إعلان

من المعاش إلى سوق العمل.. كيف تستفيد مصر من خبرات 10.2 مليون مسن؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

04:32 م 06/10/2026 تعديل في 05:16 م

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

تابعنا على

تضم مصر نحو 10.2 مليون مسن في 2026، وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بما يجعل كبار السن كتلة سكانية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا للرعاية الاجتماعية فقط، وإنما موردًا بشريًا واقتصاديًا يضم سنوات طويلة من الخبرة المهنية والحرفية والمعرفة المتراكمة.

يطرح ارتفاع عدد هذه الفئة سؤالًا اقتصاديًا جديدًا: كيف يمكن تحويل جزء من هذه الخبرات إلى قيمة مضافة من خلال العمل المرن ونقل المهارات والاستشارات والمشروعات الصغيرة والحرف التراثية؟

من الرعاية إلى التمكين

تتبنى الدولة بالفعل إطارًا قانونيًا يتجاوز مفهوم الرعاية التقليدية لكبار السن؛ إذ نص قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024 على حقوق مرتبطة بالرعاية والحماية والتمكين، بينما تعمل وزارة التضامن الاجتماعي على تطوير منظومة تستهدف تعزيز استقلالية كبار السن ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع.

ولا يعني ذلك أن جميع كبار السن قادرون أو راغبون في الاستمرار بالعمل، لكن وجود أكثر من 10 ملايين شخص في هذه الفئة يفتح مساحة للسياسات التي تفرق بين من يحتاج إلى الرعاية الكاملة، ومن يمتلك القدرة على العمل، ومن يستطيع تقديم الاستشارات أو التدريب، ومن يملك حرفة يمكن أن تنتقل إلى جيل جديد.

وتظهر أهمية هذا التمييز في أن قيمة كبار السن اقتصاديًا لا ترتبط فقط بعدد ساعات العمل التي يمكنهم تقديمها، وإنما بما يمتلكه بعضهم من خبرة يصعب اكتسابها سريعًا، سواء في الإدارة أو الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو الحرف.

ليس قرض إنقاذ تقليديًا.. كيف يحل صندوق المليار جنيه أزمة المصانع المتعثرة؟

الخبرة.. أصل اقتصادي غير مستغل

قال الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية للاقتصاد السياسي والتشريع، إن أحد المسارات الأكثر مباشرة للاستفادة من كبار السن يتمثل في تحويل الخبرة المهنية المتراكمة إلى خدمات استشارية وتدريبية.

وأوضح حسانين لـ"مصراوي" أن المهندس المتقاعد يمكن أن ينقل خبرته إلى مهندسين أصغر سنًا، وصاحب المصنع السابق يمكن أن يساعد المشروعات الصغيرة في إدارة التشغيل والجودة، بينما يستطيع المحاسب أو المدير السابق تقديم الاستشارات المالية والإدارية، ويمكن للمعلم المتقاعد المشاركة في برامج تعليمية وتدريبية.

وذكر أن هذا النموذج لا يتطلب بالضرورة عودة كبار السن إلى وظائف كاملة؛ إذ يمكن تصميمه على أساس المهمة أو الساعات أو الاستشارة، وهو ما يتيح الاستفادة من الخبرة دون تحميل العامل الأكبر سنًا متطلبات العمل التقليدي.

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة العمل في أغسطس 2026، بالتعاون مع شركة "شغلني"، مبادرة فوق الـ40 لدعم أصحاب الخبرات وتعزيز التوظيف القائم على الكفاءة والمهارات، في مؤشر على إمكانية بناء سوق عمل يركز على الخبرة بدلًا من العمر وحده.

الركود يضرب سوق الأجهزة الكهربائية.. البضاعة موجودة والزبون غائب (صور)

لماذا لا تكون خريطة للخبرات؟

اقترح حسانين إنشاء قاعدة بيانات للخبرات المهنية لكبار السن، تربط بين التخصص والخبرة والموقع الجغرافي والرغبة في العمل وبين احتياجات الشركات والمشروعات الصغيرة ومؤسسات التدريب.

وشرح أن الفكرة لا تتطلب خلق وظائف حكومية جديدة، وإنما بناء سوق منظم للخبرات المتاحة بالفعل، فبدلًا من خروج صاحب الخبرة من سوق العمل بمجرد بلوغ سن المعاش، يمكن أن يتحول إلى مستشار أو مدرب أو موجه لمشروع ناشئ أو مشرف على عملية إنتاجية.
وتابع أن العائد على الاقتصاد مزدوج، إذ يحصل صاحب الخبرة على مصدر دخل إضافي، بينما تحصل الشركات والمشروعات الصغيرة على خبرة تراكمية قد تكون مكلفة إذا جرى الحصول عليها من السوق الاستشاري التقليدي.

