في ذكرى ميلاده.. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق الذي أثارت فتاواه الجدل

04:11 م الأحد 28 أكتوبر 2018

كتبت - سارة عبد الخالق:

اليوم في ذكرى ميلاد إمام كبير وشيخ جليل من شيوخ الجامع الأزهر.. قدم الكثير من الفكر الإصلاحي والتجديدي في العالم الإسلامي.. صاحب العديد من التصريحات والفتاوى والمواقف التي أثارت الجدل حوله حتى وصلت إلى أن طالب البعض بعزله عن منصبه أو تقديم استقالته.. إنه الشيخ الإمام (محمد سيد طنطاوي) شيخ الأزهر السابق - رحمه الله.

قال عنه الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية في ندوة سابقة بعنوان "الوسطية والتجديد في فكر الإمام طنطاوي" : "إن الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق، حمل الراية، وأدى دوره خير أداء، وأن الله ختم له بخاتمة حسنة يتمناها كل إنسان، وهو الدفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، داعيًا الله أن يجمعنا به في جنات النعيم".

هو الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي الإمام الثالث الأربعون في ترتيب شيوخ الجامع الأزهر، ولد الإمام محمد سيد عطية طنطاوي في مثل هذا اليوم ٢٨ أكتوبر ١٩٢٨ م، في قرية سليم الشرقية بمركز طما، بمحافظة سوهاج، وتلقى تعليمه الأساسي بقريته، وأتم حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بعدها بمعهد الأسكدندرية الديني عام 1944 م، وعندما انهى تعليمه الثانوي التحق بكلية أصول الدين والتي تخرج فيها سنة 1958م، ثم تخصص في التدريس 1959م، ثم حصل على الدكتوراه في التفسير والحديث سنة 1966م، وفقا لبوابة دار الإفتاء المصرية - قسم (التراجم والسير).

تدرج الإمام طنطاوي في المناصب حيث عمل كخطيب وإمام ومدرس بوزارة الأوقاف، كما عمل كمدرس في كلية أصول الدين جامعة الأزهر، ثم عمل أستاذا مساعد بقسم التفسير بكلية أصول الدين بأسيوط، وانتدب للتدريس في ليبيا لمدة 4 سنوات، وعين أستاذا بقسم التفسير بكلية أصول الدين بأسيوط، ثم عميد كلية أصول الدين بأسيوط، وفي عام 1980م، انتقل إلى السعودية حيث عمل في المدينة المنورة كرئيس لقسم التفسير في كلية الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، وفي عام 1986 م، وعين مفتيًا للديار المصرية وظل في منصب الإفتاء حوالي عشر سنوات، أصدر خلالها ما يقرب من 7557 فتوى مسجلة بدار الإفتاء المصرية، حتى عين في 27 مارس 1996 م، شيخًا للأزهر الشريف.

كان الإمام الشيخ محمد سيد طنطاوي- رحمه الله- يقدر العلماء الأجلاء، وكان نزيها يرفض استغلال منصبه، حيث "رفض علاج زوجته على نفقة الدولة وكان يرد بدل الرحلات الخارجية حين عودته إلى مكتبه، وحينما ذهب في إحدى الرحلات على طائرة لأداء فريضة الحج عند توليه منصب مفتي الجمهورية، مع بعض كبار رجال الدولة، هاجمه بعض الأشخاص في الصحف، بدعوى أنه يحج على نفقة الدولة، إلا أنه قام بتصوير الشيك الخاص بالرحلة، للتأكيد على أن الرحلة تمت على نفقته الخاصة، وفقا لما ذكر خلال ندوة" الوسطية والتجديد في فكر الإمام طنطاوي" التي نشر مصراوي جزءا منها، كما كان رحيما مع العاملين معه، حيث ذُكر من قبل موقف حدث مع أحد رجال الأمن الذين كلفوا بتأمين الشيخ – رحمه الله - ، حينما نقل مقر سكنه إلى منطقة التجمع الخامس في ٢٠٠١، فاشتكى بعض العاملين من عدم وجود مواصلات تنقلهم إلى مقار سكنهم، فما كان منه إلا أن قام بتوصيلهم بسيارته".

