أواخر 2023، وفي لحظة واحدة، انقلب عالم "شروق" رأسًا على عقب. كانت الفتاة ذات السبعة عشر عامًا تحتمي بذراعَي أمها عندما اقتحم مسلّحو الدعم السريع منزلهم في الفاشر، بعد أسبوع واحد من مقتل جدتها بيد "الدعامة". تقول خالة شروق "ماجدة": انتزعوها من بين يدي أمها، ودُفعت إلى داخل سيارة مسلّحين انطلقت مسرعة، تاركة خلفها صراخًا لا يسمعه أحد.
اختفت شروق أسبوعين كاملين؛ كل يوم يُنتزع فيه جزء من طفولتها، وكل ليلة كانت تُترك جسدًا بلا حماية، تنهشه اعتداءات متكررة، بينما ينتظر أهلها على الجانب الآخر خبرًا يعيد لهم ابنتهم أو يقضي عليهم للأبد، حتى جاء الاتصال: 5 مليارات جنيه سوداني (8 آلاف دولار) مقابل إطلاق سراحها.
لم تستطع الأسرة جمع سوى مليارين، وعادت شروق بعد مساومات مُهينة، بجسدٍ أنهكته الاعتداءات.
وفي مجتمع يوصم ضحايا الاغتصاب بالعار، وجدت أسرة شروق نفسها مُجبرة على تزويجها من ابن خالتها، الأكبر منها بخمس سنوات.
لم تكن شروق حالة معزولة، بل نموذجًا لعنف جنسي ممنهج ضد الأطفال في السودان. فقصتها تتقاطع مع ما وثقته اليونيسف من تسجيل 221 حالة اغتصاب منذ مطلع 2024، أرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للجريمة، التي تُستخدم كسلاح حرب وتشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي.
قبل اختطاف شروق بأسبوع، وتحديدًا يوم 12 ديسمبر 2023، قُتلت جدتها عندما حاولت فداء ابنها - خال شروق - أثناء هجوم عناصر الدعم السريع : "خدوني أنا"، فقررت العائلة الرحيل.
عند أطراف الفاشر، تعرضت ماجدة لتجريد مهين أثناء تفتيش أمني، قبل أن تواصل مع ابنة أختها شروق رحلة هروب شاقة عبر مسارات التهريب نحو ليبيا. لكن الخطر لم يتوقف عند الحدود؛ فبالقرب من الكُفرة، وقعتا في قبضة ميليشيا ليبية. هربتا نحو الصحراء بحثًا عن الأمان، لكن الطريق لم يكن ملاذًا بل فخًا: التفتيش تحول إلى تعرية، والاحتجاز إلى انتهاك، والسلاح إلى رخصة مفتوحة.
ومنذ أبريل 2023، اضطر 9.5 مليون سوداني للنزوح داخليًا، وعبور 4.35 ملايين آخرين إلى دول الجوار، وسط ظروف استثنائية جعلت النساء والفتيات هدفًا سهلاً للعنف. واحدة من كل ثلاث نساء تعرضت لشكل من أشكال العنف الجنسي أثناء رحلة النزوح، غالبًا دون أي توثيق، خوفًا من الترحيل أو الوصم الاجتماعي، لتتحول رحلة النجاة إلى كابوس يطارد ضحاياها بلا هوادة.
ماجدة تكشف كواليس رحلتها الصعبة ومعاناتها في السودان وليبيا
وفي ليبيا، لم تنتهِ المعاناة؛ تغيّر الجلاد فقط، واستمر العنف داخل الزنازين وعلى أيدي الميليشيات والدوريات الأمنية.
تحولت الكُفرة من مجرد معبر صحراوي إلى واحدة من أخطر نقاط الهجرة غير النظامية، حيث يواجه المهاجرون الاختطاف والاحتجاز والابتزاز والعنف الجنسي، إضافة إلى الموت عطشًا. وتقود هذه الطرق، بحسب تقارير أممية، إلى فقدان آلاف الأرواح وسط إفلات شبه تام للجناة، لتصبح الكُفرة بوابة لانتهاكات ممنهجة يدفع ثمنها المهاجرون بأجسادهم.
المآسي التي عاشتْها شروق وماجدة ليست مجرد قصص فردية، بل تعكس واقعًا مروعًا يمتد من السودان إلى ليبيا، حيث بات 12.1 مليون شخص يعيشون في مناطق النزاع معرضين للعنف القائم على النوع الاجتماعي، أي شخص واحد من كل أربعة، بزيادة صادمة بلغت 200% خلال عام واحد فقط، وفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان في يوليو 2025.
