قبل ثلاثة أشهر – في غرفة ذات جدران تقشر طلاؤها، تسند "سلمى" رأسها على ظهر سريرها، وتقلب في هاتفها بين مواقع التواصل، يجذبها ما ينشره المؤثرون دائمًا. عادة، تنعزل هكذا، بعيدة عن أسرتها لساعات طويلة. فوقعت أمامها منشورات أغرقت مجموعات "العمل من المنزل- للبنات فقط -موديل مصر" التي تتابعها، وكلها كانت تحمل المحتوى نفسه: "عمل من البيت، بمقابل مادي مجزي وسريع، والتواصل عبر التليجرام". أغرتها الفكرة: "لماذا لا تكسب دون أن تذهب إلى أي مكان، وتشتري ما تريده وتساعد والدها في مصاريف علاجه؟". قررت السؤال، فأخبرها الطرف الآخر عبر رسالة مكتوبة "أنها ستعمل موديل للملابس الصيفية والداخلية". ترددت قليلاً، قبل أن يقطع هو ذلك ويقنعها بأنها "لن تظهر وجهها في أي صورة" أو بالمصطلح المتداول في هذا النوع من الإعلانات "كت فيس".
على الناحية الأخرى، كان "كوكس"، وهو اسم غير حقيقي، قد جهز أدواته ليبدأ مهمة جديدة، وكانت هذه المرة: أكثر من حساب وهمي على "فيسبوك"، مغلق، يحمل كل واحد اسم فتاة، ويضع صورة تعريفية لها، ثم نشر من خلالهما تلك المنشورات. وانتظر دخول الهدف الأول إلى منطقته. وكانت "سلمى".
وبالنسبة له، فهي نموذج جيد. أعد لها فخًا، فانقادت له بسهولة، ثم ذهب الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك.
قطع "كوكس" محادثته معها مؤقتًا، حين قفزت علامة رسالة جديدة في غرفة الدردشة على لعبة "ببجي". فقد جاءه الرد من "علي"، بعد أن كتب له: "مرحبًا"، ليبدأ "كوكس" تعارفه عليه وعلى سنه.
وبسؤال تلو الآخر، أدرك شخصية "علي": جريء في اللعب وعلى الإنترنت فقط، لكنه ساذج وخجول خارج هذا العالم، مهووس بالألعاب، ولا يشارك أسرته فيما يفعله. وهنا رصد ثغرته. فعقد معه اتفاقًا بأنه "إذا أرسل صورًا وفيديوهات لنفسه حتى يراه ويتعرف عليه أكثر، سيمنحه عملة وشحنًا داخل اللعبة".
استجابت "سلمى" وأرسلت صورها وفيديوهاتها بالشكل الذي طلبه منها باعتبارها "موديل"، ثم طالت محادثتهما وتطورت علاقتهما حين صارحها أنه يريد الارتباط بها، حتى أنها لم تحصل منه على أي مكسب مادي. بل ورحبت بإرسال رقم هاتف والدها وشقيقها له.
تقول بنبرة واثقة: "لم أشك أنه يحبني، لذا تجاوبت معه في كل ما يطلبه من صور وفيديوهات، وبعضها يظهر بها وجهي". على الرغم من رفضه طوال الوقت التحدث معها في مكالمة مصورة.
وعلى مدى الأسابيع التالية، أرادت أن توقف كل ذلك، ولا ترسل له أي صور أخرى. فغير "كوكس" استراتيجيته معها وفاجأها بوجه آخر، قد حان وقته. وسرعان ما حول صورها إلى وسيلة ضغط.
تأرجحت رسائله اليومية لها بين الإلحاح والتخويف، مناورًا في محاولة لإقناعها بالعودة له، وإلا سيفضح أمرها أمام الجميع. وقد نجحت خطته. ثم تكرر الموقف بكل تفاصيله مرة ثانية: كلما حاولت الانسحاب والابتعاد، ضغط على زر التهديد، فتجد نفسها مجبرة على العودة لنفس النقطة.
كانت "سلمى" ترى كل ذلك على أنه "يهددها حتى تعود إليه، لأنه يحبها". فتقول: "لن يفعل شيئًا بصوري، أنا متأكدة من ذلك".. ثم كانت المرة الثالثة حاسمة لها: حظرت حسابه وتجاهلت تهديده. فلم تتوقع أبدًا خطوته التالية.