وكان الشيخ الإمام محمد سيد طنطاوي من المدافعين عن قضايا المرأة حيث يرى أن الإسلام يساوي بين المرأة والرجل في أمور عدة منها أصل الخلقة والتكالبف الشرعية وطلب العلم والعمل الشريف وغيرها، وكان يرى أنه من حق المرأة البالغة العاقلة في الشريعة أن تباشر عملية الانتخاب، وكان من المدافعين عن قضية تجريم ختان الإناث مؤكدا أن الختان لم يأت ذكره في القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة"، وغيرها من الأمور المدافعة عن المرأة.

* فتاوى وتصريحات ومواقف مثيرة للجدل

- وقد طال الشيخ طنطاوي أثناء حياته هجوم من البعض بسبب بعض الفتاوى التي أصدرها واعتبرها الكثيرين مثيرة للجدل، ومن الفتاوى المثيرة للجدل موقفه من (فوائد البنوك)، يقول حسام الدين بن موسى عفانه في كتابه (يسألونك عن المعاملات المالية المعاصرة - الجزء الأول) معلقا على نص الفتوى التي أصدرها الشيخ طنطاوي أثناء توليه منصب الإفتاء بتحريم فوائد البنوك، والتغيير ذلك بعد حيث قال: "سجلت الفتوى بتاريخ 20 – 2 – 1989 م، وسجلت برقم 41/ 124، وهو نفسه الذي صار شيخ الأزهر فيما بعد ومازال، وأصدر الفتوى التي تنص على أن فوائد البنوك ليست من الربا المحرم، وأن لا فرق بين بنك إسلامي وغير إسلامي" وتساءل الكاتب: "لماذ غير الشيخ طنطاوي فتواه تغييرا جذريا؟"، وقد علق الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية – هذا العام في ندوة "الوسطية والتجديد في فكر الإمام طنطاوي" قائلا: " إن شيخ الأزهر السابق كان سابقًا لعصره وأوانه، وتحدث عن قضية البنوك وتحريم الربا والإقراض بزيادة مشروطة، وكان أول من تعرض للأمر، وكانت فتواه في هذا التوقيت سابقة لعصرها".

- ومن الفتاوى التي أثارت ضجة أيضا فتوى (تحريم العمليات الاستشهادية)، وفقا لما جاء في كتاب (حصان طروادة الصهيوني على أبواب المحروسة: دراسات عن التطبيع بين مصر) لمحمود عبده: "في نوفمبر 2003 م، لم تكن انتفاضة الأقصى قد خمدت بعد، قرر محمد سيد طنطاوي أن يقول رأيه في العمليات الاستشهادية، الذي أكد على أن العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المقاومون في فلسطين، هي في حقيقتها "عمليات انتحارية" تعارض أحكام الإسلام، وأن من يقوم بها يعامل في الآخرة معاملة المنتحر أي يكون من أهل النار".

-ومن الفتاوى التي أثارت جدلا واسع النطاق فتوى شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي (جلد الصحفيين)، وفقا لما جاء في كتاب : "أفتى شيخ الأزهر الكتور محمد سيد طنطاوي بوجوب جلد الصحفيين الذين يثبت تورطهم في ترويج الشائعات والأخبار الكاذبة ثمانين جلدة، وحرم شراء صحفهم وتداولها لما فيها من ننشر الشائعات الكاذبة، وذلك عملاً بحد القذف"، الأمر الذي دعا عدداً من شيوخ وعلماء الأزهر لرفض تصريحات طنطاوي، حيث قال أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الدكتور صبري عبد الرؤوف، في تصريحات وقتها، إن الشريعة الإسلامية قررت إقامة "حد القذف" على من يقذف غيره ويرميه بالزنا، أما الإساءة بغير الرمي بالزنا فلا توجب إقامة حد القذف وإنما توجب عقوبة تعزيرية فقط. كذلك رفضت أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الدكتورة آمنة نصير وضع أي قضية من قضايا المجتمع تحت محك الحكم الديني دون مراعاة صحة القياس، وقالت "لا يمكن تطبيق حد القذف على الصحفي الذي يقوم بنشر خبر أو موضوع غير دقيق لأنه هنا يؤدي عمله وإن كان قد أخطأ فيجب توجيهه في الاتجاه الصحيح فقط".

