"سُلطان العلماء".. العز بن عبدالسلام الذي دُفن في البساتين وتحوّل قبره إلى أطلال

03:49 م الأحد 07 أكتوبر 2018

كتب – هاني ضوه :

هناك في منطقة البساتين، وتحديدًا بالقرب من جبانة التونسي وجبانة الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه، يوجد قبر متهدم وخرب لم يبق منه إلا أطلال عبارة عن حجارة منهارة.. إنه قبر سلطان العلماء وعز الرجال وبائع السلاطين الإمام العز بن عبدالسلام الذي تحول قبره إلى كومة من الأحجار المفككة، رغم مكانته العلمية والتاريخية الكبيرة، ليصبح في خبر "كان".

جدير بالذكر أن قبر العز بن عبدالسلام لم يُسجل كأثر إسلامي، بحجة أنه فقير من الناحية المعمارية والأثرية ولا توجد به أي عناصر إنشائية مميزة، وأنه عبارة عن تركيبة معمارية يحيط بها سور، وبالتالي لا يوجد فيه ما يجعله مؤهلاً للتسجيل كأثر إسلامي، خاصة أن المنطقة كلها مسجلة كأرض إخضاع، حسبنا أكد الدكتور مختار الكسباني أستاذ الآثار الإسلامية ومستشار المجلس الأعلى للآثار.

ولعل أصحاب هذه الحجة قد نسوا القيم العلمية والتاريخية للعز بن عبدالسلام، كما أن هذا القبر قد أنشئ في عصر الدولة الأيوبية ويتخطى عمره الألف عام، ووصفته الدكتورة سعاد ماهر في كتابها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون" إنه يشبه إلى حد كبير من الناحية المعمارية القباب التي أقيمت في أوائل العصر المملوكي مثل قبة شجرة الدر، وقبة الأشرف خليل بن قلاوون، وقبة الخلفاء العباسيين، وكلها ترجع إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري.

ويتكون الضريح من مربع كبير يبلغ طول ضلعه 15 مترًا، ومن المرجح أنه كان مغطى بقبة مرتفعة، يوجد في حائط القبة 5 محاريب أكبرها يتوسط الحائط واثنان على كل جانب وفي وسط الضريح مقبرة عليها بناء مرتفع، لعله كان مغطى بتابوت خشبي كما هي العادة في هذا الوقت.

وفي التقرير التالي يرصد مصراوي أبرز المعلومات التاريخية عن الفقيه الشيخ العز بن عبد السلام:

كان العز بن عبدالسلام- رحمه الله- من أشهر فقهاء عصره والعصور التي تليه إلى يومنا هذا، نظرًا لمصنفاته المهمة ومواقفه البطولية في مواجهة التتار، ومواجهة ظلم الحكام.

وذكرت كتب التراجم والسير والطبقات ومنها كتاب "البداية والنهاية" للإمام ابن كثير وكتاب "سير أعلام النبلاء" وكتاب "العز بن عبد السلام: سلطان العلماء وبائع الملوك" للدكتور محمد الزحيلي الكثير من سيرة الإمام العز بن عبدالسلام والأحداث التاريخية التي شارك فيها فذكروا أنه ولد في الشام وتلقى العلم على يد كبار علماء عصره فبرع في الفقه والأصول والتفسير واللغة العربية، حتى انتهت إليه رياسة المذهب الشافعي، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصد بالفتاوى من كل مكان.. فاستحق لقب "سلطان العلماء" كما أطلقه عليه تلميذه ابن دقيق العيد.

وظل في الشام يدرس ويفتي ويصنف المؤلفات المهمة، كما تولى العديد من المناصب العامة في القضاء والخطابة في مساجد دمشق، إلى أن هاجر إلى القاهرة وهو في سن الستين من عمره، وقد سبقته شهرته العلمية وغيرتُه الدينية وعظمته الخلُقية- فاستقبله سلطان مصر نجم الدين أيوب وأكرمه وولاه الخطابة في جامع عمرو بن العاص أكبر مساجد مصر وأهمها في ذلك الوقت، كما قلّده منصب قاضي قضاة مصر.

والتف حوله علماء مصر وعرفوا قدره، وبالغوا في احترامه.. فامتنع عالم مصر الجليل الشيخ زكي الدين المنذري عن الإفتاء بحضوره احتراماً له وتقديراً لعلمه، فقال: "كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعيّن فيه".

ولأنه كان لا يخاف في الحكم لومة لائم، ورغم أن السلطان نجم الدين أيوب قد أكرمه وولاه المناصب، فإنه مع ذلك عندما حاول السلطان التدخل في القضاء طالبه بعدم الاقتراب من القضاء لأنه ليس من شأن السلطان، وعندما لم يستجب له قام العز بن عبدالسلام فجمع أمتعته ووضعها على حماره ثم قال: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ويقال إنّه تجمّع أهل مصر حوله، واستعدّ العلماء والصلحاء للرحيل معه، فخرج الملك الصالح يترضّاه، وطلب منه أن يعود وينفذ حكم الشرع.

وبعد وصول قطز إلى مصر، وبدأ خطر التتار في الاقتراب من مصر بعد أن عاثوا في الأرض الفساد وصلت أخبار فظائعهم، كان للإمام العز بن عبد السلام دور بطولي في مواجهتهم بحث السلطان على حشد الجيوش لمواجهة التتار، وكان الأمر يتطلب الكثير من الأموال، فقرر حينها قطز أن يفرض ضرائب جديدة على المصريين.

حينها وقف العز بن عبدالسلام في وجهه وطالبه ألا يأخذ شيئًا من الناس إلا بعد فراغ خزائن بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم المقادير التي تتناسب مع غناهم حتى يتساوى الجميع في الإنفاق على الجيش، ولم يجد قطز مفرًا من تنفيذ كلام الإمام العز بن عبدالسلام.

وفي سنة 660 هجريًا توفي الإمام العز بن عبدالسلام بعد تاريخ حافل من العلم والجهاد على كافة المستويات، ليدفن في قبره الموجود الآن بسفح المقطم في منطقة البساتين، ليعاني قبره من التهدم والإهمال الشديد دون تحرك من أحد لترميم قبر سلطان العلماء الذي أفنى حياته في العلم والجهاد.

إعلان

إعلان

إعلان