بسبب تكلفة الورق.. المطابع تقلص الإنتاج ودور النشر تدير المخاطر
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
صناعة الورق
يرى خبراء في قطاع الورق والمطبوعات أن أزمة صناعة النشر في مصر ليست مجرد معادلة تختصر في ارتفاع أسعار الكتب، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لتغيرات اقتصادية أعادت تشكيل نموذج العمل بالكامل، بدءًا من المطابع ودور النشر، مرورًا بالموزعين والمكتبات، وصولًا إلى القارئ نفسه.
وأضافوا لـ"مصراوي" أن الاعتماد على مستلزمات إنتاج مستوردة، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، حولت إصدار كتاب جديد إلى قرار استثماري محفوف بالمخاطر، بعدما تضاعفت تكلفة الطباعة مرات عدة خلال السنوات الأخيرة.
السوق يعيد تشكيل نفسه
قال أحمد أبو جبل عضو شعبة المكتبات، إن الأزمة دفعت كثيرًا من دور النشر الصغيرة إلى تقليص نشاطها أو الخروج من السوق، بينما عززت الكيانات الكبرى حصتها بفضل قدرتها على شراء الورق بكميات كبيرة وامتلاك شبكات توزيع خاصة.
وأضاف لـ"مصراوي" أن تسارع التحول نحو الكتب الإلكترونية والصوتية والطباعة الرقمية، زادت كبدائل أقل تكلفة وأكثر مرونة مقارنة بالنشر الورقي التقليدي.
وذكر أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يمثل المصدر الرئيسي للسيولة لدى عدد كبير من الناشرين، إذ يوفر ما بين نصف و70% من مبيعاتهم السنوية.
يمثل المعرض المصدر الرئيسي للتدفقات النقدية لدور النشر، حيث تشير تقديرات اتحاد الناشرين إلى أن 50% إلى 70% من إجمالي المبيعات السنوية لدور النشر المتوسطة والصغيرة تُحقق خلال فترة انعقاد المعرض.
وأشار أبو جبل إلى أن صناعة النشر تتجه نحو نموذج جديد يعتمد على تقليص الطباعة الورقية والتوسع في النشر المدمج الذي يجمع بين النسخ الورقية المحدودة والنسخ الرقمية والصوتية.
وطالب بدعم إنتاج الورق المحلي، وتخفيف أعباء الضرائب والجمارك على مستلزمات الطباعة، وتشديد مكافحة القرصنة، وزيادة المشتريات الحكومية للمكتبات، من أبرز الأدوات التي يمكن أن تخفف الضغوط عن القطاع وتحافظ على استدامته.
ووفق النشرات الفنية الصادرة عن شعبة الورق والكرتون بغرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات المصرية، فإن حجم الاستهلاك المحلي من ورق الطباعة والكتابة يبلغ نحو 400 إلى 450 ألف طن سنوياً، بينما ينتج القطاع المحلي عبر شركتي (إدفو وقنا لصناعة الورق) ما بين 120 إلى 150 ألف طن سنوياً من ورق الطباعة (المصنع من باجاس قصب السكر)، وبذلك تمثل الواردات الأجنبية من الورق نسبة 65% إلى 70% من احتياجات السوق المحلي، وهي الفجوة التي تجعل تسعير المطبوعات يرتبط بسعر الصرف وأسعار البورصات العالمية للورق.
اقرأ أيضًا:
كيف أصيبت أسعار الساحل الشرير بالجنون؟.. أرقام وإحصاءات مثيرة
الأزمة منذ عقد
وضّح محمد رجب صاحب شركة طباعة، أن أزمة النشر ليست مجرد ارتفاع في سعر الكتاب، وإنما نتيجة تضخم متراكم في مدخلات الإنتاج.
وأضاف لـ"مصراوي" أن القطاع يعتمد على استيراد معظم الورق والأحبار والزنكات وقطع الغيار، بينما يغطي الإنتاج المحلي جزءًا محدودًا من احتياجات السوق، ما جعل الصناعة شديدة الحساسية لسعر الدولار والشحن والطاقة.
