ملتقى بالأزهر: الحج رحلة لتجديد الإيمان وتطهير النفس ورد الحقوق والتزود بالتقوى
كتب : علي شبل
ملتقى الأزهر
عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الثلاثاء اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: "استثمار روحانيات الحج في بناء الفرد والمجتمع"، وذلك بحضور كل من؛ فضيلة أ.د خالد نصر، عميد كلية أصول الدين بالمنوفية، والدكتور هاني عودة، مدير الجامع الأزهر، وأدار الملتقى، الأستاذ كمال نصر الدين، الإعلامي بإذاعة القرآن الكريم.
الحج رحلة إيمانية عظيمة
قال الدكتور خالد نصر إن فريضة الحج ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، أو أداء مجموعة من المناسك والشعائر في زمان ومكان محددين، وإنما هي رحلة إيمانية عظيمة يقصد بها العبد الوصول إلى أعلى مراتب القرب من الله سبحانه وتعالى، والتجرد من شواغل الدنيا وأهواء النفس، والتعلق بالخالق جل وعلا وحده.
وتابع: أشار بعض العلماء إلى دلالات لفظ الحج من حيث المعنى التربوي والروحي، فالحاء تعني الحياة، والجيم تعني الجديد، إذا فالحج مدرسة متكاملة لإحياء القلب وتجديد الإيمان، ولذلك جاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: :مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، وهو حديث يبين أن الحج المبرور يطهر الإنسان من الذنوب والخطايا المتعلقة بحقوق الله تعالى، ويمنحه فرصة جديدة لفتح صفحة مشرقة مع ربه، قائمة على الطاعة والاستقامة والبعد عن المعاصي والآثام.
الحج درس عملي في التواضع والانكسار لله
وأضاف نصر أن اجتماع المسلمين من شتى بقاع الأرض واختلاف ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم في مكان واحد وزمان واحد، وهم يرتدون لباسا واحدا ويرددون نداء واحدا :لبيك اللهم لبيك"، يمثل درسا عمليا في التواضع والانكسار لله سبحانه وتعالى، ويغرس في النفوس معاني العبودية الصادقة، ويذكر الإنسان بحقيقة ضعفه وحاجته الدائمة إلى خالقه، ويعلمه أن التفاضل بين الناس لا يكون بالمال أو الجاه أو النسب، وإنما يكون بالتقوى والعمل الصالح.
أهم الدروس التي ينبغي أن يستوعبها الحاج
وأضاف فضيلة الدكتور خالد نصر أن من أهم الدروس التي ينبغي أن يستوعبها الحاج أن قبول الأعمال مرتبط بسلامة المقصد وطهارة المورد، ولذلك يجب أن تكون نفقات الحج من مال حلال خالص لا شبهة فيه، امتثالا لقول الله تعالى: :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا: كما أن الله سبحانه وتعالى وجه الحجاج إلى التزود بأعظم زاد في هذه الرحلة المباركة، فقال جل شأنه: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى".
وأكد أن الحج الحقيقي هو الذي يثمر إصلاحا للنفس وتزكية للقلب وتقويمًا للسلوك، فيعود الحاج أكثر التزاما بأوامر الله، وأشد حرصا على أداء الحقوق ورد المظالم إلى أهلها، ومن هنا كان لزاما على من عزم على الحج أن يراجع علاقته بربه وعلاقته بالناس، وأن يطهر قلبه من الغل والحقد والحسد وسائر أمراض النفوس، وأن يطلب العفو والمسامحة ممن أساء إليهم، وأن يؤدي الحقوق المالية والمعنوية التي تعلقت بذمته، لأن حقوق العباد لا تسقط بمجرد الحج أو كثرة العبادات، وإنما تؤدى إلى أصحابها أو يتحلل الإنسان منهم، ليقف بين يدي الله بقلب سليم ونفس مطمئنة راجيًا القبول والرضوان.
ومن جانبه، قال فضيلة الدكتور هاني عودة إن الحج يعد من أعظم المشاهد التي تتجلى فيها الحقائق الكبرى التي جاء بها الإسلام، وفي مقدمتها وحدة الأمة الإسلامية، والأخوة الإنسانية، والمساواة بين الناس أمام الله تعالى، حيث يذوب في هذا المشهد الفريد كل ما يصنعه البشر من فوارق وحواجز، فلا يُنظر إلى غني أو فقير، ولا إلى صاحب منصب أو جاه، وإنما يقف الجميع صفا واحدا في مقام العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى، وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في خطبة الوداع حين قال: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى.
وتابع: جعل الله تعالى الحج مؤتمرا إيمانيّا عالميّا تتجسد فيه هذه المعاني السامية أمام العالم أجمع، ليرى الناس عظمة هذا الدين الذي يجمع بين الشعوب المختلفة على كلمة التوحيد، ويوحد القلوب والوجوه والاتجاهات نحو خالق واحد، فتتربى النفوس على الإخلاص والتجرد والتوكل وحسن الظن بالله، وتتعمق فيها معاني الإيمان والتقوى واليقين.
أعظم الرسائل التي تؤكدها مناسك الحج
وبين مدير الجامع الأزهر أن من أعظم الرسائل التي تؤكدها مناسك الحج وتكرسها في وجدان المسلمين منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية التي جاء بها الإسلام لحفظ المجتمعات وصيانة استقرارها، وفي مقدمتها حرمة الدماء والأموال والأعراض، وهي المبادئ التي أكدها النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم تجمع للمسلمين في خطبة حجة الوداع حين قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا".
وأوضح أن استقرار المجتمعات ونهضتها مرتبطان ارتباطا وثيقا باحترام هذه القيم والمحافظة عليها، وأن ما تشهده بعض المجتمعات من اضطرابات وصراعات وانقسامات إنما يرجع في جانب كبير منه إلى التفريط في هذه المبادئ الأصيلة التي أرساها الإسلام، كما أن الحج يذكر المسلمين سنويّا بضرورة ترسيخ ثقافة التراحم والتكافل والتعاون واحترام حقوق الآخرين، ويؤكد أن الأمة لا يمكن أن تستعيد قوتها وريادتها إلا إذا عادت إلى هذه المنظومة الأخلاقية العظيمة التي جعلها الإسلام أساسا للعمران البشري والاستقرار المجتمعي، وحصنا يحفظ الأوطان من الفتن والنزاعات ويصون وحدة المجتمعات وتماسكها.