في لمح البصر؛ تبدل وجه مترو "كييف" القديم الذي طالما جذب زوارًا له.
كان "أحمد" واحدًا من هؤلاء الزوار. فرغم أنه جاء بهدف دراسة الطب فقط واصطدم – كما يقول – بأوكرانيين غير ودودين على الإطلاق ويبحثون عن الأموال فقط؛ إلا أنه ارتبط بهذا البلد ومعالمه ومنها المترو: "كل شيء فيه جميل وقديم".
وهكذا "ماركو"، الذي يعتبر المترو وسيلته الأساسية في التنقل. فكلما استقله؛ كان يتأمل لوحاته التي تصور مشاهد من تاريخ المدينة.
لكن قِدم المحطات لم يكن في صالح "ماركو" الذي يحاول أن يدبِّر أمره داخلها هذه الأيام.
فيقف "ماركو" عدة طوابير منتظرًا دوره، ليملأ زجاجاته من خرطوم مياه يخرج من الأرض، أو ليمكنه دخول الحمام المزدحم. وإذا نقصه شيء؛ فيتبادل الأدوار مع أصدقائه للذهاب خارجًا أو البقاء بجانب أغراضهم: "نخشى السرقة في مثل هذه الأوقات.. فكل شيء لم يشعرنا بالراحة".
وبالنسبة لـ"كاتيا"؛ فكانت ترى أن محطة المترو التي تقيم فيها "أكثر راحة من تلك المحطات القديمة بكييف".. فتقول إنها محطة جديدة تحتوي على إنترنت جيد، مقابس كهرباء كثيرة، تلفزيونات حديثة، وثمة منفذ لشراء المعجنات الطازجة.
تتواصل "كاتيا" مع أصدقائها، والكثير منهم لم يأت إلى محطات المترو لامتلاكهم ملاجئ أسفل بيوتهم، التي يرجع أغلبها إلى وقت الحرب الباردة (الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي)، وبين هؤلاء نادية نادولشينا، وسيرهي راتيش.
4500
ملجأ بالعاصمة فقطتم تصنيفها في ديسمبر
2021 في ضوء الهجوم الروسي
نادية، التي تمتلأ حياتها بالأغاني والرقص لعملها مصممة رقاصات؛ تبلغ صديقتها أنه "منذ يوم 24 فبراير تبدلت حياتها.. فصباحها يبدأ بأصوات انفجارات واتصالات لأهلها تسألهم: هل أنتوا بخير؟".
تحاول "نادية" أن تفعل شيئًا ما لبلدها. لم يُمكنها مرضها هذه الأيام من التطوع وحمل السلاح الذي وزعت السلطات 18 ألف قطعة منه على متطوعين أو صناعة قنابل وزجاجات حارقة بات الناس يعرفون طريقتها من المنشورات.
لكنها ترى في منصات التواصل الاجتماعي وسيلتها لنشر أخبار مهمة وحقيقية، ولمساعدة ناس وجمع مساعدات مادية للجيش: "أريد السلام والحرية لبلدي.. نعم أنا خائفة لكن أحب أوكرانيا وأصدق أننا سننتصر".
أما صديقهما الثالث "سيرهي"، المختبئ في منزله مع أسرته؛ فيبقى على تواصل أكثر مع الطلاب الأجانب، وأغلبهم مصريون؛ فهو أستاذ بجامعة تاراس شفتشينكو الوطنية. يقول سيرهي في رسائله: "غزو روسيا كارثة مكتملة ضد العالم وكل القيم الموجودة منذ عقود". ويصف الرئيس الروسي بـ"الديكاتور المجنون".
لم تكن أوكرانيا حبيسة بمثل هذا الشكل طوال عهدها.
فكانت حجرالزاوية في الاتحاد السوفيتي حتى حصلت على استقلالها بعد انهياره عام 1991.
ومنذ ذلك الوقت؛ وظلت حائرة بين أوروبا الغربية من ناحية، وروسيا من الناحية الأخرى.
بحذر شديد؛ خرج "أحمد" من المترو مع اثنين من أصدقائه. توجه إلى بيته لحاجتهم لبعض الأشياء ولتجهيز الطعام الذي يقسمونه بكميات قليلة ليكفيهم؛ فالمتاجر إما مغلقة أو فارغة من المنتجات.
لكن سرعان ما اضطروا إلى العودة، فقد اقتربت ساعة الحظر وبدأ القصف على "خاركيف".
الطقس الذي تشتد برودته ليلاً؛ جعل مسـألة النوم في المترو صعبة ومرهقة.. فبمجرد أن انتهى الحظر في السادسة صباحا؛ ذهب "أحمد" وصديقاه إلى بيته مرة أخرى. حصلوا على ثلاث ساعات هادئة فقط للنوم، ثم عاد القصف مجددًا.
فتح أحمد الأخبار ليجد أربع صواريخ سقطت في أحياء سكنية قريبة منه: "المترو كان المكان الأكثر أمانًا لنا".
