الإمام العروسي.. شيخ الأزهر الذي بشره أحد الأولياء بالمشيخة وهابه الحكام

02:07 م السبت 27 أبريل 2019
الإمام العروسي.. شيخ الأزهر الذي بشره أحد الأولياء بالمشيخة وهابه الحكام

صورة أرشيفية للجامع الأزهر قديما (1)

كتب – هاني ضوه :

دائمًا ما كان شيوخ الأزهر الشريف الذين تولوا مشيخة الأزهر لهم مكانة كبيرة في نفوس المصريين وحكامهم، فكان لهم الأثر الكبير في الحفاظ على الهوية المصرية والدفاع عن مصر وأهلها.

ومن هؤلاء المشايخ العظام فضيلة الإمام الأكبر الشيخ أحمد بن موسى العروسي رحمه الله، شيخ الأزهر الشريف الحادي عشر ، الذي وصفه الجبرتي عند التأريخ له فقال: "كان رقيق الطباع مليح الأوضاع، لطيفًا مهذبًا فيه عفة وديانة، ودقة وأمانة".

ولد الشيخ أحمد بن موسى العروسي في قرية "منية عروس" التابعة لمركز أشمون، بمحافظة المنوفية، سنة 1133هـ/ 1720م، ولهذا لقب بـ "العروسي".

حفظ الشيخ رحمه الله القرآن الكريم في قريته، ثم بدأ في دراسة العلوم الشرعية التي تؤهله للإلتحاق بالأزهر الشريف، فدرس العلوم الدينية واللغوية، كما درس العلوم الرياضية، والفلك، والمنطق، وأخذ الطريقة الصوفية عن السيد مصطفى البكري، ولازمه، وتلقَّن منه الذِّكر.

ولما شب الشيخ أحمد انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالجامع الأزهر الشريف ليتعمق أكثر في دراسة علوم الدين، وهناك تتلمذ على يد كبار علماء عصره، ودرس أئمة الكتب في مختلف الفروع، فسمع صحيح البخاري من الشيخ أحمد الملوي بمسجد سيدنا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه بجوار الجامع الأزهر، ودرس تفسير الجلالين والبيضاوي على يد الشيخ عبد الله الشبراوي، ثم سمع من الشيخ الحفني صحيح البخاري وشرحه للقسطلاني مرة ثانية. ومختصر ابن أبي جمرة، والشمائل النبوية للترمذي، وشرح ابن حجر للأربعين النووية، والجامع للسيوطي.

وتلقى جملة فنون عن الشيخ الصعيدى ولازمه السنين العديدة حتى أنه أصبح معيدا لدروسه في جامع مرزة ببولاق، وكان الشيخ الصعيدى يجلس لتدريس المذهب الشافعى في إيوان الشافعية بهذا الجامع، وكذلك تتلمذ في المدرسة الأشرافية على يد الشيخ شمس الحنفي.

ولم يهتم الشيخ فقط بالعلوم الدينية فحسب، بل اهتم كذلك بعلوم الرياضيات والفلك فلازم الشيخ حسن الجبرتي -والد المؤرخ الكبير الشيخ عبد الرحمن الجبرتي- وقرأ عليه في الرياضيات، والجبر، والمقابلة، وكتاب الرقائق للسبط، وكفاية القنوع والهداية، وقاضي زاده، وغيرها.

وكان الشيخ أحمد بن موسى العروسي ذو نزعة صوفية قوية، ففضلًا عن تلقيه العلوم الشرعية على يد كبار علماء عصره، فقد كان رحمه الله حريصًا على ملازمة كبار مشايخ الصوفية المشهود لهم بالعلم والعمل والصلاح، فكان يتردد عليهم في أوقات فراغه ويلازمهم.

وذكر علي باشا مبارك في خططه أن الشيخ أحمد العروسي "اجتمع بعد ذلك على ولي عصره الشيخ أحمد العريان فأحبه ولازمه واعتنى به الشيخ وزوجه إحدى بنات وبشره بأنه سيسود ويكون شيخًا على الجامع الأزهر، فظهر ذلك بعد وفاة الشيخ العريان بمد وكان لما وصل إليه الشيخ أحمد من علم وفضل وسماحة الخلق أثره في اختيار رجال الدين والفقهاء له ليكون شيخًا للجامع الأزهر".

وبالفعل بعد وفاة الشيخ أحمد عبدالمنعم الدمنهوري، تولى الشيخ أحمد بن موسى العروسى مشيخة الأزهر سنة 1192هجريةـ

وعن كيفية اختيار يذكر الجبرتي في تاريخه أن المشايخ اختلفوا فيمن يتولى مشيخة الأزهر بعد الشيخ الدمنهوري "فوقعت الإشارة عاليه أي الشيخ أحمد العروسى اجتمعوا بمقام الإمام الشافعي رضى الله عنه واختاورا أحمد العروسي للمشيخة فصار شيخ الأزهر على الإطلاق ورئيسه بالاتفاق، يدرس ويعيد ويملي ويفيد، وقد قام وهو في مشيخة الازهر بتأليف مجموعة من الكتب الدينية لعل أهمها "شرح على نظم التنوير في إسقاط التدبير" و"حاشية علي الملوى على السمرقندية".

وكان للشيخ أحمد العروسي مواقف وطنية كثيرة ومشهودة فقد كان قوالًا للحق، لا يحب الجدال العقيم، وكانت شفاعته مقبولة لدى الحكام، وكان الأمراء يستشيرونه ويستفتونه في مسائلهم، ورفض أن تأتي جنود من خارج مصر لحفظ الأمن، وبيَّن للوالي إسماعيل بك وقتها خطر ذلك، فعمل بنصيحته وطالب بزيادة أرزاق الجند المصريين فقاموا بواجبهم، ولما طغى أحمد أغا الوالي على أهل الحسينية لجأ إليه الناس، فقام معهم وأقنع الوالي إسماعيل بك بعزله اتقاء للفتنة فعزله.

ولما اشتد الغلاء وضج الناس بالشكوى، ذهب إلى الوالي حسن باشا واتفق معه على وضع تسعيرة للخبز واللحم والسمن وخرج المحتسب ليعلن في الأسواق السياسة التموينية الجديدة، ويهدد من يخرج عليها، فزالت الغمة.

وتوفى الشيخ أحمد بن موسى العروسي في مثل هذا اليوم 21 من شهر شعبان سنة 1218هـ، وبعد أنْ صلَّى عليه في الجامع الأزهر جمعٌ غفير من الخاصَّة والعامَّة، والأمراء والولاة، حُمِلَ إلى مثواه في جنازةٍ حضرها القُرَّاء في موكبٍ مَهِيب بكاهُ الناس جميعًا، ودفن بجوار صهره الصوفي الورع المشهور سيدي الشيخ أحمد العريان باب الشعرية الذي بشره بأنه سيكون شيخًا للأزهر الشريف.

وبقى أن أشير إلى أن هناك اثنين آخرين من أسرة الشيخ أحمد العروسي قد توليا مشيخة الأزهر من بعده أولهما هو ابنه الشيخ محمد بن أحمد العروسي الذي يعد شيخ الأزهر الرابع عشر وتولى مشيخة الأزهر في الفترة من ١٨١٨م، إلى ١٨٢٩م، ثم تولاها حفيده الشيخ مصطفى بن محمد بن أحمد بن موسى العروسي، الذي يعد الإمام العشرون للأزهر، وتولى منصب شيخ الأزهر في الفترة من ١٨٦٤م، إلى ١٨٧٠م.

إعلان

إعلان

إعلان