إعلان

التمويل الاستهلاكي أكل البيوت.. كيف سحب مصريين لدوامة ديون لا تنتهي؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

09:30 ص 09/06/2026 تعديل في 09:41 ص

التمويل الاستهلاكي

تابعنا على

في حارة ضيقة متفرعة من شارع الترعة بالوراق، اقتربت الساعة من الواحدة والنصف صباحًا، عندما أطفأت أم محمد (38 عامًا) أنوار شقتها الصغيرة إلا من مصباح معلق بغرفة المعيشة، لا لتخلد إلى النوم، وإنما لتنتظر.. عودة زوجها أو اتصال يخبرها فيه بمكانه.
على الطاولة الخشبية القديمة تراكمت أوراق كثيرة، إيصالات، عقود، جداول أقساط، إنذارات سداد، "هي دي اللي بدأت الحكاية كلها" تقول أم محمد بينما تنظر إلى ثلاجة قائمة في زاوية صالة الشقة.

قبل 3 سنوات لم يكن العامل بإحدى شركات المقاولات محمد عبد العاطي (41 عامًا) يعتبر نفسه فقيرًا، فقد كان دخله المتواضع يكفي كفافًا إيجار الشقة ومصروف المدرسة وفاتورة الكهرباء ولقمة العيش، فلم تملك الأسرة مدخرات، ولكنها لم تكن يومًا مدينة لأحد.
وفي صيف شديد الحرارة تعطلت الثلاجة، وبعدما أصلحها الفنّي أكثر من مرة فاشلة، كان يردد الجملة نفسها: "خلاص عمرها انتهى". ثمن الثلاجة الجديدة يتجاوز 18 ألف جنيه.. قم مستحيل لأسرة تدبر بالكاد نفقاتها الشهرية.

لم يحتج الأمر مزيدًا من التفكير بين فيض الإعلانات التي تلاحق عبد العاطي من كل ناحية عن شركة تملك معارض متعددة تبيع الأجهزة الكهربية بالتقسيط دون مقدّم.
وبداخل أحد معارض الأجهزة الكهربائية في إمبابة وجد عبد العاطي نفسه أمام لافتة "استلم الآن وادفع على 36 شهر"، ولم يخرج عبد العاطي من المعرض إلا بثلاجة جديدة وقسط شهري 600 جنيه فقط.

استطاع عبد العاطي تخليص أقساط الثلاجة بتدبير زوجته بعد انتهاء نحو عام، ولكنه لم يعلم أن 600 جنيه ستصبح أول حلقة في سلسلة طويلة من الديون.

يشير المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، في بيان، إلى أن التوسع في خدمات التمويل الاستهلاكي أسهم في زيادة قدرة المواطنين على الحصول على السلع والخدمات المختلفة ودعم النشاط التجاري والاستهلاكي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العديد من السلع المعمرة والخدمات خلال السنوات الأخيرة.

تكشف خريطة التمويل الاستهلاكي خلال أول شهرين من 2026 عن استحواذ الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية على 23.9% من التمويلات الممنوحة من الشركات بنحو 4.62 مليار جنيه، وجاء تمويل شراء السيارات والمركبات بنسبة 22.3% بنحو 4.31 مليار جنيه، واستحوذت الأجهزة الكهربائية والمنزلية على 7.7% بنحو 1.49 مليار جنيه، والهواتف المحمولة على 6.9% بنحو 1.33 مليار جنيه، أما الملابس والأحذية والحقائب والساعات والنظارات والإكسسوارات، فقد سجلت 3% بنحو 600 مليون جنيه.




التمويل الاستهلاكي.. دوّامة تبدأ من 600 جنيه

القواعد المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي الصادرة عن هيئة الرقابة المالية، تُلزم الشركات بالتحقق من قدرة العملاء على السداد والاستعلام عن تاريخهم الائتماني قبل منح التمويل، إلا أن قصصًا عديدة لمتعثرين تكشف عن فجوة بين النصوص التنظيمية والواقع العملي.
أحب عبد العاطي أن يغيّر هاتفه القديم وأن يشتري بلايستيشن5 وأن يزوّد شقته الصغيرة بتكييف، وكان الحل نفسه حاضرًا.. شركة التمويل الاستهلاكي التي تزود عملاءها بالأجهزة المنزلية بالتقسيط بلا مقدّم.

