إعلان

لماذا أصبح النحاس الذهب الجديد للعالم؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

05:00 م 23/09/2026 تعديل في 05:04 م

النحاس الذهب الجديد

تابعنا على

"النحاس هو الذهب الجديد"، هكذا اختصر كيريل دميترييف رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي والممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي الدولي، المشهد في منشور على منصة إكس، بالتزامن مع وصول عقود النحاس في بورصة كومكس الأمريكية إلى مستوى قياسي بلغ نحو 6.903 دولار للرطل في 22 سبتمبر 2026، بما يعادل نحو 15.2 ألف دولار للطن.

الرقم ليس مجرد حركة في سوق للمعادن، بل انعكاس لتغير أعمق: العالم الذي يتجه في الوقت نفسه إلى الكهرباء والذكاء الاصطناعي يحتاج كميات أكبر من معدن يدخل في الشبكات والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات ومعدات الطاقة.

لماذا الذهب الجديد إذن؟

أصبح النحاس ذهبًا من الناحية الإستراتيجية، فالعالم يضاعف رهانه على الكهرباء ويضيف السيارات الكهربائية ويوسع الشبكات ويبني مزارع الطاقة الشمسية والرياح، وفي الوقت نفسه ينفق مليارات الدولارات على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؛ وكل هذه التحولات تمر بدرجات مختلفة عبر النحاس.

يأتي جزء كبير من طلب النحاس من الاستخدامات التقليدية مثل البناء والصناعة والمعدات الكهربائية، بينما تضيف كهربة الاقتصاد طلبًا جديدًا من السيارات الكهربائية والشبكات والطاقة الشمسية ومراكز البيانات، وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي الطلب العالمي على النحاس في سيناريو السياسات الحالية يرتفع من 26.7 مليون طن في 2024 إلى 31.3 مليون طن في 2030، ثم إلى 34.1 مليون طن في 2040، حسب وكالة الطاقة الدولية.

والأهم أن الطلب المرتبط بالطاقة النظيفة وحدها يتجه إلى الصعود من نحو 7.7 مليون طن في 2024 إلى 10.9 مليون طن في 2030 وفق سيناريو السياسات الحالية لوكالة الطاقة الدولية، كما يظل الطلب من الاستخدامات الأخرى عند مستويات مرتفعة.

ويتميز النحاس بموصلية كهربائية وحرارية مرتفعة، ولهذا يستخدم على نطاق واسع في الأسلاك والكابلات والمحولات والمعدات الكهربائية، وكانت وكالة الطاقة الدولية قد قدرت أن الطلب السنوي على النحاس المستخدم في شبكات الكهرباء يمكن أن يرتفع من 5 ملايين طن في 2020 إلى 7.5 مليون طن في 2040 في سيناريو السياسات المعلنة، ويقترب من 10 ملايين طن في سيناريو التنمية المستدامة. المصدر: وكالة الطاقة الدولية.

ولا يعني التحول إلى الطاقة النظيفة فقط بناء ألواح شمسية وتوربينات رياح، بل يعني بناء شبكة كهرباء أكبر وأكثر تعقيدًا، ولهذا فإن جزءًا من الطلب على النحاس يأتي من البنية التحتية الموجودة خلف التكنولوجيا نفسها، وليس من المنتج النهائي فقط، كما نقول

الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة للطلب

جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة للطلب على النحاس، فمراكز البيانات وخاصة مراكز البيانات التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحتاج قدرات كهربائية ضخمة، ومعها ترتفع احتياجات أنظمة توزيع الكهرباء والتوصيلات وقضبان التوصيل والمكونات الكهربائية وأنظمة التبريد.

تقدر وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات، التقليدية ومراكز الذكاء الاصطناعي معًا، قد تستهلك 250 إلى 550 ألف طن من النحاس في 2030، بما يعادل نحو 1% إلى 2% من الطلب العالمي على النحاس، مع اختلاف التقديرات حسب سرعة توسع الذكاء الاصطناعي.

فالنحاس يدخل في توزيع الطاقة والكابلات وقضبان التوصيل والموصلات وأنظمة التبريد والمبادلات الحرارية، وكلما ارتفعت كثافة الطاقة المطلوبة لخوادم الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى بنية تحتية كهربائية وتبريدية أكثر كثافة، ولذلك فإن صعود الذكاء الاصطناعي لا يخلق طلبًا رقميًا على النحاس بقدر ما يخلق طلبًا ماديًا على الكهرباء والمعدات التي تنقلها وتديرها، وفق وكالة الطاقة الدولية .

