• القَولبة في زمن العولمة (2-2)

    هبة صلاح.. باحثة ومترجمة بدار الإفتاء المصرية


    القَولبة في زمن العولمة (2-2)

    07:24 م السبت 11 مايو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    بقلم/ هبة صلاح
    باحثة ومترجمة بدار الإفتاء المصرية

    أظلتنا منذ أيام قليلة سحائب الرحمة والمغفرة والعتق من النار بحلول شهر رمضان المبارك ليبدأ 1.8 مليار مسلم حول العالم شعيرة الصوم طوعًا وحبًا وسط أجواء من الود والتعايش، فالشهر يفرح بقدومه المسلم وغير المسلم حيث يشترك الجميع في الإعداد لاستقبال هذا الضيف الذي يحل بيننا أيام معدودات.
    تتنوع مظاهر الاحتفال واستقبال الشهر من بلد لآخر إلا أن الجميع يشترك في الحرص على خلق حالة من الاندماج والتعايش تشمل جميع أفراد المجتمع، فالصوم شعيرة دينية وفرض على كل مؤمن في جميع الشرائع السماوية التي سبقت الإسلام "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
    هذه الأجواء الرمضانية لا تخلوا من منغصات تأتي بها نماذج النمطية أو القولبة التي تُحكِم قبضتها على فئة معينة في المجتمع وترسخ لها في الأذهان ومن ذلك ما يغفله أو يتغافل عنه البعض عندما يتعلق أمر الصيام بالنوع أو (الجندر)؛ فالنص القرآني صريح في تكليف الشارع لكل من الرجال والنساء بالفرائض ومنها "الصوم" "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"

    فهذا النص القرآني الصريح لم يفرق في التكليف بين رجل وامرأة إلا أن النمطية لم تترك بنات حواء دون أن تضعهن في خانة العنصر غير المرغوب فيه أثناء شهر الصيام لأنهن، كما يدعون، سبب "الفتنة"، أي فتنة الرجال وإفساد صومهم!
    ظهرت في العالم الماضي حملة سخيفة بعنوان "استر بنتك خلي الناس تصوم"، غير أنها لم تحقق الهدف المنشود، فعاد أصحابها هذا العام ليطلقوا نفس الحملة في محاولة منهم لتعليق سوء أخلاقهم وفساد ذممهم على شماعة الآخر وهن النساء والفتيات.
    هذه الحملة التي انتشرت بدرجة ملحوظة قبل الشهر الفضيل عبر وسائل التواصل الاجتماعي عكست بشكل واضح الأمراض الاجتماعية التي أفرزتها النمطية أو فكرة التصنيف المتجذرة في المجتمعات كافة، ويبدو أن النساء في المجتمعات وخاصة العربية هن أكثر فئة تعاني من تبعات هذه النمطية.
    هذا النموذج الذي ذكرته هو مجرد مثال يوضح أن عدم القدرة على احترام الآخر في زمن "العولمة" ينشأ في الأساس من الإخفاق في تحقيق الاحترام بين الجنسين وهذا مرده إلى القوالب النمطية التي يعتمد عليها البعض في التصنيف الذي يمتد في بعض الحالات ليصل إلى مرحلة التجريح غير المبرر كما فعل أصحاب هذه الحملة.
    قد نفقد جزء من إنسانيتنا أو ربما نفقد إنسانيتنا كاملة عندما نتوقف عن التفكر فيما نقول والامتناع عن محاولة الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، حينها تصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي أم الكتاب ومصدر المعلومات.
    ولذا فإن خير من نختم به في هذا المقام هو الارتقاء بمستوى قراءة الحِكمة من التشريعات قراءة متعمقة للمعانِ التي أتى بها الشارع، ففي شهر الصوم نتخلى بإرادتنا عن جميع المباحات التي أحلها الله امتثالا لأمره وطمعا في الثواب والخروج من الشهر أفضل مما كنا عليه قبل استقباله، فالصوم الصحيح كما أراده الله لا يقدر عليه إلا من كان "إنسان كامل الأخلاق"، وهذا ما تركنا عليه رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم): "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"، فلنجعل العودة إلى الأخلاق أول طريق لهدم القولبة وما كان على شاكلتها.

    إعلان

    إعلان

    إعلان