قال الدكتور محمد الجندي، الخبير الدولي في الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، إن التضليل وصناعة التأثير على الشعب هما الأدوات الأكثر استخدامًا حاليًا، موضحًا أن هذه الأدوات تستهدف ضرب الشعب بالقيادة السياسية وبالحكومة وبالقوات المسلحة، وبالشعب نفسه، قائلًا: "التضليل وصناعة التأثير على الشعوب الأدوات الأكثر استخدامًا حاليًا".
وأضاف الجندي خلال كلمته في اجتماع الرئيس السيسي بالوزراء والمحافظين وعدد من كبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة، أن مصر دولة مهمة تعيش في محيط مضطرب ومتغير يوميًا، وأن الصراعات الموجودة في دول كثيرة لم تعد دولًا بالمعنى المعروف، وأن مصر جُرّت إلى أكثر من منعطف في هذه الأمور، وأنه لولا وجود القيادة الرشيدة لكانت مصر انساقت إلى كثير من المشكلات، قائلًا: "ضرب الشعب من الداخل أرخص وسيلة لهدم الدولة".
وتابع أن هناك محاولات لضرب الشعب بالقيادة السياسية وبالحكومة وبالقوات المسلحة وبالشعب نفسه، باستخدام أدوات التضليل وصناعة التأثير، لأن الشعب هو المناعة الحقيقية للمجتمع، وإذا قام الشعب على الدولة من الداخل، فإن ذلك يمثل أرخص وسيلة لهدم الدولة، وهو الهدف الذي يعمل عليه هؤلاء.
وأكد أن التضليل ليس نظريات موجودة في كتب أو كلام نظريات مؤامرة للاستهلاك، بل هو علم كبير جدًا، مستشهدًا بالكتاب الذي ألفه "ليك ماكنتاير"، الباحث في تاريخ العلوم، الذي بحث في الأدبيات التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات بدءًا من الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وانتهاءً بما يحدث على السوشيال ميديا، وهو الاستخدام الأمثل لفكرة التضليل لهدم الدول بأقل التكاليف، وعلى رأسها التشكيك.
وأشار إلى أن التشكيك هو الأداة الأساسية، موضحًا أنه في الماضي كانت الناس تمنع المعلومات، أما اليوم فالأمر مختلف تمامًا، حيث أصبحنا نغرق بالمعلومات لكي لا نعرف أيها صحيح وأيها غير صحيح، وأحيانًا يكون الشك هو الهدف، وهنا تأتي صناعة مهمة جدًا هي صناعة الشك، قائلًا: "في الماضي كانت الناس تمنع المعلومات.. دلوقتي بنغرق بالمعلومات".
وضرب مثالًا من شركات صناعة التبغ، التي استخدمت الدعاية لزيادة المبيعات، من خلال ضرب الشك بين الناس وبين الأبحاث العلمية التي تتحدث عن العلاقة بين سرطان الرئة والتدخين، موضحًا أن العلم لا يكون دائمًا "واحد يساوي اثنين"، وأن الطب يحتاج إلى أبحاث سريرية وإحصائيات، فدخلوا من فكرة أن الأبحاث لا تقول بنسبة 100% إن التدخين يؤدي إلى السرطان، وبالتالي بدأ الناس يشككون في الحقيقة، ويقولون إن هناك من يدخن وعمره 80 عامًا ولم يصبه شيء، وهكذا تُزرع فكرة الشك في الأبحاث العلمية.
وتابع أن الأخطر من ذلك هو استخدام آليات التضليل والبروباجندا للتأثير على الشعب دون أن يدري، مستشهدًا بإدوارد برنيز، أحد أشهر من استخدموا البروباجندا في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ابن أخ فرويد عالم النفس الشهير، الذي تبنى أفكارًا مهمة في البروباجندا واستخدمها هتلر بعد ذلك، وكان برنيز يستخدم التضليل لزيادة المبيعات في الإعلانات، ومن أهمها السجائر، حيث جمع مجموعة من السيدات وصوّرهم في مكان، ثم نشر الصورة وقال إنهن "مشاعل الحرية"، وكلمة الحرية كلمة فضفاضة، لكن هناك أزمة بين أن الرجال يدخنون والسيدات لا يدخنون، فكيف نجعل السيدات يدخن؟ نأخذ الصورة ونعمل تعليقًا ونقول إن المرأة من حقها أن تدخن، وأن هذا حرية، وبالتالي بدأت مبيعات شركات السجائر تزيد، قائلًا: "التضليل بيخاطب المشاعر والخوف والغضب".
وأكد أن التضليل ينجح مع الناس لأن الهدف هو الإنسان وليس المعلومة، فالإحصائيات الاقتصادية والكلام عن النمو والأرقام جيد جدًا، لكن المواطن يخاطب بأشياء أخرى، ولذلك هم ناجحون في التضليل، لأنهم يخاطبون المشاعر والخوف والغضب والهوية والانتماءات، والأهم هو التكرار والإلحاح، كما تفضل الرئيس، لأن التكرار والإلحاح هما ما يأتي بثماره مع الناس، لأنه يؤثر على الثقة في النهاية، وكل ما يفعله التضليل هو مخاطبة الإنسان بهذه الطريقة.