سهرة الموت ومكالمة الفجر ولوكيشن أخير.. خبايا وأسرار جريمة حي النرجس بالتجمع
كتب : محمد شعبان
ضحايا جريمة حي النجس بالتجمع الخامس
على بُعد نحو 150 مترا من باب الفيلا الهادئة في حي النرجس بالتجمع الخامس، احتفظت سيارة مغطاة بعناية بداخلها بأسرع وأفظع كابوس يمكن أن يمر على البشر. لم تكن مجرد مركبة متوقفة، بل كانت صندوقاً أسود يحمل صمتاً مريبًا يلفه الدم، وتخفي طيات غطائها أسرار جريمة أطاحت بعائلة كاملة.
وبمجرد أن امتدت الأيدي لرفع ذلك الغطاء، انكشفت الحقيقة المفجعة لتتحول السيارة إلى مسرح دموي يروي قصة غدر بلا حدود، حيث أُزهقت أرواح الأب والأم وابنتيهما البريئتين في ليلة واحدة، على يد من كان يشاركهم الخبز والملح، في واحدة من أبشع الجرائم التي صدمت الشارع المصري.
هدوء ما قبل العاصفة في حي النرجس
في حي النرجس الراقي بالتجمع الخامس، حيث تسود السكينة ويطمئن الجار لجاره، تحولت أضواء المنازل الهادئة إلى مسرح لمأساة دامية هزت وجدان المجتمع المصري.
لم تكن الجريمة وليدة لحظة غضب عابرة، بل كانت فصولاً محكمة من الطمع العمياء والنفوس التي أفسدها الجشع، ليجد رجل مسالم وعائلته البريئة أنفسهم في مواجهة حتمية مع الموت، لا لسبب سوى أنهم فتحوا أبواب بيوتهم وقلوبهم لمن حسبوه سنداً وصديقاً، فإذا به يتحول إلى ذئب بشري لا يعرف رحمة ولا ديناً.
ليلة الدم في التجمع الخامس
في تلك الليلة، كان المنزل يعج بدفء الضيافة. لم يكن الضيف غريبا، بل كان "وليد" صديق أسامة المقرب الذي يتردد على البيت ويجلس معهم على مائدة واحدة. مرّ السهر ودياً، أو هكذا بدا للعين، بينما كان عقل وليد يغلي بصراعات أخرى.
وليد لم يكن يرى طمأنينة أسامة، بل كان يرى فيها كنزا ضائعا. كومة من الديون تراكمت على عاتقه حتى أطبقت على أنفاسه، وصرخات ضميره الميت كانت تتردد بصوت واحد: "أنا مش لاقي آكل.. ومش عارف أدفع مصاريف مدرسة بناتي الاتنين".
وسط هذا التخبط، وخلال سهرتهما معا، التفت وليد إلى صديقه بابتسامة صفراء وطلب منه مرافقتها في مشوار سريع بالسيارة. لم يتردد أسامة "صاحبة مطبعة" فالصديق في مفهومه أمان.
تحرك الاثنان بسيارة أسامة نحو طريق العين السخنة المظلم، بعيداً عن أضواء المدينة، حيث لا عين ترقب ولا أذن تسمع سوى صوت الرياح.

رصاصة الغدر على طريق العين السخنة
بعيدا عن التجمع الخامس، تحديدا على طريق العين السخنة وجد الصديق الخائن فرصته. لم تكن هناك كلمات وداع، ولا نقاشات حادة، بل كانت لغة الغدر هي السائدة. استل وليد سلاحه الناري وأطلق رصاصة غادرة استقرت في جسد أسامة، لتنهي حياته في ثوانٍ معدودة.
ولم يتوقف الكابوس عند هذا الحد؛ بل تخلص من جثمان صديقه بإلقائه خلف حاجز خرساني على جانب الطريق، ليترك الجسد الذي طالما شاركه الملح والخبز وحيداً في العراء.
لكن جريمة وليد لم تكتمل في رأسه الشيطاني عند هذا الحد. كان يعلم أن في منزل أسامة أموالاً وسبائك ذهبية، وأن زوجته وبنتيه هنّ العقبة الوحيدة المتبقية.
صاحب الـ61 عاما عاد أدراجه تحت جنح الظلام، وفي تمام الثالثة فجرًا، رنّ الهاتف في غرفة أمل.