- كذلك كانت له عدة تصريحات أدت إلى ثورة البعض ضده خاصة بعض الجماعات الإسلامية وعلماء الدين ومن المجلس الأوروبي للإفتاء منها، تصريحه "أنه من حق المسئولين الفرنسيين إصدار قانون يحظر ارتداء الحجاب في مدارسهم ومؤسساتهم الحكومية باعتباره شأنا داخليا فرنسي"، كما تعرض الإمام الشيخ طنطاوي لنقدا لاذعا بعد مصافحته للرئيس الإسرائيلي "شمعون بيريز" في مؤتمر حوار الأديان الذي نظمته الأمم المتحدة والسعودية بنيويورك، وكذلك قابل البعض موقفه من إجبار طالبة في الإعدادي الأزهري على خلع النقاب بثورة عارمة إلا أن رأى البعض أن هذا أمر اجتهادي حتى امتد الأمر إلى اتهام الشيخ بالسخرية من التلميذة، الأمر الذي نفاه شيخ الأزهر في تصريحات لاحقة له مؤكدا أن "النقاب حرية شخصية"، لكنه أكد على كونه ليس سوى مجرد "عادة"، رافضا ارتدائه داخل المعاهد والكليات الأزهرية، وفقا لما ذكرته العديد من المواقع الإلكترونية وقتها .

- ومن المواقف التي أثارت جدلاً، قيام شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بمصافحة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز أثناء فعاليات مؤتمر "حوار الأديان" الذي نظمته الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية بنيويورك في 12 نوفمبر 2008.

وأبدى، وقتها، نواب ونشطاء مصريون استياء بالغاً من شيخ الأزهر بعد مصافحته بيريز، في أزمة كشفت بعداً جديداً في موقف المؤسسة الدينية بمصر من التطبيع مع الإسرائيليين.

وطالب بعض النشطاء بعزل شيخ الأزهر من منصبه بعد هذه الواقعة، لكن الرجل الذي يتمتع بعلاقة وثيقة مع النظام الحاكم لم يظهر تراجعاً عن موقفه بمصافحة بيريز، ووصف الرافضين للتطبيع مع إسرائيل بأنهم "جهلاء وجبناء".

وفي أول تعليق له- رحمه الله- على الصور التي نشرتها صحف مصرية وعربية، حول مصافحته الرئيس الاسرائيلي، أكد شيخ الأزهر أن المصافحة بينهما كانت "من باب الصدفة"، وأبدى استغرابه قائلاً: "أنا لم أوقع مع بيريز اتفاقية تنازل عن فلسطين حتى تحدث كل هذه الضجة المفتعلة والمقصودة".

* مؤلفاته

وللشيخ طنطاوي مؤلفات عدة منها - ما ذكر على موقع دار الإفتاء المصرية: "التفسير الوسيط للقرآن الكريم" الذي يأتي في خمسة عشر مجلدًا وأكثر من سبعة آلاف صفحة وقد طبع منه عدة طبعات، و"بنو إسرائيل في القرآن والسنة" و " معاملات البنوك وأحكامها الشرعية" و " السرايا الحربية في العهد النبوي" و " آداب الحوار في الإسلام." و " الاجتهاد في الأحكام الشرعية" و" تنظيم الأسرة ورأي الدين فيه" و" المنهج القرآني في بناء المجتمع" و" مباحث في علوم القرآن الكريم" و"الحكم الشرعي في أحداث الخليج"، وغيرها من المؤلفات.

* وفاته

توفى الإمام الشيخ محمد سيد طنطاوي بالرياض في 10 مارس 2010 م، عن عمر يناهز 81 عاما إثر إصابته بنوبة قلبية تعرض لها في مطار الملك خالد الدولي عند عودته من مؤتمر دولي عقده الملك عبد الله بن عبد العزيز لمنح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام للفائزين بها عام 2010، وقد صلى عليه العشاء بالمسجد النبوي الشريف، ودفن في مقبرة البقيع، وصلى عليه صلاة الغائب في المحافظات المصرية، كما نعته الأوساط والفاعليات الإسلامية في العالم الإسلامي أجمع.. رحم الله شيخنا الجليل.

إعلان

إعلان