الفتوى بين الجرأة عليها والفرار منها

الفتوى بين الجرأة عليها والفرار منها

الفتوى بين الجرأة عليها والفرار منها

04:14 م الأربعاء 10 أكتوبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم: د. محمود الهواري *

المتأمل لحال الماضين من علمائنا وما خلفوه من مآثر ومصنفات يجد بونا شاسعا وفرقا واسعا بينهم وبين واقعنا الذي نحياه، فالسابقون عَلَوا بصيانتهم للشريعة وصيانة أنفسهم عن تكلُّف الأحكام فيما لا يعرفون، وقدَّموا أوضح دليل على ورعهم وتقواهم.

أما واقعنا فقد ظهر المتجرؤون فيه على الفتوى، الذين يركبون العواصف ظنًّا منهم أنها ترفعهم، ويميلون مع الريح حيث تميل، ولم يشعر هؤلاء أن العاصفة قد تكون قاصفة تُودي بصاحبها وتهلكه!! فتجرأ بعض من ينسب إلى العلم فخرج على الناس بآراء وأحكام ظاهرها فيه الفتوى، وباطنها فيه الفوضى! وإلا فما معنى أن يبيح (فقيهٌ) للناس أن يختاروا لأنفسهم من الآراء ما يشاءون؟! وما معنى أن يصادر متكلِّم أيًّا كانت درجته على مؤسسة تجاوز عمرها العلميُّ الألف عام؟ وما الحاجة إلى أن تنشر آراء مثل التي تلمز الحجاب وأهله، فهل يكون العريُ فضيلة؟! وغيرها من الفتاوى التي توجبُ النَّظر والتَّأملَ.

رحت أتأمل هذا الفرق الكبير بين تاريخنا المشرق وواقعنا المر فيما يتعلق بالفتوى والجرأة عليها والفرار منها، وأستقرئ من كلام السابقين ما يضبط حركة حياة الحاضرين.

كان السابقون يفرون من الفتوى، ويعرفون لها قدرها، فالفتوى توقيع عن الله عزَّ وجلَّ، ولو إنَّ إنسانًا في الأرض كان أمينا على أختام مؤسسة ما ربما طار النوم من جفنيه من هذه الأختام التي في عهدته، يخشى أن تستعمل في غير محلها، فهو يجتهد في مراجعة كل مكتوب قبل أن يمهره بهذه الأختام.

وهذا توقيع عن الملوك والمسئولين في الدنيا فكيف بالتوقيع عن ملك الملوك ومالك الملك فيما يضبط حركة الناس في دنياهم ودينهم؟.

إن الجرأة والقول على الله تعالى بغير استعداد علمي كافٍ من أعظم المحرمات، ولينظر القارئ كيف قرن الله تعالى بين الفواحش والإثم والبغي بغير الحق وبين الفتوى بغير علم في سياق قرآني واحد، يقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.. [الأعراف : 33]. فقد قرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والبغي والشرك، للدلالة على عظم هذا الذنب، وقبح هذا الفعل، فجعل الفتوى بغير علم من المحرمات لما فيها من الافتراء على الله.

ويعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الفتوى بغير علم إضلال للناس، فيقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".

لهذا هاب الفتيا كثير من العلماء المخلصين، وتدافعوها بينهم لِمَا جعل الله في قلوبهم من خوف التوقيع عن الله، ووقوع الناس فيما لا يحل بفتواهم، فهؤلاء الصحابة وهم مَن هم أشد الناس قربا للوحي الشريف وأكثر الناس معرفة بأحوال التنزيل، ومع هذه المنزلة العالية كانوا يتهيبون الفتوى، يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردَّها هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول".

وكان العلماء يضيفون إلى مسائل العلم بابا آخر يتواصون به، ولا يهملونه، إنه باب "لا أدري" فمتى عرف العالم الحكم أفتى به، ومتى غاب عنه الحكم أو أشكلت عليه المسائل وأدلتها أمسك ولا حرج في هذا.

إن رؤية النفس، والحرص على الشهرة والجاه، وطلب ما عند الناس من متاع زائل قد يدفع الإنسان إلى أن يتكلم فيما لا يحسن، فيأتي بالعجائب على حد تعبير ابن حجر رحمه الله تعالى.

أما السابقون فكانوا لا يتحرجون من قولهم لا أدري، حتى كانوا يعدون "لا أدري" نصف العلم، قال الشعبي رحمه الله تعالى: (لا أدري نصفُ العلم).

وسئل الشعبي مرة عن مسألة فقال: (لا عِلْمَ لي بها)، فقيل له: ألا تستحي، فقال: ولم أستحي مما لم تستحِ الملائكة منه حين قالت: {لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}.

قارن هذا الحال بمن تراهم يفيضون علينا من فتاواهم عبر كل وسائل الاتصال المقروءة والمسموعة والمرئية، هل رأينا منهم من يقول لا أدري، أو من يقول لم أحرِّر المسألة، أو يقول إن المسألة لا تحضرني الآن؟.

هذا حال السابقين وهذا حال اللاحقين، ومن أبرع ما قيل في مقارنة الحالين ما ذكره ابن حمدان حين قال: فكيف لو رأى زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته، وسوء سيرته، وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة والرياء، ومماثلة الفضلاء والنبلاء، والمشهورين المستورين، والعلماء الراسخين، والمتبحرين السابقين، ومع هذا فهم يُنهَون فلا ينتهون، وينبَّهون فلا ينتبهون، قد أُملي لهم بانعكاف الجهال عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم، فمن أقدم على ما ليس له أهلا: من فتيا، أو قضاء، أو تدريس، أثم، فإن أكثر منه وأصرَّ واستمرَّ فسق.

إنَّ الجرأة على الفتوى أمر تحزن له نفوس المؤمنين، وتقلق له قلوب العلماء العاملين، ورد أنَّ رجلًا رأى ربيعة بن عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك! فقال: استُفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم. وقال ربيعة: ولَبعض من يفتي ها هنا أحقُّ بالسجن من السُرَّاق.

وهذا التورع عن الفتوى لم يكن يعني تضييع العلم؛ فقد كان العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ يعرفون متى يفتون، وبأي شيء يفتون، ومتى يمسكون ويتورعون عن الفتوى، يقول أبو حنيفة: "لولا الفَرَقُ من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيتُ، يكون لهم المهنأ وعليَّ الوزر!". والآثار في ذلك عن التابعين والأئمة المحققين كثيرة مشهورة.

*عضو المكتب الفني لوكيل الأزهر

إعلان

إعلان

إعلان