• الحج واللباس البيض

    د. أحمد صباح جمعة

    الحج واللباس البيض

    07:02 م الخميس 08 أغسطس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    بقلم: د. أحمد صباح جمعة

    عضو مركز الازهر العالمي للرصد والافتاء الالكتروني

    الحمد لله الذي دبر الأنام بتدبيره القوي، وقدر الأحكام بتقديره الخفي، وهدى عباده إلى الرشاد وأنطقهم بألسنة حداد، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد المصطفى المخصوص بإظهار ملته على الملل كلها ودوام شريعته إلى آخر الدهر ونهايته، وعلى آلة الكرام وجميع صحابته وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين:

    ففي هذه الأيام الطيبات المباركات يعيش المسلمون مناسبة عظيمة تظهر معالمها في مناسك الحج الذي هو الركن الخامس من أركان الاسلام، وتسعد العيون برؤية حجاج بيت الله الحرام وهم يرتدون ملابس بيضاء ناصعة.

    فعندما تقع عين المسلم على شاشة التلفاز وهي تعرض مشاهد مناسك الحج فإن قلبه ومع كل مشهد يهتز طربًا، ويملأ وجدانه الشوق، ويلهث لسانه بالدعاء بأن يرزقه الله حج بيته الحرام، فالحجيج (بثياب بيضاء ناصعة طاهرة نَقِيَّة؛ تَوْجيهًا لِمَا ينبغي أن يكون عليه الإنسان في سِرِّه وعلانيته من الصفاء والطهر) يذهبون ويعودون في استسلام تام لخالقهم، معلنين التوبة النصوح والنية الصادقة بعدم العودة لفعل المعاصي والآثام، تراهم يرتدون تلك الملابس البيضاء التي تخلو من مظاهر الزينة، ولا يعتبر اللون الأبيض في ملابس الاحرام شرطاً من شروطه، فإن لَبِسَ الرجل أو المرأة لونًا آخر فإن عمرته وحجه مقبول، والضابط في ملابس الإحرام كما قال الفقهاء ألا تكون مخيطة بالنسبة للرجال، ويستحب أن تكون بيضاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" (أخرجه أبو داود، والطبراني)، وبالتالي فالرمزية هنا تشير إلى أن المسلم يخرج إلى الحج متجرداً من كل شيء مسلماً أمره إلى ربه.

    فالحاج حينما يلبس ملابس الإحرام فإنه يشابه تلك الأكفان التي يكفن بها عند موته، كما أن ذلك الجمع الغفير من الحجاج في مكان واحد وكل واحد منهم يلهج لسانه بدعاء ربه أن يتقبله ويعتقه من ناره، يذكره بموقف المحشر الذي يجمع فيه جميع الخلق وكل فرد قد شغل بنفسه عن غيره.

    يقول الشيخ عبد الحليم محمود (شيخ الأزهر الأسبق -رحمه الله-): " إن الحج فترةُ تَجَرُّد كامل لله ـ سبحانه وتعالى ـ وتوبة استغفار وإنابة، وأداء شعائر ومناسك، وقطع الصِّلَة بالماضي الذي تَشُوبه شوائب من هوَى النفس ونَزَغات الشيطان، ومن الرموز لقَطْع الصلة بالماضي واستقبال عهد جديد، أن يتخلَّى الإنسان عن ملابسه لِيَلْبِس ملابس الإحرام بيضاء ناصعة طاهرة نَقِيَّة؛ تَوْجيهًا لِمَا ينبغي أن يكون عليه الإنسان في سِرِّه وعلانيته من الصفاء والطُّهر"

    وملابس الإحرام البيضاء التي تخلو من أي مظهر من مظاهر الزينة أو البهرجة تدل على ضرورة تساوي الجميع باختلاف طبقاتهم وأشكالهم مما يوضح المضامين التي يحث عليها ديننا الحنيف من عدم التفرقة وعدم التباهي بل يأمر بالمساواة بين الجميع.

    كما قال علماء النفس: ومن يظن أنه ليس لثياب الإحرام البيضاء تأثير ضمني على نفوس الحجيج فإنّ تفكيره في منأى عن الحقيقة, لأنّ الحقيقة هي أن اللون الأبيض عندما ينتشر في محيط الحاج ، ويرى الآخرين حوله في ثيابهم البيضاء, فإنه يطلق إشعاعات قوية إلى نفسه وروحه بأن: يا نفس كوني بيضاء كلباسي, وأن يا قلب تحرر من حقدك وضغينتك إلى الطهر والنقاء والصفاء, وأن يا إنسان لا يزال لسانك رطباً بهذا الدعاء عن أطهر الخلق سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اللهم نقّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد. (متفق عليه).

    إعلان

    إعلان