ولا تقتصر المآسي على النزوح الحالي، فقد جدد الصراع مأساة قديمة لحسناء، التي تعرضت قبل عشرين عامًا، وهي في السادسة عشرة، لاعتداء من أحد أقاربها، وأُجبرت على الزواج من رجل يكبرها بـ 27 عامًا للتستر على الجريمة.
بعد سنوات من المعاناة، حصلت حسناء على الطلاق. تزوجت مجددًا بحثًا عن الاستقرار، لكن اندلاع الحرب في السودان قلب حياتها رأسًا على عقب. في 8 سبتمبر 2023، اقتحمت مليشيات منزلها في الخرطوم، اغتصبوها أمام أسرة زوجها وقتل شقيقه أثناء الدفاع عنها، ثم اتهمتها العائلة بجلب العار وطاردوها للانتقام، ما دفعها للفرار خوفًا على حياتها.
هربت حسناء مع طفليها (بنت 9 سنوات، وولد 15 سنة) عبر الصحراء إلى ليبيا في رحلة "طريق إلى الموت"، حيث عانت العطش والجوع وسقط كثيرون على الطريق.
وفي شهادة لموقع مصراوي، قال أحد العاملين في تهريب السجائر بالمنطقة الحدودية إن الصحراء "ممتلئة بجثث متناثرة، أغلبها للاجئين تاهوا في الطريق أو قضوا عطشًا، ولا يوجد من يقوم بدفنهم".
ويضيف المصدر نفسه أن اللاجئين "يُنقلون في سيارات دفع رباعي مكتظة، دون أي اعتبارات إنسانية. وبمجرد انطلاق المركبة بسرعة عالية، لا يتوقف السائق لأي سبب، حتى في حال سقوط أحد الركاب، مشيرًا إلى أن تعطل السيارة هو العامل الوحيد الذي قد يوقف الرحلة".
وصلت حسناء بصعوبة إلى أجدابيا ثم طرابلس، حيث استأجرت غرفة مع سيدة سودانية. في نوفمبر 2024، اندلع حريق بالمنزل، فاتهمهما المالك، وهو عنصر مليشيا، وطالبهما بتعويض 5 آلاف دينار. وعندما عجزتا عن الدفع، اعتدى عليهما جنسيًا بزعم تعويض خسائره.
لاحقًا، عاد لتهديدهما وحاول الاعتداء على ابنة حسناء ذات التسع سنوات، ملوحًا بإيذائها إن أبلغت عنه. تقول حسناء إن ابنتها أصيبت بتبول لا إرادي من شدة الخوف، في مشهد أعاد إليها صدمة طفولتها.
"ما قدرت أحافظ على نفسي وما قدرت أحافظ على أولادي".. حسناء تروي فيها معاناتها بعد الاعتداء عليها وعلى أطفالها.
بينما كانت حسناء تعيش تحت تهديد دائم في ليبيا، واجهت ماجدة وابنة شقيقتها شروق مصيرًا أكثر قسوة: احتجاز وابتزاز مباشر من ميليشيا طالبت كل واحدة بدفع عشرة آلاف دينار ليبي مقابل الإفراج.
تمكنت بعض الأسر من تدبير المبلغ المطلوب، في حين عجزت ماجدة وشروق، إلى جانب أسرة سودانية أخرى، عن الدفع.
لاحقًا، عُرض عليهن ما وُصف بأنه "بديل عن الفدية"، تمثل في تنظيف أحد المنازل مقابل إطلاق سراحهن. وبدا العرض في ظاهره عملاً منزليًا عاديًا، قبل أن تنكشف حقيقته سريعًا. فقد كانت أولى الضحايا السيدة المرافقة لماجدة وشروق، التي عادت من المكان في حالة صدمة واضحة، مكسورة النظرات، لتهمس لماجدة: "ليس تنظيفًا.. إنه اغتصاب".
في اليوم التالي، جاء الدور على "شروق" ابنة أختها، لكن بدافع التضحية، تقدمت ماجدة بثبات لتحل محلها: "سيبوها وخدوني أنا". على مدار 25 يومًا، تعرضت للاغتصاب المتكرر، يومًا باسمها ويومًا بدلًا عن شروق، عائدة في كل مرة أكثر انكسارًا.