بدت الأقساط لزوجة عبد العاطي كثيرة ولكنها تحت السيطرة، إلا أن الأسعار ترتفع وتكلفة المعيشة تتضاعف، بينما لا يبرح الراتب مكانه، وبعد شهور بدأت الأقساط تلتهم جزءًا متزايدًا من الدخل، ما اضطره إلى التخلف عن السداد.

قبل أيام اجتمع الزوج والزوجة حول ورقة صغيرة أشبه بالموازنة، الدخل، الأقساط، الإيجار، المدرسة، الطعام.. النتيجة واحدة؛ المصروفات أكبر من الإيرادات، ولكن عبد العاطي اصطدم بأول تحرك قضائي ضده، اقترض على إثره من أحد الجيران ثم من زميل عمل.

وحسب ضوابط هيئة الرقابة المالية، يتعين على الشركات ربط قيمة التمويل بقدرة العميل المالية وتطبيق معايير لإدارة المخاطر والملاءة، إلا أن بعض العملاء يجدون أنفسهم بعد أشهر قليلة من التعاقد أمام أقساط تتجاوز قدرتهم على الوفاء بها، لتبدأ رحلة البحث عن ديون جديدة لسداد ديون قديمة.

بين عامي 2021 و2025، نما عدد عملاء التمويل الاستهلاكي بنحو 796%، مرتفعًا من 1.35 مليون إلى 12.1 مليون عميل، بينما زادت قيمة التمويلات الممنوحة بنحو 466% لتصل إلى 96.3 مليار جنيه مقابل 17 مليار جنيه فقط قبل 5 سنوات، حسب بيانات هيئة الرقابة المالية.

التمويل الاستهلاكي.. دَين يسدّده قرض!

تذكر هيئة الرقابة المالية أن التمويل الاستهلاكي أداة تساعد الأفراد على تلبية احتياجاتهم دون تحمل التكلفة دفعة واحدة، مع تنظيم الإنفاق بما يتناسب مع دخولهم وقدراتهم المالية، بينما تشدد على ضرورة التعامل مع الشركات المرخصة فقط وقراءة العقود بعناية والتعرف على أسعار العائد وغرامات التأخير وشروط السداد قبل التوقيع.

بدأ عبد العاطي يسدد أقساطه بقروض جديدة من شركة تمويا أخرى بوسط البلد، حتى وجد نفسه يدور داخل دائرة مغلقة، ولكن الأقساط لا تنتهي، بينما أصبحت الأسرة المستورة قبلًا تقارن بين أسعار الخضروات قبل شراء أي شيء الآن، بل وتحسب تكلفة كل وجبة.
الباحث في أسواق المال أحمد سليمان، يقول لـ"مصراوي" إن عبارة "قسط براحتك" أصبحت جزءًا من المشهد اليومي لكثير من الأسر، بينما لم يعد التقسيط رفاهية، بل الطريق الوحيد للحصول على احتياجات أساسية.

في يوم استقبل عبد العاطي اتصالًا مختلفًا، أُبلغ بأن عليه ترك منزله قبل مداهمة بوليسية من مباحث تنفيذ الأحكام، إذ تم الحكم عليه بالحبس سنة غيابيًا في إحدى القضايا الكثيرة التي يواجهها.
جلس عبد العاطي صامتًا لدقائق كانت كافية لتجهيز حقيبة يحمل بها بعض ملابسه، ثم خرج، ولكنه لم يعد تلك الليلة ولا الليلة التالية، "أنا مش فاهمة في القانون.. كل اللي أعرفه إننا اشترينا تلاجة عشان نعيش وفتحت علينا كل دا" تقول زوجة عبد العاطي، وتضيف: "إحنا اشترينا دين".

فيديو قد يعجبك

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان