره على النقابة والمهنة.
وأضاف: "نظرة مدققة لمواد القيد في القانون تظهر بوضوح أنها لم تقف عند حدود الصحف الورقية كما تروج بعض التفسيرات، للنص الخاص ب "الصحافة المطبوعة" – رغم ان مفهوم الطباعة في حد ذاته قد يتسع ليتجاوز التفسير الضيق – بل أن هذه المواد شملت وسائل نقل المحتوى الصحفي المتاحة وقتها ومنها الوكالات، وهي في طريقة وشكل عملها المهني أقرب للمواقع الإلكترونية ولا تقوم على الطباعة ولا تشترط وجود إصدار ورقي".
آثار مد الحماية: مواجهة البطالة وضبط للسوق وتطوير للمحتوى
وتطرق نقيب الصحفيين إلى ضرورة أن يشمل الأثر المترتب على مدّ هذه الحماية. فالمؤسسات القديمة لم تعد قادرة على حل العديد من المشاكل المتراكمة، مثل مشكلة البطالة، التي لن يمكن استيعاب المتضررين منها إلا من خلال المؤسسات الجديدة، خاصة أن غالبية المشروعات الجديدة في عالم الصحافة تسعى لتأسيس مؤسسات رقمية، وعبر إخضاعها للقواعد القانونية والنقابية تكون بوابة للحل.
كما أن ضم هذه المؤسسات يفتح الباب لضبط السوق من خلال اشتراطات الحد الأدنى، والحصول على تدريبات بعينها للاستمرار، وكذلك يفتح الباب للخبرات داخل المؤسسات القديمة، التي تسعى لتقليص الأعداد أو التخلص منها، عبر فتح مجالات أوسع للاستفادة من هذه الخبرات، فضلًا عن أن قدرة هذه المؤسسات على الوصول إلى أعداد أكبر من المواطنين والمستخدمين الجدد، عبر ملاحقة مستمرة للتطورات، تفتح الباب لمناقشة سبل تطوير الصحف الورقية وتحويلها إلى مراكز للتأثير عبر صحافة أكثر عمقًا، وأكثر تخصصًا.
تنقية الجداول والتصدي لتجارة العضوية
وتابع: "هذا الانفتاح، مع وضع قواعد شديدة الصرامة للقيد، سيفتح الباب أيضًا لاتخاذ إجراءات نقابية لتنقية الجداول – وهو ما بدأته النقابة حاليًا – دون ضغوط اتساع رقعة البطالة، وكذلك تحديد حجم السوق والعاملين فيها، بما يسمح بمواجهة جادة مع منتحلي الصفة، استكمالًا للإجراءات التي بدأتها النقابة مؤخرًا، ويعيد استيعاب المهنيين الحقيقيين داخل السوق المتسع.
إن المخاوف من ضم الصحافة الإلكترونية، لا بد من مواجهتها وبحث سبل السيطرة عليها في ظل استيعاب أعداد كبيرة من العاملين فيها عبر التراخيص القديمة، التي اتسعت نسخها الرقمية، بينما تراجعت طبعاتها الورقية، لمجرد الحفاظ على باب لدخول النقابة، وربما اعادة تفسير النصوص لصالح تجاوز هذه العقبة سيوجه جانبا كبيراً من هذه الأموال التي تنفق للحفاظ على الشكل، لصالح تطوير هذه المؤسسات، وتطوير وسائطها (ورقية ورقمية) بما يلائم السوق، وإنتاج محتوى صالح للوسائط المتعددة، ويلبي احتياجات القارئ، وهو ما سيساهم كثيرًا في التصدي لتجارة العضوية واستغلال بعض المؤسسات ضيق السوق الصحفي الورقي للتجارة بأحلام ممارسي المهنة وحل أزمات قيد صحفيي المواقع حاليا عبر طرق خلفية".
ودعا نقيب الصحفيين إلى أن يمر النقاش بخصوص هذه القضية عبر بوابة الجمعية العمومية، وأي محاولة لفرضه بالقسر هي باب سيفاقم من الأزمة بدلًا من حلها، وهو ما ألاحظه في خطابات تدعو مجلس النقابة لفرض هذه الرؤية على الجمعية العمومية كجزء من انحيازاته، باعتباره سلطة عليا وليس قيادة منتخبة – وهو أمر مرفوض تمامًا، فهو خطاب يكرس السلطوية بدلًا من أن يفتح الباب لنقاش ديمقراطي حقيقي وحر يحافظ على مصالح جميع الأطراف.
وقال: "الحلول القسرية لا تصنع مستقبلًا، وإنما تعبر عن انحيازات أصحابها فقط، بما يخلق مقاومة قد تتسبب في تقويض أي مكتسبات لاحقًا".
دعوة لنقاش جاد
وأتم نقيب الصحفيين بالقول: "هذه دعوة لبدء نقاش جاد داخل أروقة النقابة حول سبل وعقبات مد المظلة النقابية لتشمل جميع ممارسي المهنة الحقيقيين، بما يتيح حمايتهم ومحاسبة المتجاوزين، أو مَن ينتحلون صفة صحفي لتحقيق مكاسب شخصية.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News