بينما نجح رهانه على شخص مثل "علي".
لم يفكر "علي" مرتين قبل أن يرسل له صوره وفيديوهاته. سجلها خلسة دون أن يلمحه أحد من أسرته، مقابل مكافأة افتراضية، وهي الشحن في لعبة ببجي. فألقى له "كوكس" بطعم آخر، مجرد رابط، تمكن من خلاله من اختراق هاتفه وحصل على أرقام أسرته ومدرسيه وأصدقائه. فأصبح أكثر صراحة وجرأة في الكشف عن نواياه، وطلب من "علي" صورًا وفيديوهات بدون ملابس.
كان "علي" مصدومًا ومشتتًا، فيقول: "كنت أثق فيه وأتحدث معه بصراحة في كل شيء، لا أعرف ماذا أفعل الآن؟، فهل ما يطلبه عادي؟".
كانت خطوة "كوكس" التالية مع "سلمى"، والتي لم تحسبها؛ هي الوصول إلى والدها. كانت تجلس بجانبه، عندما أرسل لها الأول: "طالما تعانديني، سأرسل ما عندي لوالدك". ثم أخبرها أنه أرسل له بالفعل، على أن يتبع ذلك بكل ما يخصها ما لم تنفذ. وما يقصده هو فيديوهات تقوم فيها بحركات وسلوكيات ذات طابع جنسي.
وحدد لها وقتًا نهائيًا، عند منتصف الليل.
تمنت "سلمى" لو تبتلعها الأرض في تلك اللحظة، كما تصف. فركضت لتحذف الرسالة من هاتف والدها قبل أن يراها، واحتفظت بالصور الملتقطة من الشاشة لمحادثات "كوكس" وتهديداته لها، وهو ما لم تفكر في فعله قبل هذا الوقت.
فتقول بيأس: "إن علمت والدتي يمكن أن تموت، ووالدي سيقتلني".
أما "علي" الذي وصله رسالة التحذير نفسها، فانصاع سريعًا لطلباته قبل أن تحل الثانية عشرة ليلًا، لا يريد أن يستفزه بتضييع مزيد من الوقت. أرسل له صوره بدون ملابس، وهو ما جعل فكرة أن يتراجع أو يبلغ أهله تبدو مستحيلة أيضًا.
فيقول: "لا أريد أن أستمر في ذلك، لكن لا يمكن أن يصل الموضوع إلى أهلي بأي شكل!".
كل رنة هاتف كانت تفزعهما وتُعلن عن طلب جديد. في هذا الوقت، أدخل "كوكس" كلًا من "سلمى" و"علي" إلى المستوى الأخير وحاصرهما.
وعلى تطبيق تيليجرام، برنامج المراسلة الذي صممه الأخوان الروسيان نيكولاي وبافل دوروف، كان "كوكس" يتبادل رسائله معهما ويعمل، مستغلًا ميزة محادثاته المشفرة ليجمع كل هذه المواد المصورة ثم ينشرها على قناته الخاصة المغلقة، أي أنها غير مرئية للجميع مثل القنوات العامة، ولا يمكن الوصول إليها إلا برابط دعوة وإضافة منه.
وفي هذه القناة، كانت هناك عشرات الفيديوهات والصور لأطفال غير "سلمى" و"علي"، بينهم "شذى" و"أحمد"، الواقعين في الورطة نفسها قبلهما، وقد ضيق "كوكس" الخناق عليهم بالطريقة ذاتها.
بحلول الثانية عشرة، أرسلت له "سلمى" ما طلبه، لكنها شنت هجومًا مماثلًا: هددته بأنها تحتفظ برسائله وستبلغ عنه إن فكر في التحدث لها أو لوالدها مجددًا. ومن ناحية أخرى، فكرت: "أنها من الممكن أن تخبر أحد أقاربها كدليل على معرفة أسرتها" حتى يتوقف عن استخدام هذا السلاح ضدها. في حين، نفذ "علي" كل ما يمليه عليه..
كانت "شذى" التي تشاركهما نفس السن، سبقتهما في كل هذه المراحل، حتى شعرت بعجزها عن خوض المعركة وحدها. فأخذت مسارًا مغايرًا وصارحت والدتها.
