قد تبدأ رحلة إنقاص الوزن بين زوجين أو شريكين في الوقت نفسه، ويلتزم كلاهما بالنظام الغذائي والتمارين الرياضية، لكن النتائج قد تبدو مختلفة تماما، إذ يلاحظ الرجل انخفاضا سريعا في وزنه خلال الأسابيع الأولى، بينما تجد المرأة أن الميزان لا يتحرك بالسرعة نفسها، أو قد يسجل زيادة مؤقتة رغم التزامها.
هذا التفاوت ليس بالضرورة نتيجة اختلاف قوة الإرادة أو درجة الالتزام، بل يرتبط بمجموعة من العوامل البيولوجية والفسيولوجية التي تجعل استجابة جسم الرجل لفقدان الوزن مختلفة عن استجابة جسم المرأة.
وتلعب طبيعة الكتلة العضلية، ومستويات الهرمونات، ومعدلات حرق الطاقة، وتوزيع الدهون في الجسم دورا أساسيا في تفسير هذا الاختلاف، وهو ما يطرح تساؤلا مهما: لماذا يتمكن الرجال غالبا من خسارة الوزن بوتيرة أسرع؟ وكيف تستطيع النساء تحسين نتائجهن دون الوقوع في فخ المقارنة؟.
الكتلة العضلية تمنح الرجال أفضلية في حرق السعرات
الاختلافات في تكوين الجسم من أبرز العوامل التي تفسر سرعة فقدان الوزن لدى الرجال، إذ يمتلكون في المتوسط كتلة عضلية أكبر مقارنة بالنساء، وهو ما ينعكس على معدل استهلاك الجسم للطاقة، بحسب eatingwell.
وتوضح ميليسا ميتري، أخصائية التغذية، أن زيادة الكتلة العضلية ترتبط بارتفاع معدل الأيض، ما يجعل الجسم يستهلك سعرات حرارية أكثر حتى خلال فترات الراحة، فضلا عن الطاقة التي يحتاجها أثناء ممارسة النشاط البدني.
كما أن الرجال غالبا ما يمتلكون وزنا إجماليا أكبر، وبالتالي يحتاجون إلى سعرات حرارية أكثر للحفاظ على وظائف الجسم ووزنه.
ويمكن توضيح ذلك بمثال حسابي، فإذا كان احتياج الرجل اليومي 2300 سعرة حرارية، مقابل 1900 سعرة للمرأة، وبدأ الاثنان اتباع نظام غذائي يوفر 1800 سعرة يوميا، فسيكون العجز الحراري لدى الرجل 500 سعرة، مقابل 100 سعرة فقط لدى المرأة، ما قد يؤدي إلى اختلاف سرعة نزول الوزن.
التستوستيرون وتأثيره في بناء العضلات والتمثيل الغذائي
يمثل هرمون التستوستيرون أحد العناصر المهمة في تفسير الفروق بين الجنسين عند محاولة التخلص من الوزن الزائد، إذ يرتبط بتكوين العضلات وتنظيم عمليات التمثيل الغذائي وتوزيع الدهون.
وتكون مستويات هذا الهرمون لدى الرجال أعلى بكثير من النساء، إذ تتراوح عادة بين 300 و1000 نانوجرام لكل ديسيلتر لدى الرجال، مقابل نحو 15 إلى 70 نانوجراما لدى النساء.
وتشير ميتري إلى ارتباط ارتفاع مستويات التستوستيرون بانخفاض نسبة الدهون في الجسم، وهو ما يفسر جزئيا اختلاف طبيعة تكوين الجسم بين الرجال والنساء، ويمنح الرجال أفضلية نسبية في بعض مراحل فقدان الوزن.
التقلبات الهرمونية قد تعرقل تقدم النساء
لا تتوقف الاختلافات عند معدلات حرق السعرات، بل تمتد إلى التغيرات الهرمونية التي تمر بها النساء، والتي قد تؤثر في الشهية والرغبة في تناول الطعام والشعور بالجوع واحتباس السوائل.
وتوضح هيلين تيو، أخصائية التغذية، أن التغيرات الهرمونية المتكررة، خاصة المرتبطة بالدورة الشهرية، قد تجعل التحكم في الشهية والوزن أكثر تعقيدا.
كما تشير بعض الأبحاث إلى وجود اختلافات في مستويات هرمون الجريلين، المعروف بدوره في تحفيز الإحساس بالجوع، بين الرجال والنساء، وهو ما قد يؤثر في أنماط تناول الطعام وتنظيم الشهية.
اختلاف توزيع الدهون يؤثر في سرعة فقدانها
على الرغم من أن النساء يمتلكن في المتوسط نسبة دهون إجمالية أعلى من الرجال، فإن أماكن تخزين الدهون تختلف بين الجنسين.
فالرجال يميلون إلى تخزين نسبة أكبر من الدهون الحشوية، وهي الدهون الموجودة في أعماق منطقة البطن وحول الأعضاء الداخلية، بينما ترتفع لدى النساء نسبيا نسبة الدهون الموجودة تحت الجلد.
وتعد الدهون الحشوية أكثر ارتباطا بالمخاطر الصحية، لكنها تتميز أيضا بنشاط أيضي أكبر، وقد يستجيب جزء منها بصورة أسرع لنقص السعرات الحرارية.
وتقول "ميتري" إن هذه الدهون تكون أقل استقرارا وأكثر نشاطا من الدهون الموجودة تحت الجلد، ما يجعل الجسم أكثر قابلية لاستخدامها كمصدر للطاقة خلال مرحلة فقدان الوزن.
