أسامة الأزهري في أولى فعاليات لجنة الإعلام: هذه نماذج من العيش المشترك في مصر
كتب : محمد لطفي
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
تصوير- هاني رجب:
عقدت لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، برئاسة الدكتور عمرو الليثي، مساء أمس، مائدة مستديرة بعنوان «دور الخطاب الوسطي» بمقر الهيئة العامة للاستعلامات، بحضور الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والسفير علاء يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، فيما أدار الحوار الإعلامي سمير عمر رئيس قطاع الأخبار بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
وقال الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، إن التعاون بين المؤسسات الوطنية يهدف إلى تعظيم الاستفادة منها في إيصال النداء والخطاب والصورة والمعرفة التي تليق بأن تصدر من أرض الكنانة مصر، وتلامس حاجة العالم المعاصر.
وأضاف الوزير، في كلمته خلال المائدة الحوارية، أنه لم يكن في الحسبان أن يتسارع التعاون بين الأطراف المعنية بهذه الصورة، وأن يلتقي الجميع بعد أيام في هذه المائدة التي تحفّها قامات كريمة، مشيراً إلى أن المحور الذي تدور حوله الأحاديث هو الوسطية وما تتسم به من عراقة في التجربة المصرية، وما تحمله من محتوى يمس احتياجات العالم من أرض الكنانة.
وانتقل الوزير من الإطار النظري إلى واقع الحياة، فاستعرض قصة واقعية عاشها قبل بضعة أشهر، حين قام باستضافة وفد من إحدى الدول الصديقة، ضمّ خمسة عشر عالماً من تخصصات علمية متنوعة، وذلك لتقديم برنامج تدريبي حول التعايش المشترك، الذي عدّه أحد أهم سمات الخطاب الوسطي وثماره.
وأوضح أن الوفد قضى أسبوعين في مصر، وخلال عرض البرنامج الذي تضمن زيارات للمساجد والكنائس والمعالم الوطنية، طلب أحد أعضائه الإعفاء من فقرة زيارة الكنيسة، وهي الملاحظة التي سجّلها الوزير في ذهنه.
وفي اللقاء الترحيبي، روى الوزير للضيوف قصة حدثت قبل أشهر في محافظة بني سويف، حين كان في مهمة لافتتاح تطوير مسجد السيدة حورية رضي الله عنها، أحد مساجد البيت النبوي الشريف التي يعتز بها أهل المحافظة.
وقال الوزير إنه فور وصوله إلى بني سويف بعد صلاة المغرب، فوجئ بوفد من القساوسة، بلغ عددهم نحو خمسة عشر قسيساً، ينتظرونه أمام المسجد، فأخبره المشرف على الوفد أن أسقف المحافظة كان حريصاً على استقباله، لكن ظروفاً صحية حالت دون ذلك، فكلّفهم بالترحيب به والتهنئة بأعمال التطوير، وإبلاغه سلام نيافة الأسقف.
وأضاف الوزير أن هذا الموقف من الكرم والنبل استوقفه وأثر فيه، فتذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فقرر ألا يكتفي بالشكر، بل طلب من الوفد إبلاغ الأسقف أنه بعد تفقد المسجد سيزوره ليسلّم عليه إن سمح وقته.
وتابع: بعد أن أنهى تفقد المسجد، اصطحب المحافظ وتوجها إلى نيافة الأسقف، الذي استقبلهما بترحاب بالغ، معتبراً هذه الزيارة يوماً تاريخياً. وردّ الوزير بأن السعادة تعود إلى الأسقف نفسه، لأنه هو البادئ بالإكرام والترحاب، والوزير ما زال يردّ هذا الإكرام.
وأكمل: دعا المحافظ جميع مؤسسات المحافظة إلى إعادة ترميم الكنيسة وصيانتها في وقت وجيز، فأعادوها إلى حال أفضل مما كانت عليه. فقال الأسقف للوزير: "انظر إلى الكنيسة حولك الآن على أرقى وجه، مضيئةً لامعةً نظيفةً جميلة، وقد ارتفعت كأنها في حال من العلو والبهاء".