مصر تخفض واردات القمح 3.5 مليون طن خلال 2026/2027 بدعم زيادة الإنتاج المحلي

كبار السن والحرف.. خبرة يمكن أن تضيع

قال أحمد خطاب الباحث الاقتصادي، إن القيمة الاقتصادية لكبار السن لا تقتصر على أصحاب المؤهلات العليا، فهناك شريحة أخرى تمتلك رأس مال مهاريًا مختلفًا يتمثل في الحرف اليدوية والتراثية، مشيرًا إلى أن الحرفي الذي أمضى عشرات السنوات في صناعة منتج معين يمتلك معرفة عملية يصعب نقلها من خلال الكتب أو المناهج، ولذلك يصبح نقل هذه المعرفة إلى الشباب وسيلة مزدوجة للحفاظ على الحرفة وخلق نشاط اقتصادي جديد.
تملك وزارة التضامن الاجتماعي بالفعل نموذجًا للدمج بين الأجيال من خلال مبادرة "أحلام الأجيال"، التي تستهدف إشراك كبار السن والأطفال في أنشطة مشتركة، وتوضح الوزارة أن

تضم مصر نحو 10.2 مليون مسن في 2026، وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بما يجعل كبار السن كتلة سكانية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا للرعاية الاجتماعية فقط، وإنما موردًا بشريًا واقتصاديًا يضم سنوات طويلة من الخبرة المهنية والحرفية والمعرفة المتراكمة.

يطرح ارتفاع عدد هذه الفئة سؤالًا اقتصاديًا جديدًا: كيف يمكن تحويل جزء من هذه الخبرات إلى قيمة مضافة من خلال العمل المرن ونقل المهارات والاستشارات والمشروعات الصغيرة والحرف التراثية؟

من الرعاية إلى التمكين

تتبنى الدولة بالفعل إطارًا قانونيًا يتجاوز مفهوم الرعاية التقليدية لكبار السن؛ إذ نص قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024 على حقوق مرتبطة بالرعاية والحماية والتمكين، بينما تعمل وزارة التضامن الاجتماعي على تطوير منظومة تستهدف تعزيز استقلالية كبار السن ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع.

ولا يعني ذلك أن جميع كبار السن قادرون أو راغبون في الاستمرار بالعمل، لكن وجود أكثر من 10 ملايين شخص في هذه الفئة يفتح مساحة للسياسات التي تفرق بين من يحتاج إلى الرعاية الكاملة، ومن يمتلك القدرة على العمل، ومن يستطيع تقديم الاستشارات أو التدريب، ومن يملك حرفة يمكن أن تنتقل إلى جيل جديد.

وتظهر أهمية هذا التمييز في أن قيمة كبار السن اقتصاديًا لا ترتبط فقط بعدد ساعات العمل التي يمكنهم تقديمها، وإنما بما يمتلكه بعضهم من خبرة يصعب اكتسابها سريعًا، سواء في الإدارة أو الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو الحرف.

الخبرة.. أصل اقتصادي غير مستغل

قال الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية للاقتصاد السياسي والتشريع، إن أحد المسارات الأكثر مباشرة للاستفادة من كبار السن يتمثل في تحويل الخبرة المهنية المتراكمة إلى خدمات استشارية وتدريبية.

وأوضح حسانين لـ"مصراوي" أن المهندس المتقاعد يمكن أن ينقل خبرته إلى مهندسين أصغر سنًا، وصاحب المصنع السابق يمكن أن يساعد المشروعات الصغيرة في إدارة التشغيل والجودة، بينما يستطيع المحاسب أو المدير السابق تقديم الاستشارات المالية والإدارية، ويمكن للمعلم المتقاعد المشاركة في برامج تعليمية وتدريبية.

وذكر أن هذا النموذج لا يتطلب بالضرورة عودة كبار السن إلى وظائف كاملة؛ إذ يمكن تصميمه على أساس المهمة أو الساعات أو الاستشارة، وهو ما يتيح الاستفادة من الخبرة دون تحميل العامل الأكبر سنًا متطلبات العمل التقليدي.

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة العمل في أغسطس 2026، بالتعاون مع شركة "شغلني"، مبادرة فوق الـ40 لدعم أصحاب الخبرات وتعزيز التوظيف القائم على الكفاءة والمهارات، في مؤشر على إمكانية بناء سوق عمل يركز على الخبرة بدلًا من العمر وحده.

