ابن حِبّان إمام السُّنة وصاحب المحنة.. الرحالة الذي تعلم على يد 2000 شيخ

01:20 م الجمعة 06 يوليه 2018
ابن حِبّان إمام السُّنة وصاحب المحنة.. الرحالة الذي تعلم على يد 2000 شيخ

ابن حِبّان إمام السُّنة وصاحب المحنة.. الرحالة الذ

كتب – هاني ضوه :

قدم علماء وأئمة الحديث النبوي الشريف جهودًا كبيرة في حفظ وتوثيق ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أحاديث والبحث عن أسانديها والتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله عبر علوم وقواعد وضعوها للتحقق من كل حديث جمعوه.

ومن هؤلاء الأعلام المحدثين صاحب الصحاح الإمام ابن حبان الذي تحل ذكرى وفاته اليوم 22 شوال، والذي قدم تراثًا علميًا كبيرًا وجمع بين علمي الحديث والفقه، وفي التقرير التالي يرصد مصراوي بعضا من سيرته وتعرضه في حياته إلى محنة قبيل وفاته كان السبب فيها الجهل والحسد والإفتراء دون علم.

نشأته

ولد الإمام ابن حبان في مدينة "بُست"، وهي مدينة كبيرة بين هراة وغزنة – مدينة من مدن العاصمة الأفغانية كابل اليوم- ولكن لم يُحدِّدوا سنة ولادته، ويؤخذ من أقوال العلماء أنه وُلِدَ بين سنة (270هـ- 279هـ)، وتوفي وقد قاربَ الثمانين من عمره.

أمضى الإمام طفولته في مدينته التي ولد فيها، إلا أنه سرعان ما غادرها في بداية شبابه لطلب العلم من مختلف البلدان ومجالسة العلماء.

ألفا شيخ

يقول الدكتور منتصر مجاهد- أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس- إن الإمام ابن حبان يدعى محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد بن سهيد بن هدية بن مرة بن سعد بن يزيد التميمي الدارمي البستي، وكنيته أبو حاتم، والمعروف بابن حبان، وقد ولد في مدينة بُست من أعمال سجستان في خراسان سنة 273هـ، وطلب العلم بنفسه منذ الصغر بحفظ القرآن وتلقى دروسه الأولى في الفقه والأصول والكلام والحديث والتفسير، وارتحل طلبًا للعلم والعلماء وسماع الحديث من شيوخه وأعلامه، إلى البصرة ومصر والموصل ونسا وجرجان وبغداد ودمشق ونيسابور وعسقلان، وبيت المقدس وطبرية وهراة، وغيرها من المدن، وقد بلغ مجموع شيوخه قرابة ألفي شيخ.

وقد عدد الإمام ابن حبان شيوخه بنفسه في مقدمة كتابه «التقاسيم والأنواع» فقال: «لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من اسبيجاب إلى الإسكندرية» منهم أحمد بن الحسن بن راشد البغدادي، وأحمد بن علي بن هلال التميمي، والحسين بن محمد بن أبي معشر مودود، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق أبي العباس السراج.

وذكر الحافظ أبو سعد الإدريسي انه تولى قضاء سمرقند زمانا، وجلس للتدريس ونشر الفقه والعلم بين الناس، وأقام مكتبة عامرة في داره لطلبة العلم، ومدرسة لتدريس العلوم الشرعية.

وبلغ ابن حبان رتبة الاجتهاد فقال الإمام ابن كثير عنه: ""أحد الحفَّاظ الكبار المصَنِّفين المجتَهِدين، رحلَ إلى البلدان، وسمعَ الكثير من المشايخ".

وكان الإمام ابن حبان يَعيب على المحدِّثين الذين يهتمُّون بالإسناد فقط، دون الاهتمام بالمتون، كما كان يعيب على الفقهاء الذين يهتمُّون بالمتون فقط، دون الاهتمام بطرق الأحاديث.

وقد أشارَ إلى هذا الموضوع في مقدمة (صحيحه)، وكادَ ينفرِد بمذهب خاص فيما يتعلَّق بزيادة الثقة، حيث اشترطَ في المحدِّث الثقة الذي تُقبَل منه الزيادة في المتن أن يكون فقيهًا.

رحلته في طلب الحديث

استغرق الإمام ابن حبان جزءًا كبيرًا من حياته في طلب الحديث الشريف حيث قضى قرابة أربعين سنة في رحلاته إلى أن رجع إلى وطنه بُست.