تجمدت الأم مكانها حين سمعت بداية القصة وكيف وصلت إلى هذه المرحلة. كانت لحظة لن تنساها أبدًا، كما تقول. عندما حكت لها ابنتها "أنها صورت نفسها عارية لشخص ظنته يحبها وكان يكبرها بعدة أعوام، ثم سلمها هذا الشخص لكوكس واختفى فجأة، فلم يكن سوى وسيط".
أدركت الأم أن ابنتها في سن المراهقة، ولأنها ذات جسم ممتلئ، لم تملك ثقة كبيرة في نفسها، وربما كان ذلك نقطة ضعفها في هذا السن، وسبب اندفاعها وراء أول شخص أوهمها أنه معجب بها، كما تقول. فمنعت نفسها من الانهيار لتخفي الأمر عن زوجها وتتصرف فيه بمفردها.
وحين دخلت على خط المواجهة مع "كوكس" وطلبت منه أن يبتعد عن ابنتها، وضعها بين خيارين: "صور ابنتك أو صورك أنتِ".
وقتها، كانت جولته مع "أحمد" قد قاربت على الانتهاء. و"أحمد" هو واحد من مجتمع لعبة "ببجي" مثل "علي". لكنه بعكس "علي"، ليس جريئًا بالمرة، إنما خائف ومتردد طوال الوقت. جرب معه السيناريو نفسه، لكنه لم يتعجل في طلب شيء، بل كون علاقة وثيقة معه على مهل. صاروا أصدقاء، كما اقتنع "أحمد" دون شك. فيقول: "لم أعتد أن يساعدني أحد في اللعب، وهو كان يفعل، وليس اللعب فقط، إنما كان ينصحني لحل مشكلات مع أهلي ومع أصدقائي، ثم أخبرني أنه سيعلمني شيئًا سأكسب من ورائه كثيرًا، سيعلمني أن أكون هاكر (مخترق لحسابات)".
وبدلًا من أن يعلمه، فاخترق هاتفه هو من خلال البرامج التي أرسلها له وانتزع صور أخواته وأمه. ثم فرض شروطه: "ستصور نفسك بوضع معين، بجانب شقيقتك"، في إشارة إلى أن يقوم بإيحاءات جنسية صريحة، وتظهر أخته بجانبه وهي نائمة.
في تلك الفترة، صارت فكرة الانتحار قريبة جدًا من "أحمد"، كما يحكي. ويقول: "ظل يهددني، كلما أغلقت حسابا يصل إليَّ من مكان آخر على السوشيال ميديا.. وبسبب خوفي، صورت ما طلبه دون أن أظهر وجهي أو وجهها".
لكن ظل "أحمد" يبحث عن شخص يساعده بعيدًا عن أهله، قلب في مواقع التواصل الاجتماعي حتى وجد المحامي يحيى رضوان، المتخصص في هذا النوع من القضايا، وصاحب مجموعة "معًا ضد جرائم الإنترنت والابتزاز الإلكتروني".
ويلجأ "رضوان" إلى هذه الطريقة في غالبية الحالات، خاصة المتعلقة بابتزاز الأطفال، فمن خلال عشرات الوقائع التي وصلت إليه "لا يمكن للأطفال إتباع الإجراءات القانونية، فهم يخشون إبلاغ أهلهم، لذا تكون هذه الطريقة الأمثل لتهدئتهم وإيقاف الابتزاز". كما يوضح.
وفي بعض الأحيان، إذا وصل للشخص -إن كان معروف هويته- فيجعله يمسح الصور أمامه. هكذا يقول وسرعان ما يكمل: "لكن في الحقيقة، لسنا متأكدين من مصير الصور والفيديوهات وإن كان لها نسخ أخرى يتم تداولها، خاصة على التليجرام الذي يصعب العثور على المواد داخل قنواته السرية".
لذا، لا تدرك "سلمى" و"علي" و"أحمد" الطريق الذي سلكته موادهم المصورة، بعكس "شذى" التي عرفت ودخلت في حالة هستيرية لما رأت الفيديو المنشور لها على قناته، كما تقول أمها..
