قال خبراء اقتصاديون ومصرفيون إن قرار البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة بواقع 1% يستهدف احتواء الضغوط التضخمية المحتملة والحفاظ على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين الحكومية، في ظل ارتفاع سعر الدولار وتصاعد التوترات الجيوسياسية، لكنهما حذرا من انعكاساته على تكلفة الاقتراض وأعباء خدمة الدين والتوسع في الاستثمارات الإنتاجية.
وأضافوا لـ"مصراوي" أن القرار يعكس توجهًا احترازيًا للتعامل مع المخاطر المحيطة بالتضخم وسوق الصرف، وسط تباين في تقديراتهم بشأن تأثيره على الأسعار، إذ قد يسهم في الحد من الطلب واحتواء الضغوط التضخمية، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى زيادة أعباء الاقتراض على المواطنين والشركات، بما قد يضغط على الاستهلاك والاستثمار خلال الفترة المقبلة.
وقررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري رفع أسعار العائد الأساسية بواقع 1%، لتصل أسعار عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة إلى 20% و21% على الترتيب، كما رفعت سعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم إلى 20.5%.
وأوضح البنك المركزي، في بيان، أن القرار يأتي في ظل بيئة خارجية غير مواتية وتصاعد حالة عدم اليقين، ويستهدف ترسيخ توقعات التضخم والحفاظ على مساره النزولي، مع استهداف وصول متوسط التضخم إلى 7%، بزيادة أو انخفاض نقطتين مئويتين، خلال الربع الرابع من عام 2027.
اقرأ أيضًا: لماذا خالف البنك المركزي التوقعات ورفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ مارس 2024؟
هل ينجح رفع الفائدة في احتواء التضخم؟
قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن قرار رفع الفائدة يعكس مخاوف البنك المركزي من ارتفاع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة، في ظل صعود سعر الدولار واحتمالات زيادة الضغوط على الأسعار.
وأوضح أنيس أن القرار يستهدف امتصاص جانب من السيولة المتاحة في السوق والحد من الطلب، بما يساعد على تخفيف الأثر التضخمي المحتمل لارتفاع تكاليف المعروض، مشيرًا إلى أن بعض الضغوط السعرية لا ترتبط بزيادة الطلب فقط، وإنما بارتفاع تكلفة السلع أيضًا.
وتأتي هذه المخاوف في وقت أظهرت فيه بيانات البنك المركزي تراجع معدل التضخم السنوي العام إلى 13.9% والأساسي إلى 14.1% خلال سبتمبر 2026، رغم ارتفاع المعدلات الشهرية إلى 1.3% و0.8% على الترتيب.
وفي المقابل، يرى الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، أن رفع الفائدة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية من جانب آخر، نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض وانعكاسها على أسعار السلع الاستهلاكية والنهائية.
وأضاف البهواشي أن المواطنين الذين يشترون السلع بالتقسيط قد يتحملون تكلفة أعلى للتمويل، وهو ما قد ينعكس على حركة الاستهلاك والأسعار، معتبرًا أن القرار جاء مفاجئًا في ظل توقعات كانت تميل إلى تثبيت الفائدة.
من جانبه، قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن رفع الفائدة يمثل تحركًا احترازيًا للتعامل مع المخاطر التضخمية المحتملة، خاصة في ظل تقلبات أسعار الطاقة عالميًا وارتفاع تكلفة الاستيراد، إلى جانب محاولة ضبط وتيرة الطلب المحلي.
وأوضح أن القرار يبعث برسالة إلى الأسواق بأن البنك المركزي مستعد لاستخدام أدوات السياسة النقدية للتعامل مع الضغوط التي قد تؤثر على سعر الصرف، بما يدعم الاستقرار النقدي ويحد من التقلبات غير المرغوبة.
اقرأ أيضًا: هل يتدخل البنك المركزي المصري لتهدئة ارتفاع الدولار؟ خبراء يوضحون
هل يحافظ رفع الفائدة على الأموال الساخنة؟
يرى أنيس أن رفع أسعار الفائدة قد يساعد على الحد من خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، من خلال زيادة جاذبية العائد الحقيقي الذي يحصل عليه المستثمرون، بما يدعم استمرار تدفقات النقد الأجنبي.