لماذا لا تكون خريطة للخبرات؟

اقترح حسانين إنشاء قاعدة بيانات للخبرات المهنية لكبار السن، تربط بين التخصص والخبرة والموقع الجغرافي والرغبة في العمل وبين احتياجات الشركات والمشروعات الصغيرة ومؤسسات التدريب.

وشرح أن الفكرة لا تتطلب خلق وظائف حكومية جديدة، وإنما بناء سوق منظم للخبرات المتاحة بالفعل، فبدلًا من خروج صاحب الخبرة من سوق العمل بمجرد بلوغ سن المعاش، يمكن أن يتحول إلى مستشار أو مدرب أو موجه لمشروع ناشئ أو مشرف على عملية إنتاجية.
وتابع أن العائد على الاقتصاد مزدوج، إذ يحصل صاحب الخبرة على مصدر دخل إضافي، بينما تحصل الشركات والمشروعات الصغيرة على خبرة تراكمية قد تكون مكلفة إذا جرى الحصول عليها من السوق الاستشاري التقليدي.

كبار السن والحرف.. خبرة يمكن أن تضيع

قال أحمد خطاب الباحث الاقتصادي، إن القيمة الاقتصادية لكبار السن لا تقتصر على أصحاب المؤهلات العليا، فهناك شريحة أخرى تمتلك رأس مال مهاريًا مختلفًا يتمثل في الحرف اليدوية والتراثية، مشيرًا إلى أن الحرفي الذي أمضى عشرات السنوات في صناعة منتج معين يمتلك معرفة عملية يصعب نقلها من خلال الكتب أو المناهج، ولذلك يصبح نقل هذه المعرفة إلى الشباب وسيلة مزدوجة للحفاظ على الحرفة وخلق نشاط اقتصادي جديد.

تملك وزارة التضامن الاجتماعي بالفعل نموذجًا للدمج بين الأجيال من خلال مبادرة "أحلام الأجيال"، التي تستهدف إشراك كبار السن والأطفال في أنشطة مشتركة، وتوضح الوزارة أن المبادرة تتيح للكبار نقل خبراتهم ومهاراتهم إلى الأجيال الأصغر.

وأضاف خطاب لـ"مصراوي" أن تطوير هذا المفهوم اقتصاديًا يكون عبر ربط كبار السن من أصحاب الحرف بمراكز التدريب والمشروعات الصغيرة والمعارض، حيث لا تتوقف عملية نقل الخبرة عند النشاط الاجتماعي، وإنما تتحول إلى سلسلة إنتاج تبدأ بالتدريب وتنتهي بمنتج قابل للبيع في السوق المحلي أو التصدير.

وأضاف أن المطلوب ليس بالضرورة إعادة كبار السن إلى الوظائف التقليدية ذات ساعات العمل الطويلة، وإنما تطوير أنماط أكثر مرونة مثل العمل الجزئي والاستشارات والتدريب والمراجعة الفنية والإشراف والعمل عن بعد في بعض المهن.

وبيّن أن أصحاب الخبرات قد يصبحون شريحة مناسبة لبعض أنشطة المشروعات الصغيرة، خصوصًا إذا جرى تصميم التمويل والتدريب وفق طبيعة كل فئة، فالمتقاعد الذي يمتلك خبرة طويلة في صناعة أو تجارة معينة قد يكون أكثر قدرة على تقييم مخاطر النشاط من شخص يبدأ من الصفر، بينما يمكن للشباب أن يتولوا الجوانب التي تحتاج إلى جهد بدني أو مهارات رقمية حديثة.

الاقتصاد الفضي.. من مستهلكين إلى منتجين

من جهته، قال حسانين، إن هذا الطرح يرتبط بمفهوم عالمي وهو "الاقتصاد الفضي"، وهو لا يعني فقط إنتاج سلع وخدمات لكبار السن، وإنما ينظر إلى ذلك باعتباره سوقًا اقتصاديًا جديدًا يشمل الرعاية الصحية، والخدمات، والسكن، والتكنولوجيا، والسفر، والعمل، بجانب الاستفادة من كبار السن أنفسهم باعتبارهم منتجين ومستهلكين.

وأشار إلى أن جزءًا من 10.2 مليون مسن يحتاج خدمات صحية واجتماعية، وجزء آخر يمكنه العمل، وجزء يمتلك خبرات قابلة للبيع، وآخر يمتلك حرفة أو مشروعًا، بينما يمكن لفئة أخرى المشاركة في تدريب الأجيال الأصغر.

أخيرًا، لا تحتاج مصر التعامل مع كبار السن باعتبارهم قوة عمل بديلة للشباب، وإنما باعتبارهم مخزونًا من الخبرة يمكن أن يكمل قوة العمل الشابة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان