بعد صندوق النقد.. خبراء يرسمون ملامح البرنامج الاقتصادي الذي تحتاجه مصر
كتب : أحمد الخطيب
صندوق النقد الدولي
قال خبراء اقتصاديون إن نجاح مرحلة ما بعد انتهاء برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي يتطلب إطلاق برنامج اقتصادي وطني واضح المعالم، يستند إلى استكمال الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة الاستثمار والإنتاج والتصدير، بما يحافظ على ثقة المستثمرين ويقلل الاعتماد على التمويلات الخارجية.
وأضافوا لـ"مصراوي"، أن المرحلة المقبلة تستلزم تبني رؤية اقتصادية طويلة الأجل تضمن استقرار السياسات واستمرارها، بعيدًا عن تغير الحكومات، مع التركيز على زيادة الإيرادات من النقد الأجنبي، وخفض الاعتماد على الاقتراض، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.
ويأتي ذلك بعد أن وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب الإسراع في تنفيذ برنامج تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية، بما يعزز دور القطاع الخاص ويدعم النمو المستدام.
وأكد الرئيس أهمية توجيه الدعم إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة العاملة في القطاعات الإنتاجية، لزيادة الإنتاج المحلي ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد، إلى جانب اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لمواجهة الفساد وتحسين كفاءة الأداء الحكومي.
اقرأ أيضًا:
ماذا تعني توصية صندوق النقد للمركزي المصري بالإبقاء على سعر الفائدة مرتفعا؟
منذ ديسمبر 2022 تعمل مصر على تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي بقرض بقيمة 8 مليارات دولار.
لجأت مصر إلى طرق أبواب صندوق النقد مجددا بعد أن عانت من أزمة تفاقم النقد الأجنبي التي مرت بها البلاد وتفشي السوق السوداء لتجارة الدولار بسبب التبعات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية.
برنامج يحافظ على ثقة المستثمرين
قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي يتطلب وجود برنامج اقتصادي وطني واضح ومفصل، يضمن استمرار الإصلاحات ويحافظ على ثقة المستثمرين، باعتبار أن وضوح السياسات الاقتصادية واستقرارها يمثلان أحد أهم عوامل جذب الاستثمار.
وأضاف أن وجود برنامج مع صندوق النقد يمنح المستثمرين قدرًا كبيرًا من اليقين بشأن توجهات الدولة الاقتصادية، لأن الحكومات تلتزم خلاله بتنفيذ إصلاحات وسياسات محددة، وهو ما يقلل حالة عدم اليقين ويجعل بيئة الاستثمار أكثر وضوحًا.
وأوضح أنيس أن انتهاء البرنامج قد يثير تساؤلات لدى المستثمرين بشأن مسار الإصلاح الاقتصادي، لذلك يصبح من الضروري أن تطرح الحكومة برنامجًا اقتصاديًا وطنيًا واقعيًا يتضمن أهدافًا واضحة وآليات تنفيذ محددة، مع الالتزام الكامل بتنفيذه لضمان استمرار الثقة في الاقتصاد المصري.
وعلى مدار 10 سنوات نفذت مصر 3 برامج مع صندوق النقد الأول في 2016 بقيمة 12 مليار دولار والثاني في 2020 بقيمة 8.2 مليار دولار بجانب البرنامج الثالث القائم حاليا بقيمة 8 مليارات دولار بالإضافة إلى برنامج المرونة والاستدامة البالغ 1.3 مليار دولار.
حصلت مصر في البرنامج القائم على 5.2 مليار دولار على 7 شرائح وتقترب من الحصول على شريحة جديدة بقيمة 1.6 مليار دولار بشرط اعتماد المجلس التنفيذي للصندوق على المراجعة السابعة بناء على توصية موافقة خبراء الصندوق.
3 ركائز للمرحلة المقبلة
أشار أنيس إلى أن البرنامج الاقتصادي الوطني يجب أن يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في جذب استثمارات أجنبية مباشرة موجهة للتصدير، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتقليص بصمة الدولة في الاستثمارات العامة، خاصة الممولة بالاقتراض.
وأوضح أن التوسع في الاستثمارات الممولة بالدين يرفع أعباء المديونية، وينعكس في النهاية على معدلات التضخم وسعر صرف الجنيه، بما يدخل الاقتصاد في دائرة متكررة من الاقتراض والضغوط التضخمية.
وأضاف أنيس أن مصر حصلت بالفعل خلال السنوات الماضية على أكبر قدر ممكن من التمويلات الميسرة من المؤسسات الدولية، سواء من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو المفوضية الأوروبية، ما يجعل فرص الحصول على تمويلات ميسرة إضافية محدودة.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب الاعتماد بصورة أكبر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة المشروعات الموجهة للتصدير، باعتبارها المصدر الأكثر استدامة لتوفير النقد الأجنبي، وسد الفجوة التمويلية، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي.
وأوضح أن هذه الاستثمارات لا توفر تدفقات دولارية فقط عند دخولها، وإنما تخلق أيضًا صادرات جديدة تعزز حصيلة النقد الأجنبي وتحسن الميزان التجاري، بما يساعد على معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
ووصف أنيس البرنامج الحالي مع صندوق النقد بأنه يمثل "الفرصة ما قبل الأخيرة" أمام الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن الدولة لا يمكنها التعويل مستقبلًا على صفقات استثنائية أو برامج تمويل ضخمة، مثل صفقة رأس الحكمة أو برامج إنقاذ جديدة بنفس الحجم.
وأضاف أن نجاح المرحلة المقبلة سيكون مرهونًا بقدرة الحكومة على تنفيذ برنامج اقتصادي يعتمد على الإنتاج والتصدير والاستثمار الخاص، وليس التوسع في الاقتراض.