فعندما ظلت والدتها تماطله وتتحجج بأسباب مختلفة له، نشر فيديو لابنتها. في تلك الليالي، لم تعد قادرة على متابعة مذاكرتها أو النوم، "ذهبت إلى امتحاناتها وأحست أن الجميع ينظرون إليها ويعرفون الحقيقة، ساءت نتائجها وكذلك حالتها النفسية"، كما تحكي أمها. ومع ذلك، كانت الأم تخشى الإبلاغ، فهو طالما أخبرها: "لا أحد يمكنه الوصول إليَّ، جميع بياناتي مخفية".
فتقول الأم عن أحد الجوانب الصعبة العديدة في محنتها: "كنت بين نارين، لا أعرف لمن أحكي؟، والموضوع كله جديد علينا". ثم وجدت بالصدفة حلاً على السوشيال ميديا.
فلجأت إلى مؤسسة قاوم المتخصصة في هذه الوقائع ومساعدة الضحايا نفسيًا وقانونيًا، والتي شجعها مديرها على إبلاغ مباحث الإنترنت وتجاهل كل تهديدات هذا الشاب.
ساعتها، توتر "كوكس"، ربما لأول مرة، لما شعر بعدم مبالاتها تجاه تهديداته التي علت نبرتها بل وردها عليه "بأن يفعل ما في وسعه". فقد سيطرته، وأقدم على فعل متهور، فاتصل بها للمرة الأولى على الهاتف.
وخسره ذلك كل شيء بعد أن كشف عن موقعه لمباحث الإنترنت.
لم تكن قناة "كوكس" المكتشفة استثناءً، فهناك عشرات القنوات والمجموعات على تليجرام، تتداول محتوى جنسي للأطفال، ومعظمه لم يعلم عنه أصحابه شيئًا. و"كوكس"، هو جزء من هذا المجتمع الإلكتروني، الذي يعمل تحت هدف واحد: بيع هذه المواد كسلعة، كما وجدنا في ثلاث قنوات تتبعناها.. كان عليها ما يزيد عن 5000 مشترك من دول عربية مختلفة، ينتظرون صور وفيديوهات "سلمى" و"علي" و"أحمد" و"شذى" وغيرهم، على أن يدفعوا ثمن الانضمام للمجموعة أو القناة لصاحبها.
وهذا الثمن، إما السعر الذي يحدده صاحبها، وقد يبدأ من 200 أو 300 جنيه، وفي بعض القنوات يكون التسعير بالدولار ويبدأ من 10 وحتى 100 دولار، أو كحل بديل عن الدفع، يمكن أن يقدموا تنازلات مثل إرسال صور لأمهاتهم أو زوجاتهم.
في مرتين منفصلتين، وبحسابات مزيفة، جَرى الحديث مع اثنين من أصحاب تلك القنوات لطلب الانضمام. كان الاثنان في بداية العشرينات مثل "كوكس"، وطلب الأول باقتضاب "فتح الكاميرا مباشرة على المتكلم معه وعلى الأم". أما الثاني، والذي كان ينشر جزءًا من صور أو بضع ثوانٍ من مقاطع الفيديو على منصة X، ليسوق لقناته على تليجرام؛ فطلب مبلغ 300 جنيه كباقة أولى، أي أن هناك باقات أخرى أعلى سعرًا وتضم، حسبما يزعم، "محتوى حصري".
وبمجرد أن وصل المبلغ للرقم الذي حدده على "فودافون كاش"، فُتحت القناة بالفعل، التي كانت تضم ما لا يقل عن 50 فيديو أو صورة لأطفال من مختلف الأعمار، الأغلب من الذكور، في سن 10 سنوات تقريبًا.
الأطفال الظاهرون في هذه المواد إما أنهم يكلمون الطرف الآخر مكالمة مصورة ولا يدركون أنها مسجلة، أو أنهم يصورون أنفسهم ويبدو أنهم موجهون لفعل إيحاءات وحركات مخلة، مثلما طلب "كوكس" بالضبط من "علي" و"أحمد" و"سلمى" و"شذى". وهذا النوع من المحتوى يُباع "لمن يشعرون بالإثارة عند رؤية مواد مصورة للفئات الأكثر ضعفًا والمسيطر عليهم، مثل الأطفال، وهذا قد لا يكون بالضرورة مرضًا نفسيًا"، بحسب رأي إيمان جابر (مديرة إدارة طب نفس الأطفال والمراهقين بالأمانة العامة للصحة النفسية).
