لم يعد تقييم شركات الطيران يتوقف عند سؤال المسافر: "هل تأخرت الرحلة؟"، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "كيف تعاملت الشركة مع التأخير؟".
وكشفت دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن تحليل شكاوى المسافرين باستخدام نماذج اللغة الكبيرة يمكن أن يكشف تفاصيل لا تظهرها مؤشرات الرضا التقليدية، بعدما جرى تفكيك 16622 مراجعة لمسافرين على موقع تريب أدفايزر بـ 13 لغة.
وأظهرت الدراسة أن تأخير وإلغاء الرحلات جاء في صدارة الشكاوى بـ 690 إشارة، لكن سوء التواصل بشأن التأخير ظهر 536 مرة، بينما سجلت شكاوى "سلوك أطقم الطائرات غير اللائق" 591 مرة، في مؤشر على أن تجربة المسافر لا تتحدد فقط بما حدث أثناء الرحلة، وإنما أيضًا بكيفية إدارة المشكلة والتواصل معه.
الذكاء الاصطناعي يحول الكلام إلى بيانات
اعتمدت الدراسة على نموذج للذكاء الاصطناعي لتحليل المراجعات السلبية وتحديد المشكلات المحددة التي يذكرها الركاب، بدلًا من الاكتفاء بدرجة التقييم النهائية، إذ جرى تصنيف الشكاوى في 36 مشكلة تفصيلية، ثم تجميعها في 8 مجموعات رئيسية تشمل خدمات المطار، الأمتعة، الحجز، النظافة، خدمة العملاء، اضطرابات الرحلات، تجربة الطيران، ومخاوف السلامة.
وحسب الدراسة، فإن هذا الأسلوب يسمح بالتمييز بين مشكلتين قد تبدوان متشابهتين في المؤشرات التقليدية؛ فـ تأخر الرحلة يمثل مشكلة، بينما "عدم إبلاغ المسافر بما يحدث أثناء التأخير" يمثل مشكلة أخرى مستقلة.
الجانب الأكثر أهمية في الدراسة يتمثل في المنهجية نفسها؛ إذ لم يستخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لمجرد عد الكلمات الأكثر تكرارًا، وإنما لتحليل سياق المراجعة وتصنيف الشكاوى بحسب معناها.
وعالج النموذج المراجعات بلغاتها الأصلية، ثم استخرج المشكلات وصنفها ضمن 36 نوعًا من الشكاوى، قبل تجميعها في 8 فئات رئيسية، وبذلك تحولت آلاف المراجعات غير المنظمة إلى قاعدة بيانات يمكن تتبعها عبر الزمن ومقارنتها بين أنواع الخدمات والأسواق المختلفة.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الطريقة يمكن أن تكمل أدوات قياس جودة الخدمة التقليدية، التي تعتمد عادةً على الاستبيانات والتقييمات المحددة مسبقًا، إذ إن الاستبيان قد يخبر الشركة بأن الراكب أعطى تجربة السفر درجة منخفضة، لكنه قد لا يوضح بالقدر نفسه لماذا أعطاها هذه الدرجة.
التأخير ليس المشكلة الوحيدة
تكشف بيانات الدراسة أن "اضطرابات الرحلات" كانت أكبر مجموعات الشكاوى، لكن تفاصيلها توضح أن المسافر لا ينزعج من التأخير وحده.
وسجلت شكاوى تأخير أو إلغاء الرحلات 690 مرة، مقابل 536 إشارة إلى سوء التواصل بشأن التأخير، و94 شكوى من الإلغاء دون تفسير، و92 شكوى من فقدان رحلة الربط، و73 شكوى من التأخير المفرط.
وتشير هذه الأرقام إلى فجوة بين حدوث المشكلة وإدارة المشكلة، فالمسافر قد يتحمل التأخير باعتباره ظرفًا تشغيليًا، لكنه يظل أكثر عرضة لتقييم التجربة بصورة سلبية عندما لا يحصل على معلومات واضحة بشأن ما يحدث.