المفتي: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض دون طبيب محرم شرعًا
كتب : محمد قادوس
الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية
قال الدكتور محمد نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطع بتشخيص الأمراض دون كشف حقيقي وتحديد الأدوية دون تدخُّل أو إشرافٍ من طبيبٍ مختصٍّ -مُحرَّم شرعًا؛ لما في ذلك من تعريض النفس للضرر والهلاك، ومخالفةٍ لمبدأ الاختصاص الذي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظه.
وأضاف مفتي الجمهورية، خلال رده عبر بوابة دار الافتاء المصرية: أن الواقع المعاصر يشهد طفرةً تقنيةً غير مسبوقة اجتاحت مختلف مجالات الحياة، يتصدرها الذكاء الاصطناعي بما أحدثه من تحولٍ واسعٍ في طرائق التفكير والعمل والتعامل مع المعرفة، ويهدف هذا التطور إلى تمكين أجهزة الحاسب الآلي من أداء المهام التي يقوم بها العقل البشري، من خلال فهم طبيعة الذكاء الإنساني وإنشاء برامج قادرة على محاكاة سلوكه المتسم بالفطنة والذكاء.
هدفان رئيسيان للذكاء الاصطناعي
وأشار الدكتور محمد نظير عياد، إلى أنه يُعدُّ الذكاء الاصطناعي تقنية حديثة تُستخدم لتحقيق هدفين رئيسيين:
أحدهما: تكنولوجي، يتمثل في توظيف الحاسب لإنجاز مهام مفيدة، ولو بطرائق مغايرة لما يعتمده العقل البشري.
والآخر: علمي، يهدف إلى الاستعانة بمفاهيم الذكاء الاصطناعي ونماذجه للإجابة عن تساؤلات تتعلق بالإنسان وسائر الكائنات الحية. ينظر: "الذكاء الاصطناعي واقعه ومستقبله" لآلان بونيه، ترجمة: د. علي صبري فرغلي (ص: 11، ط. عالم المعرفة)، و"الذكاء الاصطناعي: مقدمة قصيرة جدًّا" لمارجريت إيه بودين، ترجمة: إبراهيم سند أحمد (ص: 11- 12، ط. مؤسسة هنداوي).
بيان وجوب الرجوع إلى أهل التخصص والعلم والخبرة في كل فنٍّ وعلمٍ
وجوب الرجوع إلى أهل الاختصاص
أكد المفتي من المقرر في الشرع الشريف وجوبُ التزام الدقة والاختصاص في أداء الأعمال والممارسات التي تتعلق بمصالح الناس وأبدانهم، ولا سيما في المجالات الطبية، لما في ذلك من حفظٍ للنفوس وصيانةٍ لها من الضرر والهلاك، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
والمراد بأهل الذكر: أهلُ التخصص والعلم والخبرة في كل فنٍّ وعلمٍ، و"تعيينهم في الآية بالنصِّ يقتضي بالمفهوم تحريم سؤال غيرهم"، كما أفاده الإمام القرافي في "شرح تنقيح الفصول" (ص: 443، ط. شركة الطباعة الفنية).
حكم اعتماد المريض على الذكاء الاصطناعي في المسائل الطبية
قال الدكتور محمد نظير عياد، أن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- حذَّر من التطبب بغير علمٍ أو اختصاص، وأخبر أن فاعل ذلك متحمِّلٌ لتبعات فعله وآثار تصرفه، ولا يشفع له حُسنُ القصد، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وصححه.
ومعنى التَّطبُّب: الإقدام على ممارسة الطب مع الجهل بهذه الممارسة، ولَفْظَة: «تَطَبَّبَ» تدل على تكلُّف الشيء والدخول فيه بعُسْرٍ وكُلْفَة، وأنَّه ليس من أهله، كما في "فيض القدير" للإمام المُنَاوِي (6/ 106، ط. المكتبة التجارية).
قال الإمام الخَطَّابي في "معالم السنن" (4/ 39، ط. المطبعة العلمية): [والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍّ، فإذا تولد من فعله التلفُ ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض] اهـ.
وانطلاقًا من هذا التوجيه الشرعي، وما تضمَّنه من وجوب التزام الاختصاص، وتحذيرٍ من الإقدام على ما يجاوز حدود العلم والخبرة، فإنَّ الأصل في استعمال التقنيات الحديثة ومنها تطبيقات الذكاء الاصطناعي أنها جائزةٌ ما لم يترتب عليها ضررٌ محققٌ أو مخالفةٌ شرعية، وذلك عملًا بالقاعدة الفقهية المقررة أن "الأصل في الأشياء الإباحة"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام الحافظ السُّيُوطي (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية).
وأوضح المفتي، أن المختصون في المجال الطبي قد أفاد أن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في التشخيص أو وصف العلاج يجب أن يظل محدودًا؛ لأنها لا تتجاوز تقديم توصيات عامة، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن التشخيص الطبي المتخصص؛ إذ إن التشخيص الدقيق يتطلب فحصًا سريريًّا مباشرًا، وتحاليل مخبرية، واستجوابًا تفصيليًّا للمريض، وهي أمور لا يمكن لأي برنامج أو خوارزمية تعويضها.
كما أن هذه التطبيقات بوصفها الحالي لا تمتلك القدرة على استيعاب التاريخ المرضي الكامل للمريض -مثل إصابته بمرض السكري أو غيره من الأمراض المزمنة- مما قد يؤدي إلى تجاهل تفاعلات دوائية خطيرة، قد تفضي في بعض الحالات إلى مضاعفات جسيمة أو الوفاة.
فضلًا عن أن كثيرًا من أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تفشل في رصد الأمراض النادرة أو غير المسجلة في قواعد بياناتها، ولا سيما تلك المنتشرة في مناطق جغرافية محددة (كالشرق الأوسط) لكنها غير موجودة في الدول المصنعة للتقنية.
اقرأ ايضًا:
ما حكم تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل؟.. أمين الفتوى يجيب
لو منعت أولادي عن بيت العيلة حفاظًا عليهم حرام؟.. أمين الفتوى يرد
مفتي الجمهورية يوضح الحكم الشرعي لسجود التلاوة والشكر للحائض