"الميكروبيوتا" تريليونات الكائنات الحية الدقيقة تسكن أجسامنا.. فما القصة؟

03:00 ص الإثنين 01 يوليه 2019
 "الميكروبيوتا" تريليونات الكائنات الحية الدقيقة تسكن أجسامنا.. فما القصة؟

"الميكروبيوتا" تريليونات الكائنات الحية الدقيقة تس

مصراوي:

تستضيف أجسامنا تريليونات الكائنات الحية الدقيقة، التي يفوق عدد خلاياها خلايا الجسم نفسه. وتتكوَّن هذه من البكتيريا والفيروسات والأركيا والفطريات واليوكاريوت الدقيقة، وتُعرف مجتمعةً باسم "الميكروبيوتا"، في حين يُستخدم المصطلح "ميكروبيوم" لوصف الكائنات الحية الدقيقة، بالإضافة إلى عناصر المضيف المستمدة من مكوّنات البيئة التي تعيش فيها هذه الكائنات الحية الدقيقة، حسب ما جاء بموقع "العربية".

ويكتسب الميكروبيوم أهمية متزايدة نظراً للدور الذي تقوم به مكوّناته، من الكائنات الحية الدقيقة، وتفاعلها مع بيئات الجسم المختلفة سلباً على الصحة من ناحية، وإيجاباً من ناحية ثانية كالاعتماد عليها في هضم الطعام، وإنتاج بعض الفيتامينات، وتنظيم جهاز المناعة، وحماية بعض أنواعها الحميدة لنا من بعضها الآخر المسبب للأمراض، وغير ذلك.

الميكروبيوم جهاز غير ذاتي، يعتبره جهاز المناعة جسماً غريباً، مما يطرح تساؤلاً حيوياً حول حقيقة العلاقة بين مختلف أنظمة الجسم الحيوية، وكذلك بينها وبين ما تستضيف من كائنات حية. وقد أصبحت هذه المعرفة ضروريةً لمستقبل الرعاية الصحية وعلاج الأمراض.

والحال، أنه لفترة طويلة مضت تخطت القرن، لم يكن هناك إجماع بين العلماء حول تعريف هذه العلاقة. ولما ساد الرأي أنها علاقة تكافلية، اختلفت الآراء حول ماهية التكافلية. ولكن الأبحاث البيولوجية الجديدة والتطور الكبير في التكنولوجيا المرتبطة بها، أدت إلى توسع المفاهيم حول هذه العلاقة وطبيعتها متخطية الجدال السابق.

الميكروبيوم يتجاوز حدود التكافل

يُطلق على العلاقة التي تحكم التفاعل طويل الأمد بين كائنين حيَّين مختلفين اسم التكافل. وعندما تكون هذه العلاقة التكافلية مفيدةً لكليهما، تعرف باسم التبادلية، وعندما تكون مفيدة لواحد منهما، بينما يكون المضيف غير متأثر، تُعرف بالمعايشة. أخيراً، يمكن أن تكون العلاقة مفيدةً لواحدٍ، ولكنها ضارةٌ للمضيف، فتسمى عند ذلك علاقةً طفيلية؛ وهذه الأخيرة تسيطر بطريقة غير دقيقة على تصورنا التقليدي لنوع العلاقة بين الكائنات الحية الدقيقة والجسم البشري الذي تستعمره.

لا يمكن أن يقتصر نوع التفاعل بين الكائنات الحية الدقيقة وأجسامنا على واحد من المصطلحات الموصوفة أعلاه، لأن عوامل عديدة أخرى تحكمه، بما في ذلك الموقع التشريحي، والوضع الفسيولوجي للعضو المستعمَر، وكذلك وفرة أي من الكائنات الحية الدقيقة بالنسبة للآخرين.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن تسبِّب بعض البكتيريا المعايشة، التي تستعمر الجلد، التسمم الغذائي إذا ما تم تناولها، وعدوى مميتة عندما تصل إلى الدم. بينما تمنع الميكروبيوتا، الموجودة في القناة الهضمية، الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض من التوسع؛ ولكن القضاء عليها عن طريق المضادات الحيوية يخل بالتوازن ويؤدي إلى التهابات خطيرة.