وفي مسار آخر، سلكت ميرفت طريق مصر، لكنها احتُجزت مع أطفالها قرب منطقة مساعد شمال شرق ليبيا في مركز احتجاز عشوائي يُعرف محليًا بـ"التركينة": كونتينر ضيق بمراتب متسخة وحمام مكشوف، حيث يُحتجز المهاجرون حتى دفع الفدية.
داخل "التركينة"، تحولت رحلة البحث عن الأمان إلى سلسلة من الانتهاكات. تقول ميرفت إنها تعرضت مع أطفالها للابتزاز والتعذيب، وحين عجزت عن دفع المال، اغتصب عنصر يرتدي زي الشرطة ابنها أحمد (15 عامًا) أمام عينيها. وتروي: "صرخنا وبكينا، لكنهم هددونا بالسلاح: لو مش عاجبكم، ادفعوا واطلعوا". وبعدها، اقتاد عنصر آخر ابنتها هناء، وهي من ذوي الإعاقة، إلى سيارة شرطة مجاورة، حيث تعرضت هي الأخرى لاعتداء جنسي، قبل أن تعود وهي تنزف وتعاني من حالة إعياء شديد.
ماجدة تروي تفاصيل الاعتداء على أطفالها
وبعد أكثر من عام، تكرر المشهد. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، سلكت نصرة الطريق نفسه بحثًا عن الأمان، لكنها احتُجزت في "تركينة" أخرى قريبة، ووجدت نفسها، مع ثلاث نساء أخريات، في قبضة دورية أمنية حوّلت عملية التفتيش إلى اغتصاب جماعي. وتروي أن أحد العناصر حاول الاعتداء على طفلة لم تتجاوز السادسة عشرة، فتدخلت لحمايتها :"سيبوها وخدوني أنا"، لتصبح هي نفسها ضحية للعنف.
وتصف الباحثة المتخصصة في شؤون الهجرة أميرة الطحاوي "التركينة" بأنها التسمية التي يطلقها المهاجرون على المخازن وأماكن الاحتجاز غير الرسمية التي تديرها شبكات التهريب والاتجار بالبشر، حيث يُحتجز المهاجرون إلى حين دفع الفدية أو تمهيدًا لاستغلالهم. ويصف أحد المهربين هذه المواقع بأنها تمثل "تجارة لحوم البشر"، في إشارة إلى تحول المهاجرين إلى سلعة تدر أرباحًا على الشبكات الإجرامية.
ولا تبدو شهادتا ميرفت ونصرة استثناءً. فقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقرير يغطي الفترة بين يناير/كانون الثاني 2024 وديسمبر/كانون الأول 2025، نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات داخل مرافق الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، بما في ذلك المخازن وبيوت الاحتجاز التي تديرها شبكات الاتجار بالبشر. وأكد التقرير أن المهاجرين يُختطفون ويُنقلون تحت تهديد السلاح إلى هذه المواقع، حيث يتعرضون للتعذيب والابتزاز مقابل الفدية والعمل القسري والعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والإجبار على الدعارة. كما وثق شهادات لنساء احتُجزن في طبرق وداخل مستودعات تعرضن فيها لاغتصاب متكرر أمام أطفالهن ومحتجزين آخرين، معتبرًا أن مرافق الاحتجاز تحولت إلى بيئة خصبة لارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ضمن ما وصفه بـ"نموذج استغلال" أصبح "عملًا كالمعتاد" في ليبيا.
"خدوني أنا".. التي قالتها نصرة وقبلها جدة شروق وخالتها "ماجدة"، قالتها أيضًا "أميرة" لتحمي فتاة لا تعرفها. أميرة، التي غادرت مصر في سبتمبر 2024، دفعت ما استطاعت من المال، وسلمت نفسها للمهربين الذين وعدوها بالوصول الآمن إلى طرابلس الليبية.
أثناء عبورها صحراء ليبيا عبر طريق الجبل، التقت أميرة بفتاة تخلفت عن مجموعتها فاصطحبتها معها، لكن الرحلة انتهت داخل أحد مراكز الاحتجاز العشوائية "التركينة". احتُجزت أميرة 12 يومًا مع نساء وأطفال.
صورة من داخل مركز الاحتجاز، حصل عليها فريق التحقيق من إحدى الناجيات.
الناجية أثناء تلقي العلاج داخل مستشفى بطرابلس، في صورة قدمتها لفريق التحقيق.
