مفتي الجمهورية: مصر تشهد إعادة بناء تتماشى مع أسس الدولة الحديثة في الإسلام

06:23 م الأحد 15 سبتمبر 2019
مفتي الجمهورية: مصر تشهد إعادة بناء تتماشى مع أسس الدولة الحديثة في الإسلام

فضيلة الدكتور شوقي علام

كتب- محمود مصطفى:

أشاد فضيلة الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، بالجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدا أن الدولة المصرية حاليا تشهد إعادة بناء وصياغة على أسس حضارية جديدة، تتماشى مع أسس بناء الدولة الحديثة في الإسلام، فمصر دولة تقوم على الأسس الأخلاقية والقيم الروحية.

وقال مفتي الجمهورية - في كلمته أثناء رئاسته الجلسة الأولى للمؤتمر العام الـ30 للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي يقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبرئاسة وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة - إن مصر دولة تعمل بمبدأ الأخذ بأسباب القوة والتقدم والتنمية في كافة المجالات، دولة لا تهدر حق الفرد في مسيرة بناء المجتمع، ولا تهمل واجب بناء وتنمية الدولة وهي تراعي حقوق الأفراد، دولة تتعايش مع جميع دول العالم تحت مظلة التعاون والإخاء وتبادل المصالح والمنافع والعلوم والمعارف، فما تقوم به مصر حاليا يعد نموذجا مثاليا لبناء الدولة الحديثة التي تحقق مقاصد الشريعة المطهرة، وسوف تكون ثمرات هذه الجهود أن تتبوأ مصر مكانتها التي تليق باسمها وتاريخها وحضارتها، وسوف تنبعث من شموس معرفتها أشعةُ النور لتضيء للعالم طريقه نحو الحق والخير.

وأضاف أن موضوع المؤتمر" فقه بناء الدول..رؤية فقهية عصرية " هو في غاية الأهمية في ظل الظروف والتغيرات التي تمر بها مصر والمنطقة العربية والدول الإسلامية، حيث كثر اللغط والجدل فيما يتعلق بأمور الحكم ومفهوم الدولة من قبل جماعات التطرف والإرهاب، فقد حاربوا نموذج الدولة الوطنية وجعلوها نقيضًا للدولة الإسلامية، بل حاولوا تشويه مفهوم الوطن بالكلية وروجوا عند أتباعهم أن هناك تخالفا بين مفهوم الدولة الوطنية ومفهوم الدولة في الإسلام.

وتابع لابد أن ندرك حقيقة أن الدولة الوطنية المدنية الحديثة هي الدولة التي تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية، فلابد من المحافظة عليها بحدودها، وألا نسمح لمخططات التفتيت والتقسيم أن تحقق أغراضها الخبيثة حتى ولو كان ذلك تحت شعارات براقة، ولابد أن نقدر وأن نثمن جهود الجيوش الوطنية التي تقوم بأكبر ملحمة جهاد في سبيل الله وعلى رأسها جيش مصر الباسل الذي جنب مصر والعالم العربي ويلات مخططات التقسيم، ولا زال يروي أرض مصر الطاهرة بالدماء الزكية من أجل وحدة الوطن وسلامة أراضيه.

وأوضح أنه قد أضحى من واجبات الوقت أن نجيب على كل ما يتعلق بهذه القضية من أسئلة وإشكالات وأطروحات، وهذا هو المعهود من مصر الكنانة وجميع مؤسساتها الدينية وعلي رأسها الأزهر الشريف الذي قاد قاطرة دعوة الوسطية والتسامح والتعايش السلمي ونشر المنهج الوسطي المعتدل في ظل ظرف عصيب من تاريخ مصر المعاصر، وأثبت للعالم أجمع أن دعاة التطرف والإرهاب وخطباء التشدد والتكفير، لا يمثلون شيئا يذكر بجانب تلك القامات الدعوية الشامخة من رجال ودعاة وعلماء الأزهر ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء المصرية.

وأضاف.مفتي الجمهورية قائلا: "أما عن الرؤية الشرعية فإن رسولنا الكريم صل الله عليه وآله وصحبه وسلم، لما هاجر من مكة إلى المدينة المنورة وأسس دولته في المدينة، أسسها على أسس وقواعد لا زالت نموذجا فريدًا يحتذى حتى يومنا هذا، فأول قرار اتخذه صل الله عليه وسلم بناء مركز الإشعاع الإيماني والثقافي والحضاري، الذي تمثل في بناء المسجد النبوي الشريف، حتى يكون مسجدا لعبادة الله، ومدرسة للتربية وبناء الإنسان، ومنارة للتعليم والتثقيف، ومكانا لعقد المؤتمرات ومقابلة الوفود إلى غير ذلك من الأنشطة المدنية التي تساعد على تطور ورقي مجتمع المدينة المنورة، وفي ذلك دلالة واضحة على أهمية بناء الدولة على أسس متينة من السمو الروحي والرقي الأخلاقي والتطور الحضاري".