وبالنسبة لأساليب دفعهم مقابل الوصول إلى هذا المحتوى، فكانت في كل الوقائع متشابهة إلى حد كبير وتنحصر في طريقتين: استخدام أرقام كثيرة تختلف في كل مرة، يكون عليها محافظ مسجلة ببيانات لا تخص أصحاب القنوات أنفسهم، أو عن طريق بطاقات ريزر جولد، وهي نظام للائتمان الافتراضي مخصص للاعبين لشحن أرصدة الألعاب الإلكترونية، حيث يقوم المستخدم بشراء "أكواد" رقمية من المنافذ كمحال الألعاب بسعر يبدأ من 80 جنيه وحتى 13 ألفًا، ويرسلها لصاحب القناة الراغب في الانضمام إليها، ويمكن للآخر -إن أراد أن يبيعها في جروبات للاعبين عبر التليجرام أيضًا، مقابل تحويل النقود لمحفظته.
وتبين أن هذا الرقم المرسل عليه مبلغ الـ300 جنيه يخص إحدى السيدات بالإسكندرية، والتي نفت معرفتها وصلتها بصاحب القناة.. تتبع خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للأمومة والطفولة هذه القصة والقناة في محاولة الوصول للأطفال الضحايا ومساعدتهم، لكن لا شيء دل على هويتهم، كما يذكر صبري عثمان (مدير خط نجدة الطفل).
ومن الصعب تعقب محتوى التليجرام، كما يرى "عثمان". فيمكن محو أي أثر عليه. لذا يقول: "في كل البلاغات التي قدمها لا نصل إلى شيء باستثناء الحالات التي نعرف المبتز شخصيًا".
وفي إحدى المرات القليلة التي توفرت فيها الأدلة، كان هناك حوالي 70 ألف صورة لضحايا ذكور وفتيات محفوظة على هاتف شاب لا يتعدى عمره 19 عامًا، ويسكن محافظة الدقهلية. هذه ترسانته التي يتبادلها ويبيعها على قنوات التليجرام ويهدد أصحابها بها، بينما لا تعرف أسرته عما يفعله "سوى أنه يعمل بجانب دراسته بالجامعة، على الإنترنت، ويربح من ذلك". ولا يبدو والده الذي يعمل "غفيرًا" مكترثًا بالتأكد مما يردده لهم.. كانت تلك واحدة من الوقائع التي وثقتها مؤسسة قاوم المتخصصة في دعم الضحايا نفسيًا وقانونيًا ولم تبلغ عنها حينها.
اعتاد محمد اليماني (مؤسسها) على استقبال مثل هذه القصص الغريبة، ربما تجاوزت المئة. ويصف هذا الشاب وغيره مثل "كوكس" بأنهم "شبكات تعمل بذكاء مرعب على الأجيال الجديدة، يدمنون التجسس والقنص، ويحولون أطفالًا وشبابًا إلى تجار أعراض، فهناك جروبات أخرى تقوم على تصوير المحارم، والكل يتشابك مع بعضه".
ورغم اضطراره أحيانًا للتواصل مع صاحب المجموعة أو القناة ليوقف التهديد، إلا أنه يدرك "أن ذلك يضر بالضحايا في أوقات كثيرة"، كما يذكر، ويقول: "فالتواصل هو إنذار له، حينها يمكنه ببساطة إغلاق القناة وفتح أخرى وعرض المواد عليها، وهو ما يحدث كثيرًا".
ولا يبدو كشف هوية هؤلاء لغزًا معقدًا حتى وإن كان صعبًا، في رأي "اليماني"، فيقول: "من السهل في معظم الحالات، تتبع مصدر سحب الأموال والوصول إليهم".
وبإمكان الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات التعامل مع هذا الأمر الآن أكثر من أي وقت مضى، كما يرى اللواء علي أباظة (مدير مباحث الإنترنت الأسبق)، فيتحدث لـ"مصراوي" أن الإدارة صارت أقوى ولديها أعداد أكثر وإمكانيات أعلى وكوادر مدربة، وأنها ترسل ضباطًا للحصول على منح بالصين وأوروبا، وصار لديهم خبرات متقدمة في الرصد والتتبع حتى للمحتوى المشفر والبروكسي إخفاء عنوان IP، الذي يحتاج تقنيات معقدة.