وأظهرت إحدى الدراسات أن الرجال والنساء الذين اتبعوا نظاما غذائيًا محدد المدة لمدة ستة أسابيع تمكنوا من خسارة الوزن، لكن الانخفاض الملحوظ في الدهون الحشوية ظهر لدى الرجال فقط.
كما يلعب التقدم في العمر دورا في هذه الاختلافات، إذ تتغير أنماط توزيع الدهون لدى النساء بعد انقطاع الطمث، نتيجة التحولات الهرمونية التي قد تزيد من تراكم الدهون في منطقة البطن.
كيف تستطيع النساء تحسين نتائج فقدان الوزن؟
رغم الاختلافات البيولوجية، فإن فقدان الوزن وتحسين تكوين الجسم ليسا هدفين مستحيلين أمام النساء، بل يمكن تحقيق نتائج جيدة من خلال تعديلات مدروسة في النظام الغذائي والنشاط البدني والعادات اليومية.
وفيما يلي مجموعة من الاستراتيجيات التي يوصي بها خبراء التغذية:
إدخال تمارين المقاومة إلى الروتين الرياضي
قد يساعد بناء العضلات على زيادة استهلاك الجسم للطاقة، لذلك لا ينبغي الاعتماد على تمارين المشي والجري والأنشطة الهوائية وحدها.
وتشير ميتري إلى أن كثيرا من النساء يركزن على تمارين الكارديو بهدف حرق السعرات، رغم أهمية تمارين القوة في زيادة الكتلة العضلية وتحسين معدل الأيض.
وتوصي بممارسة تمارين المقاومة مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيا على الأقل، مع استهداف المجموعات العضلية الرئيسية، بما يساعد على الحفاظ على العضلات وتحسين تكوين الجسم خلال رحلة فقدان الوزن.
الاهتمام بمصادر البروتين
لا تقتصر أهمية البروتين على بناء العضلات، بل يساعد أيضا على الشعور بالشبع لفترات أطول، والحفاظ على الكتلة العضلية، وتنظيم مستويات السكر في الدم.
كما يحتاج الجسم إلى طاقة أكبر لهضم البروتين مقارنة بالكربوهيدرات والدهون، وهو ما يساهم في زيادة استهلاك السعرات خلال عملية الهضم.
وتوصي ميتري بتناول ما يتراوح بين 1.2 و1.6 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميا، أي نحو 90 إلى 120 جراما لشخص يبلغ وزنه 77 كيلوجراما، وفقا للاحتياجات الفردية.
ومن أبرز المصادر التي يمكن الاعتماد عليها صدور الدجاج والديك الرومي والأسماك والبيض والزبادي اليوناني والجبن القريش، إلى جانب الفاصوليا والمكسرات والبذور.
زيادة الأطعمة الغنية بالألياف
تلعب الألياف الغذائية دورا مهما في التحكم بالشهية ودعم فقدان الوزن، إذ تبطئ عملية الهضم وتساعد على استمرار الإحساس بالامتلاء.
كما تساهم في تحفيز إفراز بعض الهرمونات المرتبطة بالشبع، مثل الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-1، المعروف باسم GLP-1.
وعندما تصل الألياف إلى الأمعاء الغليظة، تتفاعل معها البكتيريا النافعة وتنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة، تساعد بدورها على تحفيز إشارات الشبع.
ويعد استهلاك نحو 25 جراما من الألياف يوميا للنساء و38 جراما للرجال من الأهداف الغذائية المقترحة، ويمكن الحصول عليها من الخضروات والفواكه والبقوليات والشوفان والكينوا والأرز البني ومنتجات الحبوب الكاملة.
متابعة النظام الغذائي والنشاط اليومي
قد يكون عدم الانتباه إلى بعض العادات اليومية سببا في تعثر نتائج فقدان الوزن، لذلك تنصح ميتري بتسجيل الوجبات والأنشطة الرياضية، سواء من خلال التطبيقات الإلكترونية أو تدوينها على الورق.
وتساعد هذه الطريقة على اكتشاف مصادر السعرات التي قد لا ينتبه إليها الشخص، فضلا عن التعرف على أنماط غذائية غير مناسبة، مثل تخطي الوجبات ثم تناول كميات كبيرة من الطعام في وقت لاحق.
ولا يشترط الاستمرار في تسجيل كل التفاصيل مدى الحياة، إذ يمكن استخدام هذه الخطوة لفترة محددة بهدف زيادة الوعي بالعادات الغذائية وتصحيح السلوكيات التي تعوق التقدم.
تجنب مقارنة النتائج بالآخرين
من المهم إدراك أن معدلات فقدان الوزن تختلف من شخص إلى آخر، حتى عند اتباع النظام الغذائي نفسه وممارسة التمارين ذاتها.
وتؤكد "ميتري" أن لكل شخص طبيعة جسم وظروفا ومعدل أيض مختلفا، ولذلك فإن مقارنة النتائج بين المرأة وشريكها قد تؤدي إلى الإحباط وفقدان الحافز دون أن تعكس بالضرورة مدى نجاح التجربة.
والأفضل هو متابعة التغيرات الشخصية، والاهتمام بتحسين العادات الغذائية وزيادة النشاط البدني والحفاظ على الكتلة العضلية، بدلا من التركيز على الأرقام التي يحققها الآخرون على الميزان.