"دستور اقتصادي" لا يتغير
واتفق الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، مع أهمية وجود برنامج اقتصادي واضح بعد انتهاء التعاون مع صندوق النقد، لكنه رأى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما وصفه بـ"الدستور الاقتصادي"، الذي تلتزم به جميع الحكومات ولا يتغير بتغير المسؤولين.
وقال النحاس إن الاقتصاد المصري لا يحتمل استمرار السياسات نفسها التي طبقت خلال السنوات الماضية، في ظل ارتفاع الدين العام وتزايد الضغوط الاقتصادية، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب أفكارًا جديدة وآليات مختلفة لمعالجة التحديات.
وأضاف أن أي برنامج اقتصادي وطني يجب أن يبدأ بتشخيص شامل لمشكلات الاقتصاد، ووضع رؤية طويلة الأجل تلتزم بها جميع الحكومات، بحيث لا تتغير الأولويات الاقتصادية مع كل تغيير وزاري.
وأوضح النحاس أن المقصود بـ"الدستور الاقتصادي" هو إطار استراتيجي دائم يحدد مسار الاقتصاد المصري لعقود، ويضمن استمرارية السياسات والإصلاحات، بما يعزز الثقة ويمنع تغير التوجهات الاقتصادية مع تغير الحكومات.
وأضاف أن هذا الإطار ينبغي أن يتضمن أولويات واضحة للإنتاج والاستثمار، وإدارة الدين العام، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، بما يحقق نموًا اقتصاديًا مستدامًا.
وقال النحاس إن نجاح أي برنامج اقتصادي يتطلب الاستعانة بخبراء متخصصين يمتلكون رؤى مستقلة، وإتاحة مساحة لطرح الأفكار المختلفة عند رسم السياسات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة يظل أحد الملفات المهمة، لكنه يحتاج إلى سياسات متكاملة ورؤية واضحة لضمان تحقيق نتائج مستدامة.
ولفت إلى أن مصر ستظل ملتزمة بسداد التزاماتها تجاه صندوق النقد والمؤسسات الدولية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعل تحقيق نمو اقتصادي قائم على الإنتاج والاستثمار وزيادة الإيرادات الدولارية ضرورة لتعزيز قدرة الاقتصاد على الاستمرار بعد انتهاء برنامج الصندوق.
التحول من التثبيت المالي إلى النمو المستدام
قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، إن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي يمثل خطوة استراتيجية تستهدف الانتقال من مرحلة الاعتماد على برامج الإصلاح المرتبطة بسد الفجوات التمويلية وتحقيق الاستقرار المالي، إلى مرحلة جديدة تقوم على تحقيق نمو اقتصادي مستدام يعتمد على الإمكانات الذاتية للاقتصاد المصري.
وأضاف أن البرنامج الجديد ينبغي ألا يقتصر على استمرار السياسات التقليدية المرتبطة بإدارة الطلب، وإنما يتجه بصورة أكبر إلى تبني سياسات تدعم جانب الإنتاج، وتطلق الطاقات الكامنة للاقتصاد، بما يعزز قدرته على النمو وخلق فرص العمل وزيادة مصادر النقد الأجنبي.
وأوضح الشافعي أن البرنامج الاقتصادي الوطني يجب أن يستند إلى ثلاث ركائز رئيسية، تتمثل الأولى في تعزيز الاستقلالية الاقتصادية من خلال تقليل الاعتماد على التمويلات الخارجية مرتفعة التكلفة، بما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات العالمية.
وأشار إلى أن الركيزة الثانية تتمثل في إحداث تحول هيكلي داخل الاقتصاد عبر زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، باعتبارها القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص عمل مستدامة وتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي.
وأضاف أن الركيزة الثالثة تتمثل في تمكين القطاع الخاص بصورة فعلية، من خلال تسريع تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، والتوسع في تخارج الدولة من الأنشطة غير الاستراتيجية، إلى جانب ترسيخ مبدأ الحياد التنافسي، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في بيئة الاستثمار المصرية.
وأوضح الشافعي أن المرحلة التي تلي انتهاء برنامج صندوق النقد تتطلب التركيز على تحسين بيئة الأعمال، عبر تبسيط إجراءات التراخيص وتخصيص الأراضي، وتحقيق استقرار تشريعي وضريبي يرفع من جاذبية الاستثمار ويمنح المستثمرين رؤية واضحة طويلة الأجل.
وأضاف أن إدارة الدين العام تمثل أولوية أخرى، من خلال العمل على إطالة آجال الدين وخفض تكلفته، مع توجيه الإنفاق العام نحو المشروعات ذات العائد الاقتصادي السريع والبنية التحتية، بالتوازي مع توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي لزيادة الإيرادات العامة.
التنمية البشرية وزيادة الصادرات
وأشار الشافعي إلى أن نجاح البرنامج الاقتصادي يتطلب أيضًا الاستثمار في التنمية البشرية، عبر توجيه الوفورات المالية الناتجة عن ترشيد الدعم لتحسين جودة التعليم، خاصة التعليم الفني، وتطوير منظومة الرعاية الصحية، مع التوسع في شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
وشدد على أهمية وضع استراتيجية وطنية لزيادة الصادرات المصرية، خاصة للأسواق الواعدة مثل الأسواق الأفريقية، من خلال تقديم حوافز للمصدرين وتطوير الخدمات اللوجستية، بما يسهم في تحقيق تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، ويحد من الضغوط على سوق الصرف، ويدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا:
بعد تراجع النفط عالميا.. هل تتجه لجنة التسعير التلقائي لخفض أسعار الوقود في اجتماعها المقبل؟