أكد المهندس مصطفى السمرة، رجل الأعمال والخبير الصناعي، أن مصر بدأت اتخاذ خطوات إيجابية نحو تعزيز منظومة ريادة الأعمال ودعم الشركات الناشئة، مشيرًا إلى أن التحركات الحكومية خلال الفترة الأخيرة تعكس اهتمامًا متزايدًا بهذا القطاع، الذي سبقه الشباب المصري بخطوات في السنوات الماضية.
وقال "السمرة" في حديثه لـ"مصراوي" على هامش المهرجان العالمي لريادة الأعمال، إن الشباب المصري كان سباقًا في مجال ريادة الأعمال، ونجح في تحقيق خطوات متقدمة قبل التحركات الحكومية، إلا أن الدولة بدأت منذ عام 2024 اتخاذ إجراءات لدعم هذا التوجه، من بينها تأسيس المجموعة الوزارية لريادة الأعمال في سبتمبر من العام نفسه، ثم إعادة تشكيلها في 2026 برئاسة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وعضوية 9 وزراء.
وأضاف أن الحكومة أطلقت كذلك ميثاق الشركات الناشئة، الذي يستهدف حشد نحو مليار دولار على مدار 5 سنوات، لدعم قرابة 5 آلاف شركة، معتبرًا أن هذه التحركات تمثل خطوات مهمة لتعزيز بيئة الاستثمار وريادة الأعمال في مصر.
مصر تتقدم في جذب تمويل الشركات الناشئة
وأوضح مصطفى السمرة أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا في حجم التمويلات التي حصلت عليها الشركات الناشئة، إذ بلغت قيمة التمويلات نحو 425 مليون دولار خلال عام 2024، على مستوى القارة الإفريقية.
وأشار إلى أن التمويلات ارتفعت خلال عام 2025 بنسبة 51%، لتصل إلى نحو 614 مليون دولار، وهو ما وضع مصر في المركز الثاني إفريقيًا من حيث حجم التمويلات التي حصلت عليها الشركات الناشئة.
وتابع أن مصر حصلت على نحو 327 مليون دولار حتى يونيو 2026، وباحتساب الأداء على أساس سنوي، يمكن أن يتجاوز إجمالي التمويلات 650 إلى 670 مليون دولار، بما يضعها في المركز الأول إفريقيًا وفقًا لبيانات منصة "أفريكا بيج ديل".
3 تحديات أمام استدامة الشركات الناشئة
ولفت "السمرة" إلى أن التحديات الرئيسية التي تواجه منظومة ريادة الأعمال في مصر تتمثل في التشريعات والقوانين والإجراءات البيروقراطية، إلى جانب الحاجة إلى حوافز استثمارية أكثر فاعلية، فضلًا عن تحدي استدامة السيولة وارتفاع تكاليف التشغيل.
وأوضح أن التمويلات تتركز حاليًا بصورة كبيرة في قطاع التكنولوجيا المالية، الذي استحوذ على نحو 76% من إجمالي التمويلات المشار إليها، ما يستدعي توسيع نطاق الاستثمارات لتشمل قطاعات أخرى تمتلك فرصًا واعدة.
وشدد على أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تأسيس الشركات أو توفير التمويل لها، وإنما يتمثل في قدرتها على الاستمرار وتحقيق النجاح وترك بصمة في الاقتصاد، مؤكدًا أن "الأعمال ليست قصة تمويل فقط، لكنها قصة استدامة".
مصطفى السمرة يطالب بحوافز ضريبية وجمركية للشركات الناشئة
وأشار الخبير الصناعي إلى أن الدولة مطالبة باتخاذ خطوات جريئة عبر 3 محاور رئيسية لدعم الشركات الناشئة والاستثمارات التكنولوجية، يأتي في مقدمتها إعداد حزمة متكاملة من الحوافز الضريبية والجمركية، تتضمن حوافز واضحة لصناديق رأس المال المخاطر وشركات الذكاء الاصطناعي، وتيسير القيود المتعلقة بدخول وخروج رؤوس الأموال.
وأضاف أن المحور الثاني يتعلق بتوسيع المناطق الحرة المعفاة من الضرائب والجمارك لتشمل هذه المجالات، إلى جانب توفير بنية تحتية سحابية متطورة، وتدريب الكوادر المصرية على استخدام التقنيات الحديثة والعمل في القطاعات التكنولوجية المتقدمة.
أما المحور الثالث، فيتمثل في تسهيل تأسيس الشركات وحماية الملكية الفكرية، من خلال التوسع في إجراءات التأسيس الرقمي، وإتاحة الخدمات عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية، بما يختصر الوقت والإجراءات أمام المستثمرين.
وأكد "السمرة" أن المطلوب هو أن يشعر المستثمر بقدرته على تأسيس شركته في مصر وتمويلها والتوسع بها إقليميًا، دون أن يصطدم بعقبات بيروقراطية جديدة في كل مرحلة، مشيرًا إلى أهمية تطبيق منظومة متكاملة للشباك الواحد بصورة رقمية، على غرار التجارب المعمول بها في بعض الدول، ومنها دبي.
قطاعات تنتظر الذكاء الاصطناعي: الزراعة والصناعة والتعليم والصحة
وفيما يتعلق بفرص الذكاء الاصطناعي، قال مصطفى السمرة إن هناك قطاعات مهمة في الاقتصاد المصري لا تزال بحاجة إلى الاستفادة بصورة أكبر من هذه التكنولوجيا، بعيدًا عن التركيز الحالي على التكنولوجيا المالية.