وأضاف "لقد كانت المدينة المنورة قبل هجرة الرسول مجتمعًا ذاخرًا بالتعددية، يموج بالتنوع الديني والثقافي، فهناك أهل كتاب من يهود ونصارى، وهناك مشركون ليسوا من أهل الكتاب، وهناك أيضا تنوع قبلي كقبيلتي الأوس والخزرج، والنزاع بينهما معروف مشهور".

وتابع "ولذلك كانت الخطوة الثانية التي اتخذها النبي صل الله عليه وسلم، وضعَ أول وثيقة دستور مدني في التاريخ، يعمل على حفظ الأمن، ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف، والمحافظة على وحدة وسلامة المدينة بجميع أطيافها ومعتقداتها، على قاعدة من المحبة والسلام، ترسيخًا لمبدأ التعايش السلمي وقبول الآخر، ورعايةً لحقوق وواجبات الجميع على قدم المساواة، دون تمييز على أي أساس ديني أو عرقي، فلا إقصاء لأحد ينتسب إلى أي دين أو قبيلة، طالما حافظ الأتباع على النظام العام الذي تضمنته الصحيفة الدستورية المدنية التي توافق عليها الجميع، وطوال حياته الشريفة صل الله عليه وسلم لم ينقض عهدًا قطعه على نفسه، على كثرة ما كان من الغدر والمكر الشديدين من المنافقين ومن أهل الكتاب، على النحو الذي ذكره وفصله القرآن الكريم في مواضع عديدة، وحفظته كتب السيرة النبوية المطهرة".

وقال "ثم عمد النبي صل الله عليه وسلم إلى تقوية أركان المجتمع المدني، فألَّف بين الأوس والخزرج على ما كان بينهما من نزاع وشقاق، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأرسى مبدأ الاعتماد على النفس، والاتجاهِ إلى العمل والبناء والتنمية، فحوَّل المهاجرين إلى طاقة بناءة، لا يعيشون عالة على إخوانهم من الأنصار"..و"بعدما أرسى رسول الله القواعد الدستورية والأخلاقية التي تحفظ وحدة وسلامة المدينة وأهلها على اختلاف أطيافهم، توجه إلى بناء كيان الدولة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ولم يكن الأمر سهلا على المنافقين وأهل الكتاب، فلجأوا إلى إعاقة رسول الله، وحاولوا إفشال سعيه وإيقاف تقدمه، وقادوا حملة إرجاف كبيرة ببث الشائعات المغرضة وترويج الأكاذيب الباطلة، وقد باء كيدهم ومكرهم بالخسران والفشل، وسبحان الله العظيم فما أشبه الليلة بالبارحة".

وأكد المفتي أنه بناء على هذا التأسيس النبوي الكريم لمجتمع المدينة المنورة الذي جمع بين البناء الروحي والحضاري أصبحت المدينة المنورة مركز إشعاع حضاري للدنيا بأسرها، فانطلقت منها مواكب الدعوة والعلم والمعرفة، لتزيل آثار الجهل المدمرة التي خلفتها الثقافات الدينية البائدة، ومن المدينة أيضا انطلقت جحافل جيوش تحرير الإنسان لترفع عنه قيود الذل والقهر والعبودية التي قيدته بها الحضارات المادية الغاشمة، وكل ما فعله الإسلام أن أعاد للإنسان حريته في اختيار ما يعبد وما يعتقد، انطلاقا من أعظم قاعدة حرية عرفتها الإنسانية وسطرها القرآن الكريم (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).

وأوضح أن قضية بناء الدولة في الإسلام من القضايا التي أثارت جدلا كبيرا في زماننا المعاصر، بسبب تشويه الجماعات المتطرفة لمفهوم الدولة في الإسلام، حيث حصروها في شكل واحد جامد لا بديل عنه ولا محيد، ألا وهو نموذج الخلافة التي تجمع تحت مظلتها جميع الدول الإسلامية، ويكون ما عداها من النماذج - في زعمهم الباطل - ديار كفر، وإن كان أهلها جميعا مسلمين، يؤمنون بالله ورسوله ويقيمون أركان الإسلام، وأحدثوا بسبب القول بحتمية ووجوب إحياء هذا النموذج كثيرا من الصدام والشقاق والفتن بعدما كفروا حكام المسلمين ونازعوا الأمر أهله الذي أقامهم الله فيه، وأسسوا بناء على ذلك كثيرا من الأحكام الباطلة والإلزامات الجائرة التي لا أساس لها من الصحة، إذ كل ما بني على باطل فهو باطلا.

