التَّسامح.. "خُلق نبوي" تنادى به المؤسسات المجتمعية.. فهل من مجيب؟

الشيخ محمود الهواري

التَّسامح.. "خُلق نبوي" تنادى به المؤسسات المجتمعية.. فهل من مجيب؟

09:14 م الأحد 17 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم: د ـ محمود الهواري

عضو المكتب الفني لوكيل الازهر

احتفلت الأرض أمس في السادس عشر من نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للتسامح، وهذا اليوم يثير في القلب معان كثيرة، ومشاعر متنوعة، فالتسامح قيمة عظيمة احتاج إليها الناسُ في كل عصر مضى، وتتأكَّد حاجة العالم إليها الآن في ظلَّ ما يعانيه من أحداث دامية، بل دموية أحيانًا.

ولست أعرف ما الذي ينبغي أن يُكتب في مثل هذا اليوم، أيليق أن أكتب عن التَّسامح الإلهيّ مع البشر ممن يخالفون أمره؟ أو أكتب عن أخلاق النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلم سيَّد المتسامحين؟ أو أكتب عن نماذج طيبة ورثت هذا الخلق فعاشت به في الناس سيرة طيبة ومسيرة نافعة؟ أو أكتب عن الأثر الطيب لهذا الخلق في جمع الشمل وتوحيد الصف وتأليف القلوب؟.

ولعل من التسامح أيضا أن نشكر كل مؤسسة دولية تقوم بواجبها في نشر الخير، ودفع الظلم، وتطهير المجتمعات والأوطان من كل أذى، ونتمنى في الوقت نفسه أن تعمل كلُّ المؤسسات في كل الأوطان على تحقيق هذا المعنى الجميل الذي يؤدي إلى أمن العالم وأمانه وسلامه.

أما تسامح الله وعفوه وجميل نعمه على خلقه بالرغم من مخالفتهم ما توجبه خلافتهم عنه في الأرض فأكبر من أن تحيط به كلماتي! ويكفي أن نذكِّر بقول الملك سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ}.. [طه : 82]، أما التسامح الذي ينبغي أن نعنى به فهو التسامح بين البشر، ولعل هذا التسامح هو أحد أوجه التَّجديد الَّذي نادت به مؤسسة الرئاسة في جمهورية مصر العربية في الفترة الأخيرة، وعمل عليه الأزهر جاهدا لفترات طويلة بأدوات متنوعة من مؤتمرات ومطبوعات ومقررات وقوافل سلام جابت الأرض.

وأحب في هذه النافذة بينما تتقافز المعاني في عقلي وقلبي أن أقتنص منها شوارد لعلها أن تكون نافعة، ومن أهم الشوارد أن يفهم النَّاس أن التَّسامح بينهم يكون في مستويات متعددة، وأوَّل مستويات التسامح أن يتسامح الإنسان مع ذاته، وهذا بداية التَّسامح مع الآخر، فقد لا يحالف الإنسان التوفيق في بعض الأمور، وقد يُفرض عليه أمر لا يقبله، ونتيجة لهذا كله قد يقع أسيرا لمشاعر سلبية؛ خوفا من حكم الآخرين عليه، فيظل يجلد ذاته، أو يعيش في حالة خصومة معها، وجلد الذات وعدم التسامح معها أصعب من الواقع ومره، وتجاوز الإنسان عن زلات الماضي وخطاياه مطلوب لحياة أكثر صحة وسعادة وبهجة.

أما التسامح مع الآخرين فقل فيه ما شئت، ويكفي أن النَّبي صلى الله عليه وسلم علمنا ذلك نظريا وعمليا، فحض عليه في أوامر واضحة، وطبقه في سلوك أوضح.

ومن هذا التسامح الذي عاش عليه تلك العلاقات الطيبة التي ربطت بينه وبين الكون كله من حوله مهما كان شأنه، ومهما كان وصفه، ومهما كان عمره.

فقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الفترة المكية كثيرا من وقائع التعذيب والاضطهاد، ولكنهم لم تمتد منهم يدٌ بأذى لمن عذبوهم وآذوهم، وإنما امتدت بالدعاء بالهداية، وحينما زاد اضطهاد المعارضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلب منه أصحابه أن يدعوَ على المشركين فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «إني لم أبعث لعانًّا وإنما بعثت رحمة».. (رواه مسلم).

من المواقف النبوية المؤكد على التسامح:

قرر صلى الله عليه وسلم ذات مرة أن يقوم بزيارة شخصية للطائف، الواقعة شرق مكة المكرمة لدعوة سكانها إلى الإسلام لكنهم لم يحسنوا استقباله، وإنما ضربوه وجعلوه ينزف دما، فأرسل الله تعالى جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال فقال له: «إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم» وتكلم ملك الجبال عليه السلام بنحو هذا الكلام، فقال: «يا محمد، ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».. (رواه البخاري).

ولم يكن تسامح النبي صلى الله عليه وسلم من ضعف، بل كان عن قوة، فبعد الهجرة إلى المدينة لم يدخر المشركون جهدا ولا وقتا لخوض حرب ضد المسلمين المهاجرين ومن ناصروهم من أهل المدينة، وكانت المعارك ومنها معركة أحد التي شجَّ فيها رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وعندما رأى أصحابه رضوان الله عليهم دمه الشريف الطاهر يسيل على وجهه شق ذلك عليهم، فقالوا لو دعوت عليهم فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لم أبعث لعانًّا ولكني بعثت داعيًا ورحمة. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» ..(رواه البيهقي).

إنه المنهج عينه الذي لا يتغير بتغير الاعتبارات؛ وقل مثل ذلك وأكثر يوم أتاه ثمامة بن أثال، وقصته في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً قِبَل نجد، فجاءت به وهو سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان الغد فسأله: ما عندك يا ثمامة؟ فأعاد عليه كلامه، وفي اليوم الثالث كذلك ولم يجب بغير ما قال، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: «أطلقوا ثمامة»، كيف وهو الذي جاء لقتله واغتياله.

أي تسامح هذا؟؛ لكن كان هذا التسامح سببا في إسلامه، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلى من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي.

أرأيت كيف يغير التسامح القلوب والأفكار؟!.

وقل مثل هذا عن موقفه يوم فتح مكة بعد أن أظفره الله على من ظلموه، وأخرجوه وآذوه واتهموه باتهامات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان وضيقوا الخناق على كل أتباعه ومناصريه، فقال هذه الجملة الخالدة التي تقطر سماحة وصفحا: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وهذه أعظم وثيقة للتسامح أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العالمين.

وما أحوجنا إلى هذه الجملة في حياتنا مع أنفسنا، ومع غيرنا، وبين الشعوب والمجتمعات!؛ هذا هو التسامح الذي نعرفه، صفح وعفو وتعايش وود وبر وصلة، أما هذا التسامح الذي لا نراه إلا في الأوراق ولا نسمع به إلا في القرارات والمواثيق والمعاهدات فأرجو أن يجد طريقه لبلاد سالت دماء أهلها ظلما وعدوانا!.

إعلان

إعلان