• في رحاب سورة مريم عليها السلام (1)

    في رحاب سورة مريم عليها السلام (1)

    في رحاب سورة مريم عليها السلام (1)

    04:19 م السبت 23 يونيو 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    بقلم: أ.د. محمد مختار جمعة

    وزير الأوقاف وعضو مجمع البحوث بالأزهر الشريف

    السيدة مريم عليها السلام هي المرأة الوحيدة التي ذكرت باسمها صريحًا في القرآن الكريم، فقد ورد اسمها صريحًا في أكثر من ثلاثين مرة، وزيادة في إكرامها وبيان فضلها، اختصها القرآن الكريم بسورة خاصة باسمها هي سورة مريم (عليها السلام) وقد افتتحت السورة بالحديث عن سيدنا زكريا عليه السلام.

    وعندما ننظر في العلاقة بين قصة سيدنا زكريا وقصة السيدة مريم (عليهما السلام) نجد أن الصلة وثيقة، فقد كانت السيدة مريم (عليها السلام) في كفالة ورعاية سيدنا زكريا (عليه السلام)، حيث يقول الحق سبحانه: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، يقول المفسرون وأهل العلم: كان زكريا (عليه السلام) يدخل عليها فيجد عندها الرزق في غير أوانه، فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وهو ما كان يدعوه (عليه السلام) إلى السؤال {أَنَّى لَكِ هَـذَا}، فتجيبه (عليها السلام) في صراحة ووضوح تامَّين {هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وهو ما دعا سيدنا زكريا (عليه السلام) أن يلجأ إلى الله (عز وجل) بالدعاء الخفي أن يرزقه الولد، واستجاب له ربه {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًا}.

    ولم يقف الأمر عند حدود البشرى، بل تجاوزها إلى الاسم الذي لم يُسم به أحد من قبل، أو لم يكن له شبيه من أهل زمانه في الحكمة والفضل، فقد آتاه الله الحكم صبيًّا وجعله برًّا بوالديه، ولم يجعله جبارًا عصيًّا، وعندما استفهم سيدنا زكريا (عليه السلام) {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} كان الجواب الإلهي {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}.

    وليس ذلك ببعيد عن حال مريم (عليها السلام) التي بشرها الروح القدس جبريل (عليه السلام) بالولد، "قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا" فقالت في دهشة واستغراب لا يَقَّلاِنِ بل يزيدان عن دهشة وتعجب زكريا (عليه السلام) : "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا"، وهنا كان الجواب عين الجواب الذي أجيب به زكريا (عليه السلام): {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} غير أن العبرة هنا أشد لمن يعتبر {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} فإذا كان رزق الله للإنسان الولد على تقدم سنه ووهن عظمه وكون امرأته عقيمًا أمرًا عجيبًا في دنيا الناس ومقاييسهم البشرية ، فإنه ليس أعجب من خلق الولد بلا أب أصلاً، على أن الجمع بين القصتين هنا يحمل لنا معاني وقف عندها بعض أهل العلم فقالوا: إن الله (عز وجل) يبين لنا جانبًا من دلائل وعظمة قدرته، فقد خلق آدم (عليه السلام) بلا أب ولا أم، وخلق حواء بلا أم، وخلق عيسى (عليه السلام) بلا أب، وخلق سائر البشر من أب وأم ، ورزق بعضهم الولد بعد اليأس منه، وكأنه سبحانه يعلمنا ويذكرنا بقدرته على الخلق بأسباب وبلا أسباب {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.

    وكما تحدث القرآن الكريم عن سيدنا يحيى بن زكريا (عليهما السلام) فوصفه بكونه برًّا بوالديه ، وليس بجبار ولا عصي، فقال سبحانه: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}، نجد المعاني نفسها تسبغ على نبي الله عيسى بن مريم (عليهما السلام) حيث يقول الحق سبحانه وتعالى على لسانه (عليه السلام): {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} فالمنبع واحد، والمشرب واحد، وصدق نبينا (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول : "الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد".

    وللحديث بقية...

    * نقلاً عن موقع وزير الأوقاف

    إعلان

    إعلان

    إعلان