في إحدى الليالي، هدد مهرب باغتصاب من لم تدفع المال، وأشار إلى الفتاة التي لم تتجاوز 16 عامًا. حينها تقدمت أميرة قائلة: "خدوني أنا". اقتادوها إلى غرفة أخرى، حيث تعرضت لاعتداءات متكررة من عدة رجال باعتبارها "ثمنًا" لحماية الفتاة. وبعد 12 يومًا من الانتهاك، ألقوها خارج المكان: "ده مقابل الفلوس.. كده دفعتي عن البنت".
وبالعودة إلى مسار ماجدة، انهارت بعد تعرضها لاعتداء جماعي، قبل أن يتركها المسلحون منهكة بين الأسر المحتجزة. وفي فجر 18 فبراير 2025، وجدت الأبواب مفتوحة والمليشيا غائبة، فاغتنمت الفرصة، وفرت مع نساء أخريات، مختبئات بين الأشجار، حتى وصلن إلى مزرعة وفّرت لهن مأوى مؤقتًا.
أما ميرفت، فقد أُفرج عنها مع أطفالها بعد دفع فدية، لكنها وجدت نفسها في طرابلس أمام خطر جديد.
أثناء بحثها عن عمل، تعرّفت ميرفت إلى شاب عرض عليها رعاية والدته المريضة في منطقة الظاهر، غرب طرابلس. بدا العرض فرصة للنجاة، لكنه تحول إلى فخ. تروي أن الرحلة بدأت من أمام مقر مفوضية شؤون اللاجئين واستغرقت نحو ساعة وعشر دقائق، عبر طريق سريع يمر بمناطق صناعية، قبل أن تصل إلى منزل كبير تحيط به أسوار مرتفعة وبوابة حديدية ضخمة، في منطقة معزولة خلف الكريمية، بامتداد الظاهر. وأكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتها دبابة محترقة تقف أمام البوابة الرئيسية، في مشهد بدا وكأنه شاهد على معارك سابقة، قبل أن يتحول المنزل نفسه إلى سجن.
داخل المنزل، بدأت ترعى والدة الرجل، وهي مسنة مريضة لا تقوى على الكلام. وبعد أيام، وجدت نفسها محتجزة مع امرأة إريترية لأكثر من شهرين، حيث تعرضتا، بحسب روايتهما، لاعتداءات جنسية متكررة على يد صاحب المنزل. ولم تنتهِ محنتهما إلا بعد وفاة والدته، حين طردهما إلى الشارع، لتبدأ رحلة جديدة من الخوف والتشرد.
الضحية تصف المعتدي وتكشف موقع المنزل الذي احتُجزت فيه، وفق شهادتها.
وتقول ميرفت إنها عرفت لاحقًا أن الرجل ينتمي إلى اللواء 444، يُدعى "إبراهيم . ب. خ". وتصفه بأنه طويل القامة، ممتلئ البنية، ذو بشرة فاتحة، وكان يرتدي باستمرار الزي العسكري الخاص باللواء ولا يفارق سلاحه. وخلال فترة احتجازها، كان المنزل يستقبل رجالًا مسلحين بصورة شبه يومية، وكانت تسمع أحاديثهم عن مواقع عسكرية وشؤون تتعلق باللواء، كما كانوا يخاطبونه باعتباره مسؤولًا عن الذخيرة، وهو ما دفعها للاعتقاد بأنه يشغل هذا المنصب.
التزامًا بحق الرد، أرسل فريق التحقيق ما ورد في شهادة ميرفت لقوات اللواء 444. إلا أنه لم يصل أي رد.
وللتحقق من روايتها، أجرى فريق التحقيق مطابقة أولية باستخدام خرائط جوجل، فتبين وجود مسارين محتملين من محيط مقر المفوضية إلى المنطقة التي وصفتها، يتوافقان مع زمن الرحلة ومرورها عبر مناطق صناعية، بما يعزز اتساق شهادتها، دون أن يتيح ذلك تحديد المنزل على نحو قاطع أو التحقق بصورة مستقلة من الصفة الوظيفية للرجل.
ورغم تقديمها بلاغات إلى الشرطة ومفوضية شؤون اللاجئين، تؤكد ميرفت أنها لم تتلق أي حماية، باستثناء متابعة محدودة من منظمة نرويجية أغلقت مكتبها لاحقًا، لتبقى، مثل كثير من الضحايا، في مواجهة واقع يطغى عليه الإفلات من العقاب.
تتطابق شهادة ميرفت مع تقارير أممية أكدت وقوع انتهاكات جسيمة داخل مرافق احتجاز جهاز دعم الاستقرار، تشمل التعذيب، الاختفاء القسري، والقتل خارج القانون. وفي يونيو 2025، دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى إغلاق هذه المواقع، وحفظ الأدلة، ومحاسبة المسؤولين وفق المعايير الدولية.