توالت عليهم أخبار الغزو التي لم تحمل لهم أي بشائر: مزيد من القتلي والتدمير.. مزيد من العقوبات على روسيا.. والمفاوضات لم تأت بجديد.
تبكي "كاتيا" كلما شاهدت هذه الأخبار. فالناس والأماكن والذكريات تذهب بضربة واحدة. لكن ما يجعلها تتحمل هو ما تراه من الناس حولها: "نحاول مساندة بعضنا وألا نستسلم للذعر.. جلب المتطوعون الكثير من الطعام لنا، في حين انفجرت الصواريخ الروسية فوقنا ودمرت بيوتنا ومدارسنا ومستشفياتنا والأماكن التاريخية لعاصمتنا".
بلغت الأحداث ذروتها بتقدم الجيش الروسي أكثر. يقول "أحمد" إنه وصل على أبواب محطة المترو في "خاركيف"، ثاني أكبر المدن الأوكرانية: "في تلك اللحظة حملنا أرواحنا على كفنا".
لم يبلغ أحد "ماركو" و"أحمد" بما عليهما فعله. اجتماع تلو اجتماع عبر الإنترنت عقدته وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج، نبيلة مكرم، معهما و60 مصريًا، ولم ينتهوا بخطة واضحة.
تقول لينا أبو النور التي تسكن "خاركيف" أيضًا، وتدرس لتصبح مدرسًا مساعدًا بكلية الطب، إن "الجالية المصرية تحاول مساعدتنا لكن الإمكانيات محدودة.. والوزيرة تطمئنا لكن دون وعد بالمساعدة".
أغلقت أبواب محطة المترو التي يجلس فيها "أحمد" وجلسوا علي أنوار خافتة.
الوضع يزداد صعوبة عليهم. فقبل أربع ساعات، انطلقت تحذيرات من انقطاع المياه. سارع "أحمد" بملء الزجاجات. لكنه وجد أن طعامهم نفد، ولا مكان ليصرف منه أموالًا. كما أنهم بحاجة إلى دواء لأحد أصدقائه الذي يعاني القولون.
ذلك يجري وفي الاتجاه الآخر يرسل الظباط الأوكران تنبيهات لهم بالإبلاغ عن أي شخص روسي.
وفي كييف؛ كانت حرب تدور في شوارعها.. ثم تعيد السفارة المصرية تأكيدها على أن الاشتباكات لا تسمح بالتحرك من المدن خاصة المقيمين فى المناطق الشرقية مثل "خاركيف".
لكن بحلول يومي 27 فبراير و28 فبراير؛ فقد وصل المترو إلى محطته الأخيرة معهم جميعًا. لم يعد بإمكانهم الاستماع والبقاء. يقول "أحمد": "إذا بقينا سنموت في أماكننا وتأتي طائرة الإجلاء تحمل جثث!".
بعد أسبوع قضته "كاتيا" وزوجها داخل المترو؛ قررت مغادرته. كذلك "ماركو"؛الذي فضل أن يذهب إلى ملجأ ببيت أحد أصدقائه؛ ليخططوا معًا لرحلة الهروب.
تحددت أقرب نقاط العبور من الحدود الأوكرانية على هذا النحو: بولندا والمجر وسلوفاكيا غربا، ورومانيا ومولدوفا من الجنوب الغربي. وأعلنت السفارة المصرية بكييف؛ أنها تنسق مع سفارتها هناك لتذليل العقبات أمام القادمين.
عند المغادرة على مسؤوليتهما؛ كان "أحمد" و"ماركو" مشتتين بين آراء من سبقوهم على هذه المسارات المختلفة.
في النهاية؛ استقر "أحمد" وأصدقاؤه على استقلال قطار بتذكرة تتكلف 30 دولارًا غير قطار الإجلاء المزدحم. على أن يذهب بهم إلى مدينة أوديسا، ومنها إلى الحدود الرومانية.
في حين يخشى "ماركو" أن يَصدق ما سمعه عن إعطاء الأفضلية لمغادرة الأوكران على حساب العرب. لكن على أي حال سيسلك الطريق أيضًا: قطارًا إلى مدينة لفيف ثم البحث عن حافلات تأخذهم للحدود الأقرب والأقل ازدحامًا.
بينما كانت "كاتيا" تعرف وجهتها وخطتها قبل الخروج من بوابة المترو. فستذهب إلى مولدوفا بحافلة إجلاء مع طلاب صينيين تعمل معهم.. ستحمل معها كل ما عايشته في لياليها تحت الأرض، والذي تعتقد أنه سيبقى طويلًا: "لايزال يدهشني كيف أن هذه الحرب الظالمة جعلت الناس متساوين في هذا الوضع!.. في المترو لم يعد يهم ما لديك من الأشياء والأصدقاء والمال والتعليم.. كان الجميع متساوين".
ستذهب "كاتيا" وخطتها هي العودة إلى بيتها في أقرب وقت ممكن إن لم ينل منه القصف.