فيقول: "لم يعد هناك تطبيق محصن تمامًا".
ردت شركة تيليجرام التي تتخذ من دبي مقرًا لها على مسألة نشر مواد إباحية عبر منصتها بأنه "لن نتسامح مطلقًا مع مواد الاستغلال الجنسي للأطفال.. منذ عام 2018، تُفحص الصور العامة تلقائيًا، وينشر التطبيق تقارير يومية شفافة حول إزالة المحتوى، والذي بلغ نحو 207 آلاف مجموعة وقناة مرتبطة بالمواد الإباحية للأطفال في عام 2026". لكن يرجح أن هذه الأرقام تتعلق بالمحتوى العام أكثر، وليس الخاص.
وسبق وأُلقي القبض على مؤسسها، بافل دوروف في فرنسا خلال أغسطس 2024، في إطار تحقيق في جرائم تتعلق بالمواد الإباحية للأطفال، والاتجار بالمخدرات، والمعاملات الاحتيالية على المنصة، ثم أُفرج عنه بكفالة. وتجددت الاتهامات خلال شهر إبريل الماضي بعدما فتحت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية تحقيقًا يخص التطبيق بعد ظهور أدلة تشير إلى تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسيًا على أطفال عبر المنصة، ما نفته تيليجرام "بشكل قاطع".
لكن مؤسسة مراقبة الإنترنت، وهي منظمة بريطانية غير ربحية تعمل مع تيليجرام لمساعدته على تحديد المواد الضارة وإزالتها، قالت في بيان: "نتفق مع المخاوف من أن شبكات الفاعلين السيئين تعمل عبر منظومة تيليجرام، وأنه لا يتم بذل ما يكفي لمنع توزيع الصور المعروفة والمكتشفة التي تتضمن استغلالًا جنسيًا للأطفال".
لم يكن "كوكس" شخصًا واحدًا. في الحقيقة، لم يواجه الأطفال الأربعة: "سلمى، شذى، علي، وأحمد" الخصم نفسه ، فأحدهم كان يمني الجنسية بحسب لهجته ورقمه الظاهر، وآخر مجهول هويته، وآخر يسكن محافظة الفيوم، ويدير قناة على تليجرام باسم "الباشا" منذ عدة سنوات، وهي محذوفة الآن.
لاتزال "سلمى" و"علي" عالقين في دائرة الاستغلال، ولم يسجلا حضورًا بين الأرقام أو الحالات المبلغ عنها، للخوف من "أهلهم ومن وصمة العار التي ستلاحقهم"، كما ذكر الاثنان. وأجمع كل ما تحدثنا معهم من المحامين والمؤسسات، "أن ذلك يزيد من خسائرهم وابتزازهم بشكل أكبر".
"وكلما طالت مدة تعرضهما للاستغلال، باتت الضغوط أكبر والأمر أصعب في تجاوزه لاحقًا"، كما ترى إيمان جابر (مديرة إدارة طب نفس الأطفال والمراهقين بالأمانة العامة للصحة النفسية) ، ويزيد على ذلك خطر آخر، في رأيها، "وهو اعتيادهم على ممارسة سلوكيات جنسية معينة وخاطئة".
أما "أحمد" الذي نجح يحيى رضوان (المحامي) في إبعاد المبتز عنه قرابة عامين، يبحث كل يوم عن صوره على تليجرام ومواقع التواصل مستخدمًا كلمات "نودز أطفال، صور وفيديوهات أطفال، قاصرين، وغيرها"، ليطمئن أن صوره وفيديوهاته ليست منشورة في أي مجموعة أو قناة، عامة على الأقل. وكلما فعل ذلك وتذكر ما مر به، أصابته نوبة بكاء وهلع شديدة، فيقول: "جعلني لا أثق في أحد، وأكره كل البشر، والألعاب".
لا يضمن الثلاثة أن يأخذ أهلهم موقفًا في صالحهم مثلما فعلت والدة "شذى" قبل نحو أربع سنوات، لدرجة أنها صارت تريد أن توعي أولياء أمور آخرين بأي طريقة ليلتفتوا لما يفعله أطفالهم عبر الهواتف، وألا يتهاونوا في حقوقهم.