كما أعرب تورك عن قلقه من عدم تمكين الجهات الليبية المختصة من الوصول إلى مواقع استخراج الرفات، وأشار إلى معلومات أممية حول انتشال جثث متفحمة من مقر الجهاز في أبو سليم، والعثور على عشرات الجثث في مستشفيات ومقبرة داخل حديقة حيوان طرابلس، مع بقاء هويات الضحايا مجهولة.
وشدد المفوض السامي على ضرورة احترام كرامة الضحايا، ومنح الأمم المتحدة وصولًا كاملًا لتوثيق الانتهاكات.
وبعد حصول ميرفت على حريتها، واجهت مأساة جديدة، إذ تفرق أطفالها الستة في الشوارع بعد طردهم من قبل صاحب المسكن، دون أن يعرف أحد طريقهم.
في ناحية أخرى من طرابلس، تحاول عزيزة وشقيقتها السودانيتان العثور على مأوى آمن بعد أن فقدتا والدتهما وشقيقتهما أثناء تواجدهما في مستشفى بالسودان، عقب استهداف المستشفى بقذائف "الدعامة". وبعد أيام، قُتل والدهما على يد مسلحين اقتحموا منزلهما في الفاشر، واضطرتا للعبور إلى ليبيا طلبًا للحماية.
خلال بحثها عن سكن في طرابلس، تلقت عزيزة اتصالًا من سيدة تونسية كانت تعمل سابقًا في شركة خدمات، عرضت عليها "مسكنًا مجانيًا مقابل العمل"، في عرض بدا - لأول وهلة - طوق نجاة لفتاتين مشرّدتين. لكن الطوق كان فخًا مُحكمًا للاستغلال الجنسي، مغلفًا بغطاء العمل المنزلي.
بمجرد وصولها إلى الشقة التي قيل لها إنها ستكون "مكان العمل"، فوجئت برجل مسن يغلق الباب خلفها، ويتجه نحوها محاولًا نزع ملابسها. صرخت ودفعتُه بعنف، لكنه التفت إلى هاتفه وأجرى اتصالًا مصورًا مع السيدة التونسية. على الشاشة ظهرت شقيقتها محتجزة، تتعرض للضرب. قالت التونسية بتهديد حاد: "اعملي اللي عايزينه.. وإلا هنقتل أختك ونغتصبها.. والشرطة هنا مش هتنفعك.. هيسجنوك أنتِ وأختك مهاجرات غير شرعيات".
عزيزة تكشف كواليس مأساتها في ليبيا
بعد أيام، تمكنت عزيزة من الهرب بعدما غافلت الجاني وضربته. لكن النجاة لم تكن نهاية المحنة؛ بل بداية أخرى. وجدت عزيزة نفسها في الشارع بلا مأوى، بلا وثائق، بلا حماية. اتصلت بمنظمة كانت مسجلة فيها سابقًا، فجاءها الرد: "سنتواصل معك لاحقًا" - ولم يتصل أحد.
ولا تبدو قصة عزيزة حالة معزولة. فقد وثقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمفوضية السامية لحقوق الإنسان نمطًا متكررًا تُستدرج فيه نساء وفتيات مهاجرات ولاجئات عبر وعود بتوفير عمل أو سكن، قبل أن يقعن ضحايا للاغتصاب والاستغلال الجنسي والدعارة القسرية.
كما أشارت التقارير الأممية إلى استخدام التهديد بالعنف أو باستغلال الوضع القانوني غير النظامي للضحايا، وتسليمهن للسلطات أو احتجازهن، لإجبارهن على الخضوع للمستغلين.
في الوقت نفسه، نجحت ميرفت في تجميع أولادها، لكن المرض اشتد عليها، فاضطرت للبقاء في مسكن لجأت إليه، بينما خرج نجلاها للعمل لتأمين ما يكفي من الطعام. وفي أحد الأيام، أُلقي القبض عليهما بسبب عدم حملهما أي أوراق ثبوتية. تقول: "57 يومًا في سجن أسامة بطرابلس.. كانا في وضع لا إنساني".
داخل السجن، حسب رواية الطفلين، كان المعتقلون يُجبرون كل صباح على تنظيف المكاتب وملابس الضباط، في معاملة أقرب للعمل القسري. يضيف أحدهما: "كانوا يغتصبوننا كأننا بنات، وإذا رفضنا أو اعترضنا، يربطون أحدنا ويفعلون فيه أشياء بشعة. يختاروننا واحدًا تلو الآخر. كل شيء مؤلم حصل هناك".