وقد أشارَ الإمامُ ابنُ حبان إلى كثرة رحلاتِه قائلًا: "ولعلَّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفَي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية"، و«إسبيجاب» إقليمٌ يقعُ أقصى الشرق الإسلامي في ذلك الوقت، وكانت ثغرًا من أشهر ثغور الإسلام على حدود القبائل التركية التي لم تدخل بعد في الإسلام، قال المقدسيُّ (ت نحو 380هـ): "ويُقال: إنَّ بها ألفًا وسبعمائة رباط، وهي ثغر جليل ودار جهاد"، وكان هذه الأربطةُ للمجاهدين المتطوِّعين، تَشترِك في بنائها مدُن ما وراء النهر قاطبة. كما أنّ الإسكندرية من أشهر مدن مصر، والتي كانت آخر مدينة يُرحَل إليها من جهة المغرب الإسلامي".

وقال عنه الحافظ أبو سعد الإدريسي: "كان ابن حبان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، عالما بالطب وبالنجوم [يقصد الفلك] وفتون العلم، وقد صنف المسند الصحيح، وقد تولى قضاء سمرقند زمانًا؛ فنشر الفقه والعلم هناك بين الناس".

وقال الإمام الحاكم عنه: "كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه، واللغة ، والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرجال. قدم نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فسار إلى قضاء نسا، ثم انصرف إلينا في سنة سبع، فأقام عندنا بنيسابور، وبنى الخانقاه، وقرئ عليه جملة من مصنفاته، ثم خرج من نيسابور إلى وطنه سجستان عام أربعين، وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه".

مؤلفاته

ترك الإمام ابن حبان تراثًا ومصنفات كثيرة في مختلف العلوم ولاسيما الحديث الشريف، زادت عن 65 كتابًا أغلبها في مجلدات قد يبلغ الكتاب والواحد منها 30 جزءًا، وقد ذكر مسعود بن ناصر السجزي بعضًا من تصانيف ابن حبان، فقال: "تاريخ الثقات"، "علل أوهام المؤرخين" مجلد، "علل مناقب الزهري" عشرون جزءا، "علل حديث مالك" عشرة أجزاء، "علل ما أسند أبو حنيفة" عشرة أجزاء، "ما خالف فيه سفيان شعبة" ثلاثة أجزاء، "ما خالف فيه شعبة سفيان" جزءان، "ما انفرد به أهل المدينة من السنن" مجلد، "ما انفرد به المكيون" مجلدين، "غرائب أهل البصرة" ثمانية أجزاء، "الأبواب المتفرقة" ثلاثة مجلدات، "أنواع العلوم وأوصافها" ثلاثة مجلدات، "الهداية إلى علم السنن" مجلد ، "قبول الأخبار"، ومصنفات أخرى.

محنته ووفاته

توفي الإمام ابن حبان بسجستان بمدينة بست في 22 شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهو في عشر الثمانين من عمره.

وقبيل وفاته تعرض الإمام ابن حبان إلى محنة لعلها كانت السبب في وفاته وكانت نتيجة للجهل والحقد والحسد وعدم الفهم من بعض الناس، ومفاد الحادثة أن الإمام ابن حبان أثناء إلقائه لأحد الدروس في نيسابور سئل عن النبوة فقال: "النبوة: العلم والعمل"، وكان يحضر مجلسه بعض الوعاظ فقام إليه واتهمه بالزندقة والقول بأن النبوة مكتسبة، وارتفعت الأصوات في المجلس وهاج الناس بين مؤيد للتهمة ونافٍ لها، وخاضوا في هذا الخبر على كل وجه، حتى كتب خصوم ابن حبان محضرًا بالواقعة وحكموا عليه فيه بالزندقة ومنعوا الناس من الجلوس إليه، وهُجر الرجل بشدة، وبالغوا في أذية ابن حبان وتمادوا في ذلك حتى كتبوا في أمر قتله وهدر دمه إلى الخليفة العباسي وقتها، فكتب بالتحري عن الأمر وقتله إن ثبتت عليه التهمة.

وبعد أخذ ورد اتضحت براءة ابن حبان ولكنهم أجبروه على الخروج من نيسابور إلى سجستان. وهناك وجد أن الشائعات ما زالت تطارده والتهمة ما زالت تلاحقه. وتصدى له أحد الوعاظ هناك واسمه يحيى بن عمار وظل يؤلب عليه حتى خرج من سجستان وعاد إلى بلده "بست"، وظل بها حتى مات.

مصادر:

كتاب "سير أعلام النبلاء" – الإمام الذهبي.

كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" – الإمام المزي.

كتاب "تهذيب التهذيب" – الإمام ابن حجر العسقلاني.

كتاب "ترويض المحن: دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة" - دار الصفوة بالقاهرة.

إعلان

إعلان

إعلان