تمدد "المتاجر المظلمة".. كيف غيّرت قواعد بيع التجزئة في مصر؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
التجارة الإلكترونية
يقول خبيران رقميان تحدثا لـ"مصراوي" إن التجارة الإلكترونية المدعومة بنموذج المتاجر المظلمة (Dark Stores) تشهد في مصر نموًا متسارعًا، مدفوعًا بزيادة الاعتماد على المدفوعات الرقمية وانتشار الهواتف الذكية، وهو ما يدفع الشركات إلى تبني نماذج تشغيل جديدة، من بينها المتاجر المظلمة التي تعتمد على البيع عبر المنصات الإلكترونية دون استقبال العملاء داخل الفروع.
وتشير تقديرات مؤسسة موردور إنتليجنس العالمية لدراسات السوق إلى أن حجم سوق التجارة الإلكترونية عمومًا سيبلغ نحو 11.49 مليار دولار في 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 20.15 مليار دولار بحلول 2031، حسب تقرير حديث.
يرجع هذا النمو إلى عدة عوامل، في مقدمتها التوسع في استخدام المحافظ الإلكترونية، إذ ارتفع عددها إلى 46.3 مليون محفظة خلال الربع الثاني من 2025، بزيادة سنوية بلغت 29%، فيما قفز عدد المعاملات المنفذة عبرها بنسبة 80% ليصل إلى 718 مليون معاملة.
كما ساهم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز التجارة الإلكترونية، خاصة بين فئة الشباب، حيث بلغ عدد مستخدمي "تيك توك" في مصر نحو 32.9 مليون مستخدم، بينما وصل عدد مستخدمي "إنستجرام" إلى 18.1 مليون مستخدم خلال 2025، مع تحول هذه المنصات إلى قنوات لاكتشاف المنتجات وإتمام عمليات الشراء، إلى جانب استمرار التوسع في تغطية شبكات الجيلين الرابع والخامس.
ليست جديدة.. ولكنها تتوسع
يوضح حسن عبد الفتاح الخبير الرقمي، أن نموذج "المتاجر المظلمة" لم يعد جديدًا على السوق المصرية، إذ بدأ حضوره الفعلي منذ عام 2021 مع إطلاق "طلبات" خدمة طلبات مارت، قبل أن تدخل شركات أخرى مثل "بريدفاست" و"رابيت" في سباق يعتمد على تقليص زمن توصيل الطلبات إلى نحو 20 دقيقة، عبر التوسع في إنشاء متاجر مخصصة لتجهيز الطلبات دون استقبال العملاء.
ويضيف لـ"مصراوي" أن المنافسة في هذا القطاع لم تعد ترتكز على التطبيقات أو الخصومات السعرية فقط، بل أصبحت تعتمد بالأساس على كفاءة البنية اللوجستية وسرعة تنفيذ الطلبات، وهو ما دفع الشركات إلى ضخ استثمارات كبيرة في شبكات التخزين وإدارة المخزون والتوزيع، باعتبارها العنصر الحاسم في تجربة العميل.
ويلفت عبد الفتاح إلى أن حجم التمويلات التي حصلت عليها شركات التجارة السريعة يعكس ثقة المستثمرين في هذا النموذج، إذ نجحت "بريدفاست" في جذب استثمارات جديدة لدعم توسعاتها، بينما حصلت "رابيت" منذ تأسيسها على واحدة من أكبر جولات التمويل الأولية في المنطقة لبناء شبكة متاجر مظلمة مدعومة بالتكنولوجيا، بما يؤكد أن الاستثمار بات يتجه إلى تطوير البنية التشغيلية أكثر من التوسع في منافذ البيع التقليدية.
ويرى أن هذا التحول يعيد تشكيل سوق العمل، حيث تتراجع بعض الوظائف المرتبطة بالبيع داخل الفروع، مقابل نمو الطلب على وظائف إدارة المخازن، وتجهيز الطلبات، والخدمات اللوجستية، وتحليل البيانات، والتوصيل، إلا أن ذلك يطرح تساؤلات بشأن جودة هذه الوظائف ومدى استقرارها، في ظل اعتماد جانب كبير منها على نماذج العمل المرن واقتصاد المنصات.