السيارة الكهربائية ليست القصة كلها

ترفع السيارة الكهربائية الطلب على النحاس، حيث السيارة والشاحن ومحطات الشحن وشبكات التوزيع ومحطات توليد الكهرباء، ولهذا فإن تحول النقل إلى الكهرباء يضيف طلبًا على النحاس في أكثر من نقطة في سلسلة الطاقة وليس داخل السيارة وحدها، وتضع وكالة الطاقة الدولية السيارات الكهربائية ضمن المصادر الرئيسية لنمو الطلب على المعادن، بالتوازي مع توسع الشبكات والطاقة النظيفة.

ولا تستطيع السوق رفع الإنتاج بين ليلة وضحاها عندما ترتفع الأسعار، فالإنتاج يعتمد على اكتشافات وتطوير وتمويل وتصاريح وبنية تحتية ثم تشغيل المناجم ورفع طاقتها تدريجيًا، وتُظهر تقييمات وكالة الطاقة الدولية أن مشاريع التعدين المعلنة لا توفر كامل الكميات المطلوبة مستقبلًا، إذ قدرت في تقييمها لمخاطر النحاس فجوة قدرها 31% بين احتياجات التعدين المتوقعة وحجم مشروعات التعدين القائمة حتى 2035، حسب وكالة الطاقة الدولية.

وتشير آخر توقعات مجموعة دراسة النحاس الدولية إلى فائض في النحاس المكرر يبلغ نحو 96 ألف طن في 2026 ونحو 377 ألف طن في 2027، بعد خفض توقعات نمو الاستخدام العالمي إلى 1.6% في 2026 و2% في 2027. لكن المجموعة نفسها تشير إلى أن نمو الإنتاج المنجمي في 2026 لا يتجاوز 1.6%، بينما يرتفع إنتاج النحاس المكرر بنحو 0.4% فقط، مع استمرار قيود توافر المركزات.

نصف النحاس تقريبًا يمر عبر 3 دول

لا تكمن المشكلة في حجم الاحتياطي فقط، وإنما في مكان وجوده، ففي 2024 بلغ الإنتاج العالمي من النحاس المستخرج نحو 23 مليون طن، واستحوذت تشيلي على نحو 5.3 مليون طن، والكونغو الديمقراطية على 3.3 مليون طن، وبيرو على 2.6 مليون طن، أي أن الدول الثلاث وحدها وفرت قرابة 48% من الإنتاج العالمي، حسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

وقدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية احتياطيات النحاس العالمية بنحو 980 مليون طن، منها 190 مليون طن في تشيلي و100 مليون طن في بيرو و80 مليون طن في الكونغو الديمقراطية، لكن الاحتياطي الجيولوجي ليس معناه أن هذه الكميات يمكن ضخها إلى السوق فورًا.

ويأتي الجزء الأكبر من النحاس الخام من دول مثل تشيلي والكونغو الديمقراطية وبيرو، ولكن تمتلك الصين وزنًا ضخمًا في إنتاج النحاس المكرر، إذ تشير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى إنتاج صيني بلغ نحو 12 مليون طن من النحاس المكرر في 2024، بما يمثل قرابة 44% من الإنتاج العالمي المكرر.

وهذه نقطة إستراتيجية لأن سلسلة النحاس تمتد من المنجم إلى التركيز والصهر والتكرير ثم التصنيع، وأي اختناق في إحدى حلقاتها يمكن أن ينعكس على السوق حتى لو ظلت كميات كبيرة من الخام موجودة جيولوجيًا.

ويمكن إعادة تدوير النحاس دون فقد خصائصه الأساسية، وتُظهر بيانات قطاع النحاس أن المصادر الثانوية، أي النحاس المستعاد من الخردة وإعادة التدوير، أصبحت جزءًا مهمًا من الإمدادات العالمية، وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن إمدادات النحاس الثانوية وإعادة الاستخدام بلغت نحو 4.4 مليون طن في 2024، ويمكن أن ترتفع إلى أكثر من 5.4 مليون طن في 2030.

ويمكن أن ترتفع كميات النحاس المعاد تدويرها، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان تغطية كل الزيادة في الطلب إذا كان الاقتصاد يضيف في الوقت نفسه ملايين الأطنان من البنية التحتية الجديدة،وفق وكالة الطاقة الدولية.

المصادر:

تصريح المتشار الروسي

وكالة الطاقة الدولية، تقرير "دور المعادن الحرجة في تحولات الطاقة النظيفة"

وكالة الطاقة الدولية، تقرير "متطلبات المعادن لتحولات الطاقة النظيفة"

وكالة الطاقة الدولية، تقرير "آفاق المعادن الحرجة العالمية 2025"

مجموعة دراسة النحاس الدولية، تقرير "توقعات سوق النحاس 2026-2027"

هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تقرير "ملخصات السلع المعدنية: النحاس 2025"

هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، "إنتاج السلع المعدنية وخريطة الصناعات المعدنية والبنية التحتية في الصين"

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان

إعلان