فتتذكر لحظة القبض على المتهم في اليوم التالي مباشرة لاتصاله بها، والمفاوضات التي كان يجريها محامي المتهم وأهله معها للصلح، وأنها كادت أن تستجيب لتوسلهم قبل أن يثنيها عن ذلك المحامي ومؤسسة قاوم. فشهدت إجراءات قانونية استمرت لنحو ثلاثة أشهر، لم تلتقِ فيها به وجهاً لوجه، فالقوانين المعمول بها مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لسنة 2018، ينص في ثلاث مواد على عقوبات في هذا الشأن.
"يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين كل من اعتدى على القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لشخص معين دون موافقته أو نشر صور أو معلومات تنتهك خصوصية الشخص دون رضاه سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة"
المادة 25 - قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لسنة 2018
خضع الشاب المتهم في قضية "شذى" لأحكام هذا القانون، إلا أنه خرج بعد فترة وجيزة على ذمة القضية، وفقًا لآخر المعلومات التي وصلت للأم ومؤسسة قاوم، ولم تتابع تطورات القضية بعد ذلك.
يقول حمدي رزق، أحد المحامين المتعاونين مع مؤسسة قاوم، إن هناك ثغرات كثيرة يمكن أن يستغلها محامي الطرف المدان ويدفع بها، مثل تضارب أقوال الطفل، الذي لا يتذكر التفاصيل ويكون في حالة مضطربة أو أنه يكون حذف الأدلة كما أمره الجاني وقتها أو تعدد الأرقام المستخدمة، والتي تبدو بعضها أنها خارج مصر، أو عدم وجود أصل المحادثات، وهي النقطة الأصعب في الحالات المرتبطة بـ"التليجرام"، حيث المحادثات المشفرة والتي تمسح تلقائيًا.
وأيًا كان ما حدث، فتشعر والدة "شذى" إنها "راضية تمامًا على ما فعلته". وكلما نظرت في وجه ابنتها؛ تأكدت من هذا. فتقول: "إن تنازلت، لن أضيع فقط تعب كل من ساعدني، إنما حق بنتي وحق غيرها ممن يحدث فيهم ذلك حتى الآن".
أما ابنتها، التي بلغت الـ18 عامًا، تسير في كليتها منزوية عن الجميع، على عكس المتوقع من طلاب السنة الجامعية الأولى، تلفت النظر بقلة حديثها ووجومها طوال الوقت، فهي لا تثق في أي شخص، أو بمعنى أدق- هكذا أصبحت، بعد أن كانت فتاة مشاكسة واجتماعية دائمًا. فتركت الأزمة بصمتها عليها حتى اليوم وكأن ذلك الشخص ظل شبحًا يلاحقها. تقول أمها: "لم يعد لها أصدقاء مثل الماضي، تخاف أن يعرف أحد أو أن تظهر هذه المواد مرة أخرى بأي طريقة، تمنت أن تكون فتاة عادية مثل من في سنها، ولم تمر بكل ما مرت به".
استمع إلى القصة من والدة "شذى"
- اخفينا الأسماء الحقيقية للأطفال حفاظًا على خصوصيتهم وسلامتهم النفسية.
- تم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج رسومات القصة.
ما يجب عليك فعله إن تعرضت لتجارب مماثلة:
الإبلاغ وطلب الدعم:
المجلس القومي للأمومة والطفولة- خط نجدة الطفل
16000
الإبلاغ الرسمي: الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات: 0224065052 -0224065051 -
إدارة مكافحة جرائم الحاسبات: الخط الساخن 108
المؤسسات التي تدعم الضحايا بتوفير استشارات نفسية وقانونية ومسح المحتوى:
• مؤسسة Speak Up – خط المساعدة: helpline@speakupeg.com
• المحامي يحيى رضوان، صفحة معًا ضد الابتزاز
• للتوعية ومعرفة مزيد من المعلومات: أطلقت وزارة الاتصالات منصة "واعي.نت" www.wa3i.net الإلكترونية، منذ فبراير 2026، بهدف دعم جهود الدولة في بناء مجتمع رقمي آمن خاصة الأطفال.
قصة: مارينا ميلاد
جرافيك: مايكل عادل
تصميم وتنفيذ: محمد عزت