وحسب تقرير "موردور إنتليجنس"، يُعد التوسع في المتاجر المظلمة (Dark Stores) وخدمات التجارة السريعة (Quick Commerce) أحد أبرز محركات نمو السوق، إذ يقدر التقرير مساهمة هذا النموذج بنحو 1.5 نقطة مئوية في معدل النمو المتوقع لسوق التجارة الإلكترونية، ويعتمد هذا النموذج على إنشاء مخازن مخصصة لتجهيز الطلبات الواردة عبر التطبيقات دون وجود واجهات بيع تقليدية، بما يسمح بتقليص تكاليف التشغيل وتسريع عمليات التسليم، وهو ما دفع شركات مثل "رابيت" و"تي مارت" التابعة لـ"طلبات" إلى التوسع في هذا النموذج، مع تقديم خدمات توصيل للبقالة خلال نحو 20 دقيقة في عدد من المناطق الحضرية.
تحوّل في فلسفة تجارة التجزئة
من جانبه، يوضح أحمد أسامة خبير التسويق الرقمي، أن المتاجر المظلمة تمثل تحولًا في فلسفة تجارة التجزئة، إذ لم تعد الشركات تتنافس على أفضل موقع تجاري أو أكبر مساحة عرض، وإنما على سرعة الوصول إلى المستهلك وخفض تكلفة التشغيل، بما يمنحها قدرة أكبر على المنافسة في سوق يشهد نموًا متواصلًا للتجارة الإلكترونية.
ويضيف لـ"مصراوي" أن الاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات التجارة السريعة تعكس رهانًا طويل الأجل على تغيير سلوك المستهلك، موضحًا أن بعض الشركات تستهدف الاستحواذ على حصة من سوق البقالة المصري من خلال التوسع في خدمات التوصيل، إلى جانب تنمية العلامات التجارية الخاصة بها، بما يسمح لها بالتحكم في سلسلة القيمة بالكامل، بدءًا من التوريد والإنتاج، مرورًا بالتخزين، وانتهاءً بالتوصيل للمستهلك النهائي.
ويلفت أسامة إلى أن هذا النموذج يقلص تدريجيًا دور الوسطاء التقليديين، مثل تجار الجملة وبعض الموزعين، ويعيد توزيع هوامش الربح داخل سلسلة الإمداد، في الوقت الذي يفرض تحديات تنافسية على محال البقالة التقليدية التي لا تزال تستحوذ على الحصة الأكبر من سوق التجزئة الغذائية في مصر.
ويذكر أن السوق المصرية تمتلك مقومات قوية لاستمرار توسع هذا النموذج، مدعومة بالنمو المتسارع للتجارة الإلكترونية، وارتفاع معدلات الشراء عبر الإنترنت، والتوسع في خدمات الدفع الإلكتروني، وتطور البنية اللوجستية، وهو ما يرجح انتقال المنافسة خلال السنوات المقبلة من امتلاك الفروع إلى امتلاك شبكات توزيع أكثر كفاءة وسرعة.
ووفق تقرير "موردور إنتليجنس"، لا تزال الإلكترونيات الاستهلاكية تستحوذ على أكبر حصة من مبيعات التجارة الإلكترونية بنسبة 21.88%، بينما تُعد الأغذية والمشروبات الأسرع نموًا، مع توقعات بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ 16.26% حتى عام 2031، وتواكب الشركات الكبرى هذا التحول بضخ استثمارات جديدة في البنية اللوجستية، فقد وسعت أمازون مركز تنفيذ الطلبات بمدينة العاشر من رمضان إلى 100 ألف متر مكعب بنهاية 2025، بينما حصلت "نون" على تمويل بقيمة 500 مليون دولار لدعم خطط التوسع والتطوير التكنولوجي.