واستطرد: بعد الجلسة، توجه الحضور إلى لقاء شعبي، فقام أحد النواب من أعضاء مجلس النواب، وكان مسيحياً، وأعلن تبرعه بنصف مليون جنيه مساهمةً في تطوير مسجد السيدة حورية.
وأشار الوزير إلى أن الجلسة كشفت عن حادثة وقعت قبل ستة أشهر، حين اشتعل حريق في الكنيسة بسبب أعمال كهربائية، وكادت النيران تحاصر بعض الأسر المسيحية في الطوابق العليا، فأكد الأسقف أنه استوقفه أن أسرع الناس تسلقاً للمباني المجاورة وإنقاذاً لأبناء الكنيسة كانوا شباباً مسلمين.
ثم انتقل الوزير إلى البعد التاريخي، فقال إن هذا الحال ليس موقفاً وليد اليوم، بل هو امتداد لتجربة مصرية عريقة تعود إلى القرن الثاني الهجري، حين كان هناك والٍ على مصر من الخلافة العباسية، تسلط على ثلاث كنائس وهدمها، ففزع إليه كبار الديانة المسيحية وعرضوا دفع الأموال مقابل ترك الكنائس، فأبى ورفض، فرفعوا أمرهم إلى الخليفة في بغداد، فانزعج وأصدر أمراً بإعفاء الوالي وتعيين غيره.
وأضاف: استشار الوالي الجديد الإمام الليث بن سعد وقاضي قضاة مصر عبد الله بن لهيعة، فأفتياه بإعادة بناء الكنائس فوراً، وعلّل الليث ذلك بعلتين: الأولى أن المسيحية كانت موجودة في مصر قبل الإسلام، والسلطة السابقة كانت تضطهدهم ولا تسمح ببناء الكنائس، فكل كنائس مصر بُنيت بعد دخول المسلمين، فلم يجد العقل المصري غضاضة في أن يقوم الأخ المسيحي ببناء كنيسته. والثانية أن بناء الكنائس من عمران البلاد، وهي كلمة تعكس فقه العمران والحياة والإنسانية والوسطية.
ثم انتقل الوزير إلى العصر الحديث، فتذكر مشهد افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة، حين كان أول منشأين فيها مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح، وكان للوزير شرف إمامة صلاة المغرب في المسجد بحضور الرئيس السيسي والرئيس محمود عباس أبو مازن وضيوف مصر، وقد ألقى كلمة افتتاح المسجد البابا تواضروس، وكلمة الكاتدرائية فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، في مشهد مهيب جسّد وحدة النسيج الوطني.
واختتم الوزير بالحديث عن أثر هذه الرؤية في نفوس الآخرين، فذكر أنه بعد أيام من لقائه بالوفد الأجنبي، أخبره المشرف على تنفيذ البرنامج أن أحد أعضاء الوفد الذي كان قد تحفظ على زيارة الكنيسة قد تغيرت قناعاته، وأن الكلام المصري قد نوّر قلبه وعقله، فأسعد الوزير أن هذه الكلمات أعادت صياغة إنسان سيعود إلى وطنه لينقل هذا الفهم والروح، فتصدر مصر للعالم ميثاقاً فكرياً نابعاً من عمق الفهم للدين ومقاصده، يرجع به الإنسان إلى بلده بالأمان والاطمئنان والسكينة وجمع الشمل والوفاق، لا بالصراع والعنف وإراقة الدماء.
واستذكر الوزير في هذا السياق العالم الجليل الشيخ محمد جميل العقاد، الذي قدم إلى مصر من الشام في ثلاثينيات القرن الماضي، ودرس في الأزهر عشر سنوات، فتتلمذ على كبار علمائه، فلما رجع إلى حلب كان لا يستفتح درساً إلا بذكر مناقب شيوخه المصريين، حتى إنه من شدة حبه للأزهر سمى ابنته "أزهرية".
واختتم الوزير كلمته بأنه أراد من خلال هذه النماذج إبراز صلب وحقيقة معنى الخطاب الوسطي، مؤكداً أن هذه الصور المشرقة للتآخي والتعاون هي تجسيد حقيقي للوسطية والمواطنة التي تزخر بها مصر، وهي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العالم أجمع من أرض الكنانة.