وأوضح أن القرار يرتبط أيضًا بتطورات السياسة النقدية الأمريكية، مشيرًا إلى أن رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة في سبتمبر الماضي، مع توقعات بتحرك جديد خلال ديسمبر، قد يزيد الضغوط على تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر إلى الأسواق الناشئة.
وفي السياق نفسه، قال البهواشي إن أحد التفسيرات المحتملة لقرار المركزي يتمثل في الحفاظ على استثمارات الأموال الساخنة داخل السوق المصرية، عبر تعزيز جاذبية العائد على الجنيه والحد من انتقال هذه الأموال إلى أسواق أخرى.
وأضاف أن رفع الفائدة قد يمنح أدوات الدين المصرية ميزة تنافسية تساعد على الاحتفاظ بجزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، لكنه أشار إلى أن هذه الخطوة لا تمثل حافزًا قويًا للاستثمار الإنتاجي بسبب ارتفاع تكلفة التمويل.
واتفق عبد العال مع أهمية الحفاظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية، موضحًا أن زيادة العائد قد تساعد على الحد من احتمالات خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، في ظل المنافسة مع الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن تأثير القرار على تدفقات الاستثمار سيظل مرتبطًا بتطورات سعر الصرف والعوائد في الأسواق الأخرى، فضلًا عن تقييم المستثمرين للمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
كيف يؤثر القرار على الموازنة العامة؟
قال أنيس إن رفع الفائدة يزيد أعباء خدمة الدين الحكومي، مشيرًا إلى أن الزيادة قد تصل نظريًا إلى نحو 120 مليار جنيه وفق تقديره، لكنه أوضح أن جانبًا من هذه التكلفة كان قائمًا بالفعل خلال الأشهر الماضية، في ظل طرح أدوات دين بعوائد مرتفعة.
وأضاف أن عوائد بعض أدوات الدين الحكومية كانت تتجاوز المستويات التي قد يتوقعها المستثمر في حال ثبات أسعار الفائدة، ما يعني أن جزءًا من أعباء الاقتراض كان ينعكس بالفعل على تكلفة التمويل الحكومي قبل القرار الأخير.
ويمثل ارتفاع تكلفة خدمة الدين أحد التحديات التي تواجه المالية العامة، إذ قد يؤدي إلى زيادة المبالغ المخصصة لسداد فوائد الدين، بما يحد من المساحة المتاحة للإنفاق على أوجه أخرى، وفقًا لحجم الأثر الفعلي على تكلفة الاقتراض الحكومي.
ما تأثير رفع الفائدة على الاستثمار والاقتصاد المصري؟
أكد أنيس أن الأثر المباشر لرفع الفائدة يتمثل في زيادة تكلفة التمويل، وهو ما قد يؤثر سلبًا على التوسع في الاستثمارات والمشروعات الإنتاجية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل عملياتها أو التوسع في طاقتها الإنتاجية.
وفي السياق ذاته، قال عبد العال إن ارتفاع تكلفة الاقتراض يمثل تحديًا أمام الشركات والمصانع، وقد يؤدي إلى تأجيل بعض المشروعات الجديدة لحين اتضاح اتجاهات التضخم وسعر الصرف، رغم ما قد يحققه القرار من دعم للاستقرار النقدي.
وأضاف أن رفع الفائدة قد ينعكس إيجابيًا على مدخرات القطاع العائلي، حال اتجاه البنوك إلى زيادة العائد على بعض شهادات الادخار والودائع، بما يساعد المدخرين على مواجهة آثار التضخم، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الاقتراض الاستهلاكي.
من جانبه، شدد البهواشي على أن رفع الفائدة لا يشجع الاستثمار الإنتاجي، بسبب زيادة تكلفة التمويل على الشركات والمشروعات، وهو ما يجعل أثر القرار على النمو الاقتصادي مرتبطًا بقدرته على احتواء الضغوط النقدية والتضخمية من ناحية، والتكلفة التي يتحملها النشاط الاقتصادي من ناحية أخرى.
وتأتي هذه التداعيات في وقت تشير فيه التقديرات الأولية للبنك المركزي إلى استقرار نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الثالث من عام 2026 عند مستويات قريبة من 4.7% المسجلة في الربع الثاني، مع توقعات باقتراب الاقتصاد من طاقته القصوى خلال النصف الثاني من عام 2027.