وأشار إلى أن كل عالم بشريعة الإسلام ومقاصدها الشريفة في بناء وتأسيس الدولة، يدرك تماما مساحة المرونة والحرية والسعة التي كفلها الله لنا في إرساء قواعد الدولة، بما يتناسب مع معطيات العصر والواقع الذي نحياه، وبما يحقق المصلحة لكل أفراد المجتمع، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، فما يكون مناسبًا في واقع وفي زمان، قد لا يكون مناسبا في واقع وفي زمان آخر، وأكبر دليل على ذلك أن رسول الله صل الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يستخلف أحدًا من الصحابة، فاضطر الصحابة للاجتهاد وحدثت المشاورة المشهورة في سقيفة بني ساعدة، واستقر الأمر بعد المداولة على اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين، أما أبو بكر رضي الله عنه فلم يترك الاستخلاف كما فعل رسول الله، بل رأي المصلحة فيه، فاستخلف عند وفاته عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والصديق رضي الله عنه أعلم الناس وأبصرهم بسنة رسول الله، وأعرفهم بمقاصد الشريعة وأسرارها، ولا يمكن أبدًا أن يقال إن أبا بكر خالف سنة الرسول، وإنما يقال أدرك مقصد التشريع وما تمليه المصلحة فعمل به، وهذا هو عين تطبيق سنة رسول الله صل الله عليه وسلم.

واستطرد مفتي الجمهورية قائلا : "أما عمر رضي الله عنه فقد جعل الشورى في اختيار الخليفة من بعده في ستة من أصحاب رسول الله، فأحدث أمرًا جديدًا رأى مصلحة المسلمين فيه، مما يدل دلالة قاطعة على أن كل ما يتعلق بشكل الدولة وطرق انتخاب واختيار الحكام، واستحداث كيانات ومؤسسات جامعة للدول، تنظم أمورهم وتبرم الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والعسكرية فيما بينها، كجامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي في واقعنا المعاصر أو غيرهما من أشكال التكتلات المعاصرة، التي تدعو إلى قيامها ضرورة التعايش وتحقيق مصالح الشعوب للتعاون على البر والتقوى- هي أمور من قبيل المصالح المرسلة، متروكة لأهل كل عصر بحسب ما يحقق لهم المصلحة ويدرأ عنهم المفسدة، فهذه هي الصورة المثلى المعاصرة التي تحقق نفس مقصود قيام نموذج الخلافة في الأزمان السالفة".

وأضاف "وإذا استعرضنا التاريخ الإسلامي ندرك بوضوح أن الخلافة كصيغة تاريخية للحكم في الإسلام، قد تباينت في أشكالها ومركزيتها وقوتها وضعفها، وتفاعلها مع العالم من حولها تأثرًا وتأثيرًا بحسب مقتضيات الواقع ومبدأ الأخذ بأسباب القوة والتقدم والرقي، فمتى تخلفت الأمة عن الأخذ بالأسباب ضعفت وهزلت ولم يغن عنها اسم أن كل ما يقال".

وأكد مفتي الجمهورية أن كل ما يقال عن عدم تطبيق دول كمصر للشريعة الإسلامية هي محض أوهام جماعات لا تدري عن الشريعة شيئا، اختزلوا الشريعة الإسلامية في معنى واحد وهو الحدود واختزلوا الحدود في عقوبات الجنايات وراحوا يكفرون الناس ويدعون أن مصر لا تطبق الشريعة وهو زعم باطل لا أساس له من الصحة، إن مصر دولة إسلامية عريقة قدمت للإسلام كبار العلماء والمجتهدين ولا زال أزهرها الشريف منارة للدين وحصنا للإسلام في العالم كله، وهي تطبق الشريعة الإسلامية بالمعنى الواسع لتطبيق الشريعة طبقا لكل دساتيرها الحديثة.

وقال المفتي "إن خلاصة النزاع بيننا وبين جماعات التطرف والإرهاب في قضية مفهوم الدولة، فهم يرون الإسلام زمنًا واحدًا وشكلا معينا، ونمطًا ثابتًا لا يتغير ولا يتطور، فأسقطوا من كل أطروحاتهم قيد (المعاصرة) وما يمليه عليهم من إدراك للواقع بمتغيراته، وهذا المنهج يخالف ما كان عليه أسلافنا الصالحون في كافة العصور، لقد أدركوا قيمة الثوابت وحافظوا عليها، وفهموا معنى المتغيرات وتعاملوا معها على أكمل وجه يحقق مبدأ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان" .

إعلان

إعلان

إعلان