مكالمة 3 الفجر و"لوكيشن" كشف المستور
رفعت الزوجة الهاتف ليخبرها صوت مألوف وبنبرة مرتجفة مصطنعة: "الحقي يا أمل.. أسامة جوزك عمل حادثة سير كبيرة على الطريق ونقلوه المستشفى بالعاصمة الجديدة"
انقبض قلب أمل، واهتزت الدنيا من حولها. في تلك اللحظة الحرجة، تملكتها غريزة الأم والخائفة؛ فقامت بإيقاظ ابنتيها هيلين وليليان اللتين هبتا فزعا على صوت والدتهما. ر
كبن جميعا سيارة أمل الخاصة، وانطلقن على الفور للاطمئنان على رب الأسرة، بينما تركت الأم رسالة سريعة بصيص أمل أخير ومظلم: أرسلت موقعها الـ"لوكيشن" لصديقتها المقربين، وكأن حدسا خفيا أخبرها أن شيئاً سيئاً يلوح في الأفق لتترك وراءها خيطا لا ينقطع.
غدر المنقذ الشهم
قاد وليد سيارة أمل ونجلتيها، ممثلاً دور "المنقذ الشهم" الذي جاء ليقودهما إلى حيث يرقد الزوج المصاب. سارت السيارة في ذات الاتجاه المظلم لطريق العين السخنة، وهناك، على بُعد أمتار قليلة من المأساة الأولى، توقفت السيارة.
لم تكد الأنفاس تهدأ حتى كشف القناع عن وجهه الحقيقي. لم تكن هناك مستشفى ولا حادث سير؛ بل كان هناك رصاص يغتال براءة الحياة في العيون. أطلق وليد أعيرة نارفتها النارية بلا رحمة تجاه أمل، وهيلين، وليليان. سقطت الأم وبنتاها في دمائهن، لتنطفئ أحلام الفتاتين اللتين كانتا في عمر الزهور قبل أن تبدءا حياتهما الحقيقية.
عاد القاتل بسيارة أمل إلى حي النرجس بالتجمع الخامس، وأوقفها بالقرب من منزل الضحايا، وغطاها بإحكام ليوهم المارة بأن شيئاً لم يكن. وحين حاول التسلل إلى الفيلا لسرقة الغنائم التي خطط لها طويلاً، فوجئ بحارس العقار، فارتد هلعاً وقرر العودة ليلاً لإتمام جريمته الكبرى.

خيوط الحقيقة وسقوط القناع
في ذات الوقت، كان قلق صديق العائلة الذي تلقى رسالة الـ"لوكيشن" يتصاعد بجنون، ليقوم بإبلاغ الشرطة فوراً بعد تأكده من تغيب الأب وعدم رد الأم أو البنتين على هاتفهن.
تحركت فرق البحث الجنائي بمديرية أمن القاهرة كالسهم إلى حي النرجس. وبفحص المكان، عُثر على سيارة الزوج وبها آثار دماء وأعيرة نارية، بينما كانت الصدمة الكبرى تنتظرهم داخل سيارة الزوجة المتوقفة بالقرب من المنزل؛ جثامين الأم أمل وابنتيها هيلين وليليان مغطاة في مشهد يدمي قلوب الحجريين. وبإجراء التحريات المكثفة -لفريق رفيع المستوىضم نحو 50 ضابطا من خيرة الضباط- عُثر على جثمان أسامة ملقى خلف حاجز خرساني بطريق العين السخنة.
لم تدم محاولات وليد لتضليل العدالة طويلاً. فقد ألقي القبض عليه، وبمواجهته، حاول في البداية اختلاق الأكاذيب والادعاء بوجود خلافات مالية ومبالغ ضخمة يدعي أن أسامة كان مدينًا بها له، محاولاً غسل يديه من الدم.
الحقيقة الكاملة لجريمة حي النرجس
لكن الحقيقة الساطعة سحقت أكاذيبه؛ فقد أثبتت التحقيقات أن أسامة لم يكن مدينًا له بشيء، وأن الجاني لم يكن سوى رجل أثقله الطمع وأعمته الديون، فباع أخوة السنين بثمن بخس. وأمام المحققين، سقط القناع تماماً وسقطت معه كل الادعاءات، ولم يجد القاتل ما يبرر به دماء العائلة البريئة سوى كلمات معدودة تعكس دناءة فعلته: "مش لاقي آكل".
أرسلت الشرطة الجثامين إلى مشرحة زينهم لتشريحها ومن ثم نقل الأربعة في توابيت إلى مطرانية الجيزة، وأحيل المتهم إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات العاجلة في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها الشارع المصري.
اقرأ أيضا:
بعد شائعات التصالح.. مشتري سيارة أحمد فتوح يكشف الحقيقة: القضية أمام الجنايات
لحذف فيديو الفضيحة.. زوجة وعائلتها يسرقون هاتف موظف بعد علقة موت في دسوق
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News