جريمة الانتحار بين التنمّر المجتمعي والموقف الشرعي

د. أحمد صدقي عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر

جريمة الانتحار بين التنمّر المجتمعي والموقف الشرعي

07:45 م الثلاثاء 03 ديسمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم ـ د. أحمد صدقي

عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر

ألا تذرف عيناك مدرارًا على أرواح شابة حقُها أن تعانق الحياة مقبلة، فإذا هي تستدبرها هاربة؟

من يشعر بهؤلاء وقد صاروا أحاديث معهودة، وأخبارًا متواترة.. فمن نحن إذن من حولهم؟

ألا ويلٌ لأمة تُزهق فيها الروح بذات الروح، وكأن الأرض ضاقت بما رحبت.

- إن الانتحار كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب وموبقات الآثام، وفاعلها على خطر الخلود في جهنم، وقد حذر منه الإسلام وجعله جريمة شنعاء، انظر لقول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما).

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) رواه البخاري ومسلم.

وقوله (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة). رواه البخاري ومسلم.

و(أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه)- رواه مسلم- فتوعّد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أرحم الخلق بالخلق، توعّد من قتل نفسه بعذاب من جنس ما قتل به نفسه لارتكابه إثمًا جسيمًا، وترك الصلاة عليه بنفسه زجرًا وتغليظًا للجريمة، وجعل أصحابه الكرام يصلون عليه.

ومع كل هذا التغليظ فلم يغفل الشرع الجهة الإنسانية واعتبار الرحمة والرأفة، فقد شفع النبي الكريم بالدعاء لرجل انتحر في زمانه فدعا له بالغفران، ودعاؤه مستجاب كما هو معلوم.

فلما هاجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر معه الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَاجْتَبووا الْمَدِينَةَ. فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ. فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ. وَرَآهُ مُغَطِّيا يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ:

مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهجرَتي إِلَى نبيه. فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيا يَدَيْكَ؟ قَالَ قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».

فدعا له بالمغفرة.

وتبقى نقاط مهمة وهي:

- كل من يسبب له يأسًا وإحباطًا يدفعه لقتل نفسه فهو يبوء بإثمه؛ لأنه أعانه على قتل نفسه.

واذكروا حديث (دخلت امرأة النار في هرة).. واذكروا حديث (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة...)

- لا تقولوا "كافر"، بل هو مؤمن ناقص الإيمان مرتكب لكبيرة من الكبائر، وأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه بقدر كبيرته، ثم إن كان من أهل التوحيد يخرج من النار برحمة الله تعالى ثم شفاعة الشافعين.

- لا تتعجل .... فكما لا تتصور أنت أن تفعل بنفسك هكذا؛ لأنك معافى نفسيًا، فاحمد الله، فكثيرًا يكون المنتحر مريضًا نفسيًا، وإن ظهر لك أنه صحيح جسديًا، فمن يدري لعل انتحاره ليس بإرادته أصلاً، بل هو قد دُفع إليه دفعًا، فلا يحاسب عليه، كأنه مجنون. والعقل أساس التكليف والله تعالى يقول (ولا على المريض حرج).

ولا تقل ليس مجنونا؛ فهو يتكلم ويتصرف كالعقلاء... لا لا فالجنون فنون. أي أنواع متعددة وكل خلل بالعقل فهو شعبة من الجنون فمُقِل ومستكثر.

ويقدر هذا التوصيف أطباء النفس والأمراض النفسية والعصبية.

- لا تنهشوا عِرضَ الضحية، وخصوصا لا يمكن لأحد أن يضحي بنفسه وهي أغلى ما يمتلك إلا بضغوط نفسية لا يمكن أن تتخيلها إلا إذا وقعت فيها عافاني الله وإياك.

بل ابحثوا عن أسباب الجناية وعالجوها إن كنتم مخلصين.

- يُشرع أن يغسّل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين ويدعى له بالرحمة والمغفرة ويُعزّى أهلُه في مصيبتهم.

- لا تجمعوا على أهله عِظَمَ المصيبة بفقده، وسوء البشرى بعذابه، فليس من شأنك بل أمره إلى الله إن كان مدركًا لما يفعل فليس لزامًا أن يدخل النار، وهو غير محاسب إن كان فاقد العقل حين جنايته.

- جريمة كبيرة هي الانتحار لمن فعله واعيًا ولكنه ليس بكافر، ويرجى له أن يرحمه الله وإن عُذب.

- الأحاديث الواردة في خلوده بالنار محمولة على الوعيد الشديد، أو أنه خلود ليس أبديًا، بل نِسبِيّ، أو أنه إن استحل هذا الفعل يعني اعتقد أن الانتحار حلال مضادا بذلك تحريم الله له.

وفرقٌ كبير بين من يستحل الحرام فيكون كافرا وبين من يفعل الحرام ليس استحلالا وإنما ضعفا في إيمان أو استزلالا من الشيطان فيبقى على مسمى إيمانه وإن كان ناقصا.

- اعدِلوا، ورسِّخوا الإيمان، ومكِّنوا للدين في المدارس والجامعات، وفي كل مكان، وانتبهوا لأبنائكم ومَن تحت رعايتكم، فالله تعالى سائل كل راع عما استرعاه: حفظ أم ضيع؟

إعلان

إعلان