قال خبراء اقتصاديون وفي قطاع الطاقة إن أسعار النفط العالمية تواجه احتمالات لمزيد من التقلبات خلال الفترة المقبلة، مع استمرار التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، رغم تراجع الأسعار بفعل تحسن إمدادات الخام من منطقة الخليج وارتفاع الآمال بشأن التوصل إلى محادثات لإنهاء الصراع.
وأوضحوا لـ"مصراوي" أن استمرار المخاطر الجيوسياسية، خاصة المتعلقة بمضيق هرمز وإمدادات النفط وحركة الناقلات، قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع، وسط تقديرات بإمكانية تجاوز الخام مستوى 110 دولارات للبرميل حال اتساع نطاق الحرب.
ارتفعت أسعار النفط بنحو 2.28% خلال تعاملات الخميس، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران بعد تعهد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان بأن طهران لن تستسلم، في وقت هدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"تدمير" إيران.
وصعد خام برنت إلى 105.43 دولار للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 94.19 دولار، وسط ترقب لمسار المفاوضات بشأن إنهاء الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب رويترز، ارتفعت مخزونات النفط الخام الأمريكية 3 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 18 سبتمبر إلى 426.4 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاضها.
وجاء صعود الأسعار رغم تحسن إمدادات الخليج، بعد استئناف السعودية تشغيل خط أنابيب شرق-غرب، وإعلان العراق تصدير أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا، بينما ربط مسؤول إيراني إعادة فتح مضيق هرمز بتخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
3 سيناريوهات لأسعار النفط
قال الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي، إن أسعار النفط تتحرك حاليًا وفقًا لثلاثة سيناريوهات رئيسية، ترتبط بمسار الحرب والتطورات المتعلقة بالممرات الرئيسية لنقل النفط.
وأوضح معطي أن أسعار النفط تراجعت إلى ما دون 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع بدء السعودية الحديث عن إمكانية عودة العمل بخط أنابيب شرق-غرب، إلى جانب ظهور بعض التصريحات المتفائلة بشأن إمكانية عودة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة بعد اللقاءات التي جرت بين الجانبين في الأمم المتحدة.
وأضاف أن السيناريو الأول يتمثل في التوصل إلى وقف نهائي وشامل للحرب، وفي هذه الحالة قد تتراجع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 68 و80 دولارًا للبرميل.
وأشار إلى أنه في حال التوصل إلى هدنة أو اتفاق مؤقت لتعليق الحرب، فمن المتوقع أن تتحرك أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 75 و90 دولارًا للبرميل.
أما السيناريو الثالث، بحسب معطي، فيتمثل في عودة التصعيد مرة أخرى، خاصة في النقاط الثلاث الحرجة التي تحظى بمتابعة الأسواق حاليًا، وهي مضيق هرمز، وباب المندب، وخط أنابيب شرق-غرب.
وأوضح أنه في حال حدوث تصعيد جديد في هذه النقاط، فقد تستمر أسعار النفط الارتفاع إلى مستويات تتراوح بين 100 و120 دولارًا للبرميل.
النفط مرتبط بمسار الحرب
قال الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن التطورات العسكرية والتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تضع أسواق النفط أمام احتمالات لمزيد من التقلبات، خاصة مع استمرار الحشود والاستعدادات العسكرية في المنطقة.
وأوضح النحاس أن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن إمكانية اللجوء إلى المفاوضات لا تعني بالضرورة انتهاء احتمالات التصعيد، مشيرًا إلى أن تحركات القوات والاستعدادات العسكرية تبقي الأسواق في حالة ترقب بشأن تطورات الصراع.
وأضاف أن توقيت التصعيد المحتمل يظل غير محسوم، لكنه يرى أن الأسبوع الأول من أكتوبر المقبل قد يشهد تطورات مهمة، ما يجعل أسواق النفط عرضة لموجة جديدة من التقلبات إذا اتسع نطاق الصراع.
وأشار إلى أن الأسواق تعاملت مع التصريحات الأمريكية التي فتحت الباب أمام الدبلوماسية باعتبارها إشارة إلى إمكانية التهدئة، وهو ما انعكس على حركة النفط، إلا أن استمرار المخاوف الجيوسياسية يبقي احتمالات عودة الأسعار إلى الارتفاع قائمة.
وأوضح النحاس أن تحركات النفط أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمسار الحرب والتوترات في المنطقة، خاصة مع المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة وحركة الملاحة، مشيرًا إلى أن أي تصعيد واسع قد يعيد الضغط الصعودي على الأسعار.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي يسعى أيضًا إلى خفض أسعار النفط في ظل اعتبارات اقتصادية وسياسية داخلية، لافتًا إلى تصريحاته بشأن مطالبة أوكرانيا بوقف استهداف المنشآت النفطية داخل روسيا، في محاولة للحد من الضغوط على سوق الطاقة.
وأشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يمثل عاملًا ضاغطًا على الاقتصادات العالمية، خاصة من خلال زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ومن ثم انتقال جزء من هذه الزيادة إلى معدلات التضخم.
واردات آسيا ترتفع.. لكنها دون مستويات ما قبل الحرب
ارتفعت واردات آسيا من النفط الخام خلال سبتمبر إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحرب الإيرانية، لكنها لا تزال أقل بنحو 13% من مستويات ما قبل الحرب، في ظل استمرار القيود والمخاطر المرتبطة بحركة الناقلات عبر مضيق هرمز.
