خطيب المسجد الحرام يحذر من إيثار الباطل على الحق: مِنْ أعظم آثار تزيين سوء العمل
كتب : علي شبل
المسجد الحرام
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ أ.د فيصل بن جميل غزاوي المسلمين بتَّقُوى اللَّهَ، فَمَنِ اتَّقَى رَبَّهُ جَعَلَ لَهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فُرْقَانَا، وَرَزَقَهُ فِيمَا يُرِيدُ مِنَ الْخَيْرِ إِمْكَانًا.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْمَرْءُ أَنْ يَنْتَكِسَ قَلْبُهُ وَيَلْتَبِسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَيَرَى الْقَبِيحَ حَسَنًا، وَالْحَسَنَ قَبِيحًا، وَالْبَاطِلَ حَقًّا، وَالْحَقَّ بَاطِلًا، وَالضَّلَالَ هُدًى وَالْهُدَى ضَلَالًا، وَالْخَطَأَ صَوَابًا، وَالصَّوَابَ خَطَأً، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حَالَ أَقْوَامٍ بَطَلَ وَاضْمَحَلَّ كُلُّ مَا عَمِلُوهُ مِنْ عَمَلٍ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ فِي صُنْعِهِ.
وأضاف: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي كِتَابِ اللهِ وَالْمُتَدَبِّرَ لِآيَاتِهِ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ إِضَافَةَ تَزْيِينِ الْأَعْمَالِ نَوْعَانِ: حَسَنٌ وَقَبِيحٌ، أَمَّا التزيِينُ الْحَسَنُ: فَهُوَ مَا نَسَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَضَافَ التَّزْيِينَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ خَلْقًا وَمَشِيئَةً، وَأَمَّا التَّزيِينُ الْقَبِيحُ: فَهُوَ مَا نَسَبَهُ تَعَالَى إِلَى سَبَبِهِ وَمَنْ أَجْرَاهُ عَلَى يَدِهِ.
وأشار إلى أن الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ حَافِلٌ بِذِكْرِ أَمْثَلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَنِ اسْتَهْوَاهُم الشَّيْطَانُ وَأَوْقَعَهُم فِي حَبَائِلِهِ، فَزَيَّنَ لَهُمُ الْغِوَايَةَ وَحَسَّنَ لَهُمُ الشَّرَّ وَالضَّلَالَةَ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَا يَبْلَى)، فَزَيَّنَ لِآدَمَ وَزَوْجَتِهِ الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَأَغْوَاهُمَا بِأَنْ أَكَلَا مِنْهَا، وَأَطَاعَا أَمْرَ عَدُوِّهِمَا، وَخَالَفَا أَمْرَ رَبِّهِمَا، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَأَرْشَدَهُمَا لِلثَّبَاتِ عَلَى الْهُدَى.
وأكد الشيخ فيصل غزاوي أن التَّزْيِينُ الَّذِي يَعْمَدُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ لِإِغْوَاءِ الْإِنْسَانِ نَوْعَانِ: تَزْيِينُ الْقَبِيحِ، وَتَقْبِيحُ الْحَسَنِ، وَمِثَالُ تَزْيِينِ الْقَبِيحِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ)، فَزَيَّنَتِ الشَّيَاطِينُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ خَشْيَةَ الْعَارِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ فِي مُنْتَهَى الْقُبْحِ وَغَايَةِ السُّوْءِ.
وأوضح فضيلته أن مِنْ أعظم آثار تزيين سوء العمل أَنْ يُؤْثِرَ الْمَرْءُ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ وَيَخْتَارَ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى، ويُحَسَّنَ لَهُ أَعْمَالُهُ الْقَبِيحَةَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي قَالَ تَعَالَى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين).
واختتم فضيلته الخطبةَ قائلًا: لا يَسْتَوِي الصَّادِقُ مَعَ رَبِّهِ مِمَّنْ ملأ الْإِيمَانُ قَلْبِهِ فَاهْتَدَى وَاتَّبَعَ الْحَقَّ وَتَجَرَّدَ مِنَ الْهَوَى، وَكَانَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ فِي دِينِهِ، وَلَمْ يُعْجَبْ بِعَمَلِهِ بَلْ هُوَ دَائِمُ الْحَذَرِ مِنَ الشَّيْطَانِ، دَائِمُ التَّطَلُّعِ لِعَوْنِ اللَّهِ وَمَدَدِهِ؛ مُلْتَزِمًا أَمْرَهُ فِي الْاسْتِقَامَةِ عَلَى شَرْعِهِ، لَا يَسْتَوِي هَذَا وَمَنْ يَتَخَبَّطُ فِي الظُّلُمَاتِ، وَقَدْ رَكِبَ الْأَهْوَاءَ، وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَحَسَّنَ لَهُ الْبَاطِلَ وَصَدَّهُ عَنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى، وَقَذَفَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالْشَهَوَاتِ مَا يَجْعَلُهُ يَمِيلُ لِلذُّنُوبِ وَيَصُدُّهُ عَنْ أَنْ يَتُوبَ، فَأَصْبَحَ مُعْتَدًّا بِنَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ النُّصْحَ بَلْ يَأْتَمِرُ بِهَوَاهُ، فَمَهْمَا رَآهُ حَسَنًا فَعَلَهُ، وَمَهْمَا رَآهُ قَبِيحًا تَرَكَهُ.