وأوضح أن الزراعة الذكية تأتي في مقدمة هذه القطاعات، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه والتنبؤ بالمحاصيل والتغيرات الجوية، بما يساعد المزارعين على الاستعداد لموجات الحرارة والبرودة وحماية المحاصيل من الخسائر، فضلًا عن رفع كفاءة الإنتاج الزراعي.
وأضاف أن القطاع الصناعي يمثل فرصة أخرى لتطبيق الذكاء الاصطناعي، من خلال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي الصناعي، مؤكدًا أهمية أن يكون لمصر إسهام حقيقي في تطوير هذه التطبيقات، خاصة في ظل ارتباطها المباشر بواقع الصناعة واحتياجاتها.
وأشار إلى أن التعليم والصحة من القطاعات التي ستشهد تحولات كبيرة بفعل الذكاء الاصطناعي، متوقعًا أن يتغير شكل العملية التعليمية مستقبلًا، وأن تسهم التكنولوجيا في تطوير الخدمات الطبية، بحيث يتمكن الطبيب من متابعة وتشخيص وعلاج أعداد أكبر من المرضى باستخدام الأدوات الذكية، دون أن يحل الذكاء الاصطناعي محل دوره.
هل يقضي الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟
وتطرق "السمرة" إلى المخاوف المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مؤكدًا أن التطورات التكنولوجية السابقة، مثل: ظهور الكمبيوتر والإنترنت، أثارت مخاوف مشابهة بشأن الاستغناء عن العمالة، لكنها أسهمت في النهاية في خلق فرص عمل جديدة تفوق الوظائف التي ألغتها.
وقال إن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء بعض الوظائف، لكنه في المقابل سيخلق فرصًا جديدة، مشيرًا إلى تقديرات عالمية تتوقع أن يسهم في توفير 170 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2030، مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة، بما يعني تحقيق زيادة صافية تقدر بنحو 78 مليون فرصة عمل.
وشدد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما في عدم قدرة بعض العاملين على تطوير مهاراتهم ومواكبة التغيرات، موضحًا أن المنافسة ستكون بين من يستطيعون توظيف هذه التكنولوجيا في أعمالهم ومن لا يمتلكون المهارات اللازمة لاستخدامها.
وأضاف أن قلقه الأكبر يتعلق بالفئات التي تجاوزت مرحلة الشباب ولم تصل بعد إلى سن المعاش، إذ تحتاج هذه الفئات إلى بذل جهود أكبر لتطوير قدراتها المهنية والتكيف مع متطلبات سوق العمل الجديدة.
ودعا العاملين إلى المبادرة بتعلم أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من البرامج التدريبية المتاحة، بدلًا من الانتظار حتى تصبح التغيرات التكنولوجية واقعًا يصعب التعامل معه.
استراتيجية الذكاء الاصطناعي
وفيما يتعلق بالاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، أشار مصطفى السمرة إلى أن الدولة وضعت مستهدفات للفترة من 2025 حتى 2030، من بينها: رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتأهيل 3 آلاف متخصص بحلول عام 2030.
ووصف هذه المستهدفات بأنها خطوات إيجابية، معربًا عن تطلعه إلى تحقيق أرقام أكبر، مؤكدًا أن مصر تمتلك قاعدة من الكفاءات الشابة والخريجين في مجالات الحاسبات والهندسة والاتصالات والعلوم المالية.
ولفت "السمرة" إلى أن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات دربت نحو 500 ألف شخص في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال الفترة من 2024 إلى 2025، معتبرًا ذلك تطورًا مهمًا في إعداد الكوادر البشرية.
وأكد أن مصر تمتلك مجتمعًا نشطًا من المطورين في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو ما تعكسه النجاحات التي حققتها شركات مصرية على المستويين الإقليمي والخليجي، مشددًا على ضرورة الانتقال من مرحلة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة المشاركة في تصميمها وتطويرها وتصديرها إلى الأسواق الخارجية.
إشادة بوزير الصناعة وتيسيرات تخصيص الأراضي للمستثمرين
وعلى صعيد الصناعة، أعرب "السمرة" عن تفاؤله بالتحركات التي يقودها المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، مشيرًا إلى أن خبراته السابقة في المؤسسات والشركات الكبرى تجعله مطلعًا على طبيعة التحديات التي تواجه المستثمرين والقطاع الصناعي.
وقال إن ما طرحه الوزير بشأن استدامة الشركات ودعمها من خلال تخصيص الأراضي وتيسير التراخيص يمثل محورًا مهمًا في معالجة العقبات التي تواجه التوسع الصناعي.
وأوضح أن تكلفة الأرض تمثل أحد أكبر الأعباء التي يتحملها المستثمر عند إقامة مشروع صناعي جديد، ولذلك فإن توفير الأراضي وتيسير إجراءات الحصول على التراخيص يمكن أن يساهما في تشجيع الاستثمارات وزيادة الطاقة الإنتاجية.
وأضاف أن طرح نظام تخصيص الأراضي بنظام الإيجار لمدة 21 عامًا، مع إمكانية تحويل الإيجار إلى تمليك، إلى جانب إتاحة تقسيط المبلغ المتبقي على 3 سنوات حال رغبة المستثمر في التملك بعد مرور 7 أو 8 سنوات، يمثل توجهًا مهمًا لدعم المستثمرين.
وكشف المهندس مصطفى السمرة أنه مهتم بالتوسع في نشاطه الصناعي الحالي، لكنه يواجه تحديات تتعلق بتوفير الأراضي، مؤكدًا أن ما استمع إليه من طرح وزير الصناعة خلال المهرجان يمثل رسالة مطمئنة ومبشرة بإمكانية التوسع في مشروعاته الصناعية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا:
لمتابعة أخبار حادث قطار العياط.. يرجى الضغط هنا