لم يكن الإفراج عن الطفلين مجانيًا. قيل لميرفت إن عليها دفع 4.000 دينار ليبي مقابل إطلاق سراحهما. تروي بصوت مكسور: "كنت بشحت من السودانيين وجمعت 2.000 دينار وطلعت الولدين".
تتقاطع شهادات نجلي ميرفت مع ما رواه أشخاص آخرون عن سجن أسامة في طرابلس. ويؤكد شاب سوداني يُدعى ميسر، احتُجز مع شقيقه، أنه تعرض للتعذيب، فيما اختفى شقيقه دون معرفة مكانه. وتعكس هذه الشهادات ما وصفه شهود آخرون بـ"الاحتجاز التعسفي، الأعمال القسرية، الاستغلال الجنسي، العنف المنهجي، والابتزاز المالي مقابل الحرية".
وتصف سناء، سيدة سورية محتجزة سابقًا في السجن، المكان بثلاث غرف: واحدة للنساء، وأخرى للرجال، وثالثة للعمال، والتي كانت تُستخدم للاعتداءات الجنسية. تقول إن عناصر السجن يدخلون عنبر النساء بعد فصل الكاميرات، ويختارون من ضحاياهم غالبًا أصحاب البشرة السمراء.
في الوقت ذاته، أشار المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى انتهاكات أخرى في ليبيا، بما في ذلك عدم السماح لسلطات البحث الجنائي بالوصول إلى مواقع استخراج الرفات البشرية. بين 18 و21 مايو، تم انتشال عشر جثث متفحمة من مقر جهاز دعم الاستقرار في أبو سليم، واكتُشفت 67 جثة أخرى في ثلاجات مستشفيات أبو سليم والخضراء، وبعضها متحلل بسبب انقطاع التيار الكهربائي. كما وُجدت مقبرة في حديقة حيوان طرابلس.
وأعرب المفوض عن الأسى لما تم تداوله على وسائل التواصل من صور وفيديوهات مروعة، مشددًا على ضرورة احترام كرامة الضحايا وحقوق أسرهم، ودعا السلطات إلى منح الأمم المتحدة وصولًا كاملًا لتوثيق الانتهاكات.
بعد مجازر الفاشر، تحولت أمنيات النساء من مسكن آمن وعمل إلى البحث عن مصير أسرهن في السودان.
فقدت زوجها وشقيقتها ووالدتها: "حاسّة إني فقدت كل شيء، وخايفة معرفش أحافظ على عيالي".
خسرت عائلتها وتعيش بلا مأوى أو طعام: "مش قادرة آكل غير من الزبالة.. السودان وقع مني.. ما عنديش حد أرجع له".
تلخص مأساة السودان: "في الفاشر الناس بيموتوا بالرصاص.. وأخويا في القضارف بيموت بالجوع. الأول موت سريع.. والثاني بطيء".
"ساعات بحس إن الموت أرحم من الانتظار.. نموت من الجوع أفضل ما نموت تحت البشر".
تبحث عن أهلها المفقودين: "أهلي استشهدوا في حرب السودان بالفاشر.. لا خبر منهم والله".
هكذا اكتشفن أن الهروب من الحرب لم ينقذ عائلاتهن، وأن عبور الحدود لم يفصل قلوبهن عن وطن يزداد اشتعالًا. في ليبيا يدفعن ثمن نجاة منقوصة، بينما يدفع أهلهن في السودان ثمن البقاء بلا أمان ولا أخبار.
يبقى السؤال: هل ستتحرك السلطات الوطنية والدولية لتحويل هذه الشهادات إلى أفعال ملموسة، أم ستبقى قصص النساء والأطفال مجرد أرقام في تقارير حقوق الإنسان؟
أرسلنا ما توصّلنا إليه من معلومات وطلبنا توضيحًا من الجهات التالية، وتأكدنا من وصول الرسائل، لكننا لم نتلقَّ ردًا حتى نشر التحقيق: (مديرية أمن الكفرة - مديرية أمن طرابلس - جهاز الأمن الداخلي - حكومة الوحدة الوطنية - المكتب الإعلامي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية - رئيس مكتب الإعلام الأمني الليبي - وزارة الداخلية الليبية).
تنويه: بعض الصور المستخدمة في هذا التحقيق تم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولا تمثل أشخاصا حقيقيين.