بعد أكثر من 20 عاما قضتها في مهنة الطب، قررت طبيبة صينية في الـ48 من عمرها ترك العمل الطبي والاتجاه إلى مجال مختلف تماما، بافتتاح متجر لبيع الكعك المعروف في الصين بـ"الخبز المحشو المطهو على البخار"، بحثا عن حياة أقل ضغطا وأكثر سعادة.
وبحسب صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست، تركت دونج مين، وهي طبيبة متخصصة في أمراض النساء، مهنتها عام 2023، بعد سنوات من العمل الطبي، لتبدأ مشروعها الخاص في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي الصينية.
وقالت دونج، في تصريحات لصحيفة "تشانججيانج ديلي"، إنها كانت تفكر في ترك الطب كثيرا خلال فترة عملها طبيبة، مضيفة: "الآن، إدارة متجر للخبز تجعلني مشغولة ومتعبة، لكنني سعيدة جدا لدرجة أنني لا أستطيع التوقف".
ضغوط المهنة دفعتها إلى الرحيل
تخرجت دونج من كلية الطب بجامعة ووهان عام 1999، وبدأت حياتها المهنية طبيبة لأمراض النساء في مدينة شنتشن، قبل أن تعود إلى ووهان لمساعدة والدتها في إدارة عيادة خاصة.
وبعد تقاعد والدتها، أغلقت العيادة وعادت الاثنتان إلى مسقط رأسهما في مدينة تيانمن بمقاطعة هوبي، حيث عملت دونج طبيبة وممثلة قانونية لأحد المستشفيات المجتمعية الصغيرة.
وأوضحت الطبيبة أن عملها كان يفرض عليها ضغوطا نفسية كبيرة، إذ لم تكن مسؤولياتها تقتصر على علاج المرضى، وإنما شملت أيضا التعامل مع العديد من المهام غير الطبية، إلى جانب عمليات التفتيش المتكررة التي تجريها جهات حكومية مختلفة.
وأضافت أن العلاقة بين المستشفيات والمرضى تكون في كثير من الأحيان متوترة في الصين، مشيرة إلى أنها كانت تتحمل المسؤولية كاملة عن النزاعات الطبية بحكم كونها الممثلة القانونية للمستشفى.
استقالة مفاجئة وتحول إلى صناعة الخبز
بدأ اهتمام دونج بمشروع المخبوزات عام 2023، بعدما استلهمت الفكرة من صديق كانت عائلته تمتلك متجرا مشابها.
وفي البداية، استثمرت الطبيبة في أحد متاجر الخبز المحشو، لكن مغادرة الطاهي المسؤول عن إعداد المنتجات بشكل مفاجئ دفعتها إلى تعلم المهنة بنفسها.
وسرعان ما أتقنت دونج صناعة الخبز المحشو، واكتشفت أنها تستمتع بالعمل، قبل أن تقرر التخلي نهائيا عن مسيرتها الطبية والتفرغ لإدارة المتجر.
ورغم أنها تعمل أكثر من 10 ساعات يوميا، تقول دونج إنها لم تعد تشعر بالضغط النفسي الذي كانت تعانيه خلال عملها في المجال الطبي.
"لا أهتم بما يعتقده الآخرون"
في البداية، عارضت عائلة دونج قرارها، خاصة أن مهنة الطب تحظى تقليديا بمكانة اجتماعية مرموقة في الصين.
لكن الطبيبة تمسكت بقرارها، قائلة: "أوشك على بلوغ الخمسين، وقد مررت بالكثير من التجارب. لا أهتم بما يعتقده الآخرون عني. أريد فقط أن أعيش الحياة التي أحبها وأن أعيش من أجل نفسي".
ومع مرور الوقت، بدأت والدتها وشقيقها في دعم قرارها، وكانا يساعدانها أحيانا في المتجر.
وقالت دونج: "لا توجد إجابة واحدة للحياة، ولم يفت الأوان أبدا لإجراء تغيير"، معربة عن أملها في الاستمرار في إدارة متجرها حتى تصبح غير قادرة على الحركة.
تجربة تعكس أزمة أوسع بين الأطباء
وتأتي تجربة دونج في ظل ما وصفه تقرير الصحيفة باتجاه متزايد بين بعض العاملين في القطاع الطبي بالصين إلى ترك وظائفهم والانتقال إلى أعمال يعتبرها البعض أقل مكانة اجتماعية، في محاولة للتعامل مع الضغوط المرتبطة بالمهنة.
وفي عام 2024، ترك طبيب آخر عمله بعد 13 عاما في مختبر سريري بأحد المستشفيات الكبرى في مدينة ييوو بمقاطعة تشجيانغ، واتجه إلى إدارة عربة لبيع الوجبات الخفيفة في الشوارع، مشيرا إلى أن دخله من المشروع تجاوز بشكل كبير راتبه السابق الذي كان يقل عن 10 آلاف يوان شهريا.
ونقلت الصحيفة عن حساب "شينج لين يوان كوميونيتي"، المتخصص في شؤون الأطباء الصينيين، أن العاملين في القطاع الطبي لا يعانون الإرهاق الجسدي فحسب، وإنما يواجهون أيضا احتراقا نفسيا، معتبرا أن الأمر يرتبط بمشكلة هيكلية في القطاع وليست مرتبطة بالأفراد فقط.
وأشار الحساب إلى أن الأطباء يواجهون مهام غير طبية متواصلة ومخاطر مرتبطة بشكاوى المرضى، في حين لا يعكس دخلهم حجم التعليم والجهد الذي يتطلبه العمل الطبي.
اقرأ أيضا:
لماذا تشعر أنك تعرف بعض الأشخاص من أول لقاء؟ اعرف السر