قبل فرويد بآلاف السنين.. كيف عالج المصريون القدماء الأمراض النفسية؟
كتب : أميرة حلمي
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
-
عرض 5 صورة
في الوقت الذي يعتقد فيه كثيرون أن دراسة الأمراض النفسية بدأت مع الطب الحديث وعلم النفس في القرنين التاسع عشر والعشرين، تكشف برديات مصرية عمرها أكثر من 3500 عام أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الشعوب التي حاولت فهم الاضطرابات النفسية والعاطفية وتشخيصها وعلاجها.
ما هي بردية إيبرس؟
بردية إيبرس واحدة من أهم وأشهر الوثائق الطبية التي وصلتنا من الحضارة المصرية القديمة، ويرجع تاريخها إلى نحو عام 1550 قبل الميلاد. وتكتسب البردية أهمية خاصة لكونها من أقدم السجلات الطبية المعروفة، إذ لا تقتصر على وصف الأمراض الجسدية وطرق علاجها، بل تتضمن أيضًا إشارات مبكرة إلى الاضطرابات النفسية والعقلية.
وأوضح الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين، في تصريح لـ مصراوي، أن البردية تتألف من 110 صفحات يبلغ طولها نحو 21 م وعرضها 30 سم، وتضم ما يقرب من 700 وصفة علاجية تناولت أمراضًا متعددة، مع شرح أعراضها وطرق فحصها وعلاجها.
وتشمل هذه الوصفات علاجات للحروق والجروح وعضات التماسيح، إلى جانب أمراض أخرى مثل داء السكري، وبعض الأمراض النسائية، ووسائل منع الحمل.
وأضاف "شاكر" أن البردية عُثر عليها في الأقصر عام 1863، وسُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى عالم المصريات الألماني جورج إيبرس، الذي اشتراها عام 1872 ونقلها إلى جامعة لايبزيج الألمانية، حيث لا تزال محفوظة حتى اليوم، وقد تُرجمت إلى العديد من اللغات وأصبحت مرجعًا مهمًا لدراسة الطب.
كتاب القلب.. أول سجل نفسي في التاريخ
تحتوي بردية إيبرس على قسم يُعرف باسم "كتاب القلب" أو Book of Hearts، وهو من أقدم النصوص التي تناولت العلاقة بين المشاعر والسلوك والحالة الصحية.
وكان المصريون القدماء يعتقدون أن القلب ليس مجرد عضو لضخ الدم، بل هو مركز التفكير والذاكرة والمشاعر والإدراك. ولذلك ربطوا بين اضطرابات القلب وبين الاضطرابات النفسية والعاطفية.
وتشير دراسات منشورة في المجلة الأمريكية للطب النفسي (American Journal of Psychiatry) إلى أن بعض الأوصاف الواردة في البردية يمكن تفسيرها اليوم على أنها حالات تشبه الاكتئاب واضطرابات المزاج والقلق. فقد وردت نصوص تصف شخصًا "حزين القلب" أو "بائس القلب" أو "فاقد الاتزان"، وهي أوصاف يرى باحثون أنها تمثل محاولات مبكرة لفهم المعاناة النفسية.
الاكتئاب والخرف في مصر القديمة
تكشف الترجمات الحديثة لبردية إيبرس أن المصريين القدماء سجلوا حالات يمكن مقارنتها بما يُعرف اليوم بالاكتئاب والخرف واضطرابات الذاكرة، وهو ما يعكس اهتمامًا مبكرًا بفهم الاضطرابات النفسية والعقلية وتوثيق أعراضها.
ولم يكن المصريون القدماء يفصلون بين المرض النفسي والمرض الجسدي كما يحدث في الطب الحديث، بل كانوا ينظرون إلى صحة الإنسان باعتبارها وحدة متكاملة. لذلك عُوملت أعراض مثل الحزن الشديد، وفقدان الذاكرة، والاضطراب العقلي باعتبارها حالات مرضية تستوجب العلاج والرعاية.
كيف عالج المصريون القدماء المرض النفسي؟
اعتمد العلاج النفسي في مصر القديمة على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: العلاج بالأعشاب والعقاقير
تضمنت بردية إيبرس مئات الوصفات النباتية التي استُخدمت لعلاج مختلف الأمراض. وتشير بعض النصوص إلى خلطات مكونة من النباتات والعسل لعلاج ما وُصف بأنه "نسيان العقل" أو "شرود الذهن" أو "اضطراب الفكر".
وكان العسل عنصرًا أساسيًا في العديد من الوصفات بسبب خصائصه العلاجية، كما استُخدمت نباتات عطرية وأعشاب متنوعة اعتقد المصريون أنها تساعد على استعادة التوازن الجسدي والنفسي.
ثانيًا: العلاج الروحي والديني
كان الدين جزءًا أساسيًا من الممارسة الطبية في مصر القديمة، إذ اعتقد المصريون أن بعض الأمراض قد تكون مرتبطة بقوى خفية أو أرواح شريرة، لذلك اعتمدوا على التعاويذ والصلوات والطقوس الدينية إلى جانب الأدوية والعلاجات التقليدية.
وأوضح الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين، أن المعابد كانت تضم حجرات مخصصة للعلاج الروحي، حيث كان المرضى يتلقون جلسات تعتمد على الموسيقى والإنشاد واستخدام العطور، بهدف تحقيق الراحة النفسية واستعادة التوازن الداخلي. ويُعد معبد دندرة من أشهر المعابد التي ارتبطت بمثل هذه الممارسات العلاجية.
ثالثًا: الدعم الاجتماعي والبيئي
المعابد والمراكز الدينية أدت دورًا مشابهًا لما نطلق عليه اليوم "العلاج النفسي الداعم". فقد كان المرضى يلجؤون إلى الكهنة والمعالجين طلبًا للنصيحة والطمأنينة والتوجيه الروحي.
اقرأ أيضا: