في واقعة تبدو وكأنها مشهد من حكايات الخيال، يثير نوع من الفطر اهتمام العلماء بعدما ارتبط تناوله بظهور مشاهد غريبة في أذهان بعض الأشخاص، تتمثل في رؤية مئات الشخصيات البشرية الصغيرة، تتحرك وتتسلق الأثاث وتتنقل بين الأشياء المحيطة بهم، وكأنها موجودة بالفعل في العالم الحقيقي.
الفطر، الذي يحمل الاسم العلمي Lanmaoa asiatica، ينمو في مناطق من آسيا، ويشتهر في مقاطعة يونان جنوب غربي الصين بوصفه أحد أنواع الفطر المأكولة والمحببة لدى السكان، لكنه قد يسبب هلوسات بصرية غير مألوفة عند تناوله نيئًا أو غير مطهو جيدًا، وفقًا لمعلومات نشرها باحثون من جامعة يوتا الأمريكية.
كيف تبدو هذه الهلوسة الغريبة؟
لا يقتصر الأمر، بحسب الروايات التي وثّقها الباحثون، على رؤية نقاط أو ظلال عابرة؛ إذ يصف بعض الأشخاص مشاهد واضحة لشخصيات صغيرة ترتدي ملابس زاهية، وتشبه الأقزام أو الجنيات، وتتحرك داخل البيئة المحيطة بهم.
وقد تبدو هذه الشخصيات وكأنها تتعامل مع الأشياء الحقيقية؛ فتسير حولها أو تتسلقها، بل وردت روايات عن أشخاص رأوا كائنات صغيرة تقفز من الملعقة إلى طبق الحساء. وتُعرف هذه الظاهرة طبيًا باسم هلوسات ليليبوت (Lilliputian hallucinations)، نسبة إلى سكان ليليبوت متناهيي الصغر في رواية «رحلات جاليفر»، بحسب live scince.
لغز علمي يعود إلى قرابة قرن
لم تبدأ القصة مؤخرًا؛ إذ تعود تقارير عن تجارب مشابهة إلى عام 1934، عندما سمع باحثون عن أشخاص في بابوا غينيا الجديدة شاهدوا شخصيات بشرية صغيرة بعد تناول أنواع من الفطر البري.
وعادت الظاهرة إلى الاهتمام العلمي في تسعينيات القرن الماضي، مع ورود تقارير من مقاطعة يونان الصينية. وفي السنوات الأخيرة، ظهرت روايات مشابهة من شمال الفلبين، ما دفع الباحثين إلى فحص عينات الفطر وتحليل حمضها النووي لتحديد هويتها.
وفي دراسة نُشرت عام 2026 في دورية Mycologia، استخدم الباحثان كولين دومناور وبراين دينتنجر، من جامعة يوتا ومتحف التاريخ الطبيعي في يوتا، التحليل الجيني للتوصل إلى أن الفطر المعروف في الصين باسم «جيان شو تشينغ» والفطر المتداول محليًا في الفلبين باسم «سيديسديم» ينتميان إلى النوع نفسه، Lanmaoa asiatica.
لماذا يسبب الفطر رؤية أشخاص صغار؟
هنا تكمن المفاجأة؛ فحتى الآن، لم يتمكن العلماء من تحديد المادة الكيميائية المسؤولة عن هذه الهلوسات على وجه الدقة.
وأظهر تحليل جيني شمل عينات من جنس Lanmaoa عدم وجود تطابقات قريبة مع الجينات المرتبطة بإنتاج بعض المواد المعروفة بتأثيرها المهلوس، مثل السيلوسيبين. لذلك، يرجّح الباحثون احتمال وجود مركب كيميائي غير معروف حتى الآن، لكنهم لم يعزلوه أو يحددوا تركيبه بصورة قاطعة.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أن فهم المركب المسؤول عن هذه التجربة البصرية غير المعتادة قد يساعد مستقبلًا في دراسة كيفية تشكّل الصور التي يراها الإنسان، وآليات حدوث بعض أنواع الهلوسة.
هل يمكن تناول هذا الفطر بأمان؟
يحذّر الباحثون من التعامل مع الفطر البري اعتمادًا على شكله أو سمعته الشعبية؛ إذ إن التمييز بين الأنواع المتشابهة قد يكون صعبًا، كما أن تناول Lanmaoa asiatica دون طهي كافٍ ارتبط بحدوث الهلوسات، إلى جانب الإبلاغ عن الدوار واضطرابات جسدية أخرى.
ولا تزال المادة المسؤولة عن هذه التأثيرات قيد البحث؛ لذلك لا ينبغي تجربة هذا الفطر بغرض اختبار الهلوسة، كما لا يجوز اعتبار المعلومات المتاحة ضمانًا لسلامته عند الطهي أو تناوله.