نمو وتطوّر الميكروبيوم البشري

تظل الأجنّة معقَّمة طبيعياً حتى لحظة ولادتها من خلال قناة الولادة، حيث تتعرَّض للميكروبيوم المهبلي. هذا يمثل التأسيس المبكر لميكروبيومات هذه الأجنّة التي تستمر بالتطور خلال السنوات الأولى من الحياة متأثرة بالميكروبيوتا الموجودة في حليب الأم والكائنات الحية الدقيقة الموجودة في البيئة، كما تتأثر كذلك بالتعرُّض للمضادات الحيوية.

في وقت لاحق من الحياة، تصبح الميكروبيوتا لدينا أكثر استقراراً. لكنها تبقى عرضةً للتغييرات التي تفرضها عوامل مثل النظام الغذائي والإجهاد والتعرُّض للعقاقير. وفي الواقع، يُعدُّ التعرُّض المبكر لاستعمار الميكروبيوتا أمراً ضرورياً للتطور السليم لنظام المناعة لدينا. وقد وُجد أن الأطفال المولودين من خلال الولادة القيصرية، التي لا تتعرَّض للميكروبيوم في قناة الولادة، أكثر عرضةً لأمراض الأيض، والأمراض المتعلقة بالمناعة مثل السكري والسُّمْنة والحساسية والربو.

في هذا السياق، تم إثبات دورٍ وقائيٍ للميكروبيوتا ضد مرض السكري في النماذج الحيوانية التجريبية. وعلى العكس من ذلك، في حالة الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، مثل التصلب المتعدِّد والتهاب المفاصل الروماتويدي، تُعدُّ الميكروبيوتا دافعة للمرض في آلية غير مفهومة تماماً، لربما كانت من خلال تفاعل بين مستضدات وأجسام مضادة.

الميكروبيوتا والسرطان

ليس بعيداً عن دوره في صقل الجهاز المناعي، تمَّت ملاحظة دور الميكروبيوتا في تحفيز عملية توليد الأورام السرطانية. قد يكون هذا إما ثانوياً من الالتهابات المزمنة، أو من القدرة المباشرة لبعض الميكروبات على تحفيز إجهاد السمية الجينية (genotoxic stress)، الذي يغيِّر الإشارات داخل الخلايا في الخلايا المضيفة عن طريق المستقلبات (المنتجات الوسيطة لعملية الأيض) التي تنتجها. ومن الأمثلة على ذلك هي سرطانات المعدة التي يمكن أن تسببها العدوى المزمنة بمرض الهيليكوباكتر بيلوري، وسرطانات الجهاز الهضمي المرتبطة بالالتهاب الذي تحركه الكائنات الحية المعايشة، وكذلك سرطانات الجهاز الصفراوي (الذي يتكوَّن من الكبد والمرارة وقناة المرارة).

في موازاة ذلك، هناك أدلةٌ ناشئةٌ في النماذج الحيوانية على أن ميكروبيوتا الأمعاء الصحية يمكن أن تكون وقائية ضد بعض أنواع السرطان، كما هو الحال في الدم من خلال الحفاظ على سلامة حاجز الأمعاء. فعند الإصابة، يؤدي التسرب الجرثومي إلى التهاب مزمن يمكن أن يعزِّز تكوين الأورام السرطانية في خلايا الدم التي تحتوي على طفرات جينية محدَّدة.

الميكروبيوتا ومسببات الأمراض

بالإضافة إلى تنظيم الاستجابة المناعية، تدافع الميكروبيوتا عن غزو مسببات الأمراض عن طريق التنافس على البيئة الدقيقة والعناصر المغذية، أو من خلال تغيير حدّة جرثوميتها عن طريق المستقلبات التي تنتجها من معالجة الكربوهيدرات المعقَّدة. وإضافة إلى ذلك، يمكن للميكروبيوتا أن توجِد ظروفاً معادية لمسببات الأمراض من خلال معالجة مستويات الحموضة، كما هو الحال في الميكروبيوم المهبلي أو من خلال إنتاج جزيئات مضادة للميكروبات.

إعلان

إعلان

إعلان