وبحسب رويترز، أظهرت بيانات شركة "كبلر" أن واردات آسيا من الخام تتجه إلى تسجيل نحو 23.96 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر، مقابل 23.38 مليون برميل يوميًا في أغسطس، لكنها تظل أقل من متوسط 27.55 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الثلاثة السابقة لبدء الحرب.
وأشارت رويترز إلى أن واردات آسيا من الخام القادم من الشرق الأوسط ارتفعت إلى 12.56 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقابل 11.66 مليون برميل يوميًا في أغسطس، لكنها لا تزال أقل بنحو 3.53 مليون برميل يوميًا من متوسط ما قبل الحرب.
ولفتت إلى أن إغلاق خط أنابيب شرق-غرب السعودي مؤخرًا بعد تعرضه لهجوم قد يؤدي إلى انخفاض واردات آسيا من الخام خلال أكتوبر، قبل أن تتعافى التدفقات في نوفمبر بعد إصلاح الخط وعودته إلى العمل.
كيف أنقذت مخزونات نفط السعودية في مصر الأسواق العالمية مؤقتا؟
ناقلات النفط.. مليون دولار يوميًا للإيجار
ومع استمرار المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة، ارتفعت تكلفة تشغيل ناقلات النفط العملاقة، في مؤشر آخر على الضغوط التي تواجه سوق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وقال الربان عمرو قطايا، خبير النقل الدولي والبحري، إن الوضع الحالي بالنسبة إلى ناقلات النفط كبيرة الحجم المعروفة باسم "VLCCs" يشهد ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الإيجارات اليومية، موضحًا أن هذه الناقلات تستخدم حاليًا بشكل كبير في الحركة داخل مضيق هرمز وخارجه.
وخلال مداخلة مع قناة القاهرة الإخبارية، أوضح قطايا أن أسعار إيجار الناقلة الواحدة وصلت حاليًا إلى نحو مليون دولار في اليوم، معتبرًا أن هذا الرقم يمثل مستوى مرتفعًا للغاية بالنسبة إلى السوق الملاحية العالمية.
وأضاف أن أسعار الإيجار في الظروف الطبيعية كانت تتراوح بين 50 ألفًا و150 ألف دولار يوميًا، موضحًا أن وصولها إلى مليون دولار يعكس قفزة كبيرة في تكلفة النقل.
وأشار إلى أن معظم الناقلات التي تعمل حاليًا في هذه الظروف ليست من الناقلات الحديثة، وإنما من الناقلات قديمة البناء التي تتراوح أعمار بعضها بين 15 و20 و25 عامًا.
وأوضح خبير النقل الدولي والبحري أن ارتفاع الأرباح دفع ملاك السفن إلى تشغيل هذه الناقلات في المنطقة، رغم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها، بهدف تحقيق عوائد مرتفعة.
وأشار إلى أن هذه المخاطر تشمل احتمالات تعرض الناقلات للاستهداف أو القصف من جانب الحرس الثوري، وفق ما ذكر.
وحول أعداد السفن التي تعبر مضيق هرمز حاليًا، أوضح قطايا أن الأرقام لا تثبت على مستوى واحد خلال الأيام المختلفة.
وقال إن حركة العبور قد تصل في بعض الأيام إلى نحو 15 أو 20 سفينة، بينما تنخفض في أيام أخرى إلى 7 أو 8 سفن فقط، مشيرًا إلى وجود تفاوت واضح في حركة السفن التي تعبر المضيق خلال الفترة الحالية.
النفط قد يتجاوز 110 دولارات
قال الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن استمرار الحرب والتوترات الجيوسياسية قد يدفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات تتجاوز 110 دولارات للبرميل، في ظل المخاطر التي تهدد إمدادات الخام عالميًا.
وأوضح راغب أن استهداف خط شرق-غرب في السعودية، الذي ينقل نحو 5 ملايين برميل يوميًا من النفط، إلى جانب المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، يمثلان عاملين مهمين للضغط على أسعار الخام.
وأشار إلى أن أسعار النفط تتأثر بعدة عوامل، أبرزها الاستقرار والأمن، وحجم العرض والطلب، ومستويات الإنتاج، إلى جانب التطورات الجيوسياسية، موضحًا أن استمرار المخاطر المتعلقة بإمدادات النفط يحد من قدرة السوق على استيعاب أي صدمات جديدة.
وأضاف أن قرارات "أوبك+" بشأن مستويات الإنتاج تمثل عاملًا آخر مؤثرًا في السوق، مشيرًا إلى أن المجموعة لا تتجه إلى زيادة كبيرة في الإنتاج من شأنها إغراق السوق، كما أن أي زيادة في الإنتاج قد تواجه صعوبة في الوصول إلى الأسواق في ظل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
ماذا عن تأثير ارتفاع النفط على مصر؟
وعلى صعيد السوق المحلية، قال النحاس إن تأمين مصر لاحتياجاتها من الخام من مصادر بديلة يمثل خطوة مهمة لتقليل تأثر السوق المحلية بأي ارتفاعات مفاجئة في الأسعار العالمية.
وأشار إلى خطط لاستيراد نحو 16 مليون برميل قبل نهاية 2026، بمتوسط سعر يقارب 85 دولارًا للبرميل.
وأضاف أن الكميات المستهدفة تتضمن نحو 10 ملايين برميل من ليبيا و6 ملايين برميل من العراق، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 1.36 مليار دولار.
واعتبر النحاس أن تأمين الاحتياجات من مصادر متعددة قد يساعد على الحد من انتقال الصدمات العالمية إلى السوق المحلية خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا شهدت أسعار النفط العالمية موجة جديدة من الارتفاع نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية.
النفط والدولار يضغطان على الموازنة.. هل تتجه مصر لتحريك أسعار الوقود؟