بينما ذكر أن تكلفة طباعة النسخة الواحدة قفزت من نحو 7-9 جنيهات قبل عقد (2026) إلى 65-85 جنيهًا حاليًا، أي بزيادة تقارب 10 أضعاف.
وتشير بيانات الهيئة المصرية العامة للكتاب والمطابع المسجلة رسمياً إلى أن القطاع الخاص (دور النشر الخاصة) يُنتج ما بين 60% إلى 65% من إجمالي عناوين الكتب الثقافية والعامة، بينما تُنتج المؤسسات والهيئات الحكومية (مثل هيئة الكتاب، قصور الثقافة، المجلس الأعلى للثقافة) النسبة المتبقية.
وذكر رجب أن المطابع تعمل بأقل من طاقتها نتيجة انخفاض أوامر التشغيل، بينما تقلصت هوامش أرباحها مع ارتفاع تكلفة الصيانة وقطع الغيار المستوردة.
وبيّن أن تكاليف النقل والتخزين ارتفعت، وزادت نسب الخصم التي تطلبها المكتبات والموزعون إلى 40-55% من سعر الغلاف، مع إطالة فترات تحصيل المستحقات وارتفاع معدلات المرتجعات، ما ضغط على السيولة في مختلف حلقات الصناعة.
وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت العناوين المؤلفة والمترجمة المودعة قانونياً نحو 14000 إلى 15500 عنوان سنوياً، وتستحوذ الكتب المؤلفة محلياً على 92% إلى 94% من إجمالي العناوين المودعة، بينما لا تتجاوز الكتب المترجمة نسبة 6% إلى 8%.
اقرأ أيضًا:
مصر تطالب بتعديل اتفاقية الكويز وتقليل المكون الإسرائيلي
دور النشر.. من التوسع إلى إدارة المخاطر
قال الدكتور علي حمدي مدير دار نشر، إن ارتفاع رأس المال المطلوب لطباعة أي عنوان جديد دفع الناشرين إلى تغيير استراتيجيتهم بالكامل، فبدلاً من طباعة ألف أو ألفي نسخة، أصبحت الطبعة الأولى لا تتجاوز غالبًا 300 إلى 500 نسخة، مع التوسع في الطباعة حسب الطلب لتجنب تجميد السيولة.
وسجل متوسط طبعات العنوان الواحد تراجعاً كبيراً، حيث انخفض متوسط الطبعة الأولى من 2000-3000 نسخة قبل سنوات التضخم، إلى متوسط يترواح بين 300 و500 نسخة فقط في معظم دور النشر الخاصة للتكيف مع ارتفاع أسعار الورق ومستلزمات الإنتاج، وفق اتحاد الناشرين المصريين.
وأضاف حمدي لـ"مصراوي" أن العقود تغيرت مع المؤلفين لتقاسم تكلفة الطباعة، وتركز الاستثمار في الكتب الأعلى مبيعًا، مع تقليل الصفحات والاعتماد على خامات أقل تكلفة.
اقرأ أيضًا:
صعود الدليفري وتراجع الورش.. ماذا يحدث في سوق العمل؟
حسب اتحاد الناشرين المصريين، فإن عدد دور النشر المسجلة رسمياً في مصر نحو 1200 دار نشر، ويُقدر اتحاد الناشرين بالتنسيق مع غرفة صناعات الطباعة والتغليف عدد العاملين في القطاع بأكثر من 250 ألف عامل.
وأشار حمدي إلى أن تراجع القوة الشرائية أدى لتحول شراء الكتب من عادة منتظمة إلى شراء انتقائي يتركز خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب وفترات الخصومات.
وتُظهر بيانات وزارة الثقافة (الهيئة المصرية العامة للكتاب) أن أعدد زوار المعرض تتراوح سنوياً بين 3.5 إلى 4.5 مليون زائر على مدار أيام المعرض (14 يوماً)، بينما يشارك سنوياً أكثر من 1200 إلى 1350 دار نشر مصرية وعربية وأجنبية من نحو 50 إلى 60 دولة.
وفي الوقت نفسه، انتعشت سوق الكتب المستعملة، حسب حمدي، واتسع الاعتماد على النسخ الرقمية المقرصنة، ما أضاف تحديًا جديدًا يتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News