لا تزال محاجر المنيا ضمن المواقع العمالية التي يُحدّق بها الخطر، دائرة لا تنتهي من الموت لا يرى أصحابها منها سوى "رزق"، من خلال ثلاثة عيون نرصد أزمة محاجر المنيا، فالموت بالنسبة للعامل ما هو إلا قدر، أما عين المصور البعيد فتبعث فيه الحماس لتجربة جديدة، يُبرز من خلالها المخاطر، في حين أن النقابيّ الذي يعتبر واحدًا من هذا المُجتمع، فقد سلك مسارًا آخر بعيدًا عن المحاجر، فيما يسْكنه همّ حقوقهم العمالية.
مثل قطع من السُحب تمثّلت محاجر المنيا أمام عيني المصور "إسلام فاروق"، أعدّ الشاب عُدّته برفقة مصور آخر. توجّه إلى محاجر المنيا، هي قِبلة عديدين يرصدون عبر عدسات الكاميرا المخاطر التي يتعرض لها العمال.
تتعدد المخاطر التي يعاني منها العمال، بين أمراض تصيبهم بسبب الغبار المتطاير من تقطيع الحجر الجيري، وإصابات تقطع الأطراف والأعضاء بسبب الآلات الحادة المُستعملة، يوجد حوالي 1800 محجر حسب ما صرّح "سمير نجيب"، نقيب عمال المحاجر، وعدد قليل فقط مُرخّص من بينها، مما يُضاف على معاناتهم التعامل مع الشرطة، ويعمل بالمحاجر حوالي 45 ألف عامل.
إعلان
إعلان
منذ مطلع الفجر استعد فاروق للتصوير، كان قد وصل إلى المحجر في ذلك الوقت، مع بداية العمل، إلا أن عُطلًا أصاب الآلة المستخدمة جعلتهم يتوقفون، ويتحلقون حول النار للتدفئة، كان الهمّ الشاغل للمصور هو محاولة الوصول إلى أشكال مختلفة من معاناة العُمال "من شدة البرودة إيدي محستش بيها".
من ضمن عمّال المحجر كان "محمد غنيم"، الذي يعمل منذ 30 عامًا كان عمل غنيم الدائم بالمحاجر، رغم تخرّجه في كلية الزراعة إلا أنه لم يجد مهنة أخرى، فهي "الشغلانة" المعروفة لدى شباب قرية "عرب الشيخ محمد"، يُرزق غنيم منها يوميًا بـ(70) جنيهًا، ليكفل أسرة مُكونة من زوجة و5 أطفال.
حاول غنيم ذات مرة العمل بعيدًا عن المنيا، ذهب إلى القاهرة ليعمل فردَ أمنٍ، قدّر مُرتبه حينها بـ1500 جنيه "ودول ميعملوش حاجة وأنا مسافر"، ليعود بعدها مُجددًا إلى العمل بالمحاجر "المحتاج مالوش بديل".
على العكْس منه كان نقيب العمّال، في أواخر السبعينيات اشتغل نجيب عاملًا بالمحاجر "كان عندي 26 سنة"، لكنه لم يستمر بها سوى أربع سنوات "دي شغلانة موت"، يذكر نجيب كيف كان يُلملم أحشاء زميله "الإصابة في الشغلانة دي أسهل من شُرب ميه".
إعلان
إعلان
نجا نجيب بنفسه من العمل بالمحاجر، تعلّم مهنة الخياطة "اشتغلت ترزي أفرنجي بتاع بنطلونات"، وهي المهنة التي يسترزق منها حتى الآن، بجانب عمله نقيبًا لعمال المحاجر.
لم يكن على بال نجيب أن يسلك المسار الحقوقي، لكن القدر وجّه إليه مؤسسة وادي النيل لرعاية عمال المحاجر "وأخدت تدريب على إيد مدربين حقوقيين"، كان ذلك في الثمانينيات، ومنذ ذلك الوقت وأصبح همّ نجيب هو حقوق عمال المحاجر، التي بدأ أولى خطواتها على أرض الواقع بتأسيس كيان نقابي عام 2006، ما زال يُعاني من المشاكل حتى الآن.
عبر الكيان تمنح النقابة المستقلة تدريبات توعية للسلامة المهنية "اخترنا 8 قرى وبندرب 25 شخصًا في كل قرية"، كذلك تقوم بعمل تأمينات اجتماعية لهم "وكمان سعينا إن البطاقة يبقى مكتوب فيها عامل بالمحاجر".
لا توّضح صور فاروق الصوت العالي للآلات "محدش بيكون سامع التاني"، أشبه بجُزر منعزلة يعمل كل فرد على حده، يستخدمون النظارة والكمامة القماشية واقيًا من ذرات الغبار الأبيض، فيما منحتهم وجود العدسات روحًا مرحة "عارفين إنها بتبين أثر شغلهم"، خاصة لدى العُمال الذين يشتغلون في جمع الطوب، وهم الأقل إصابة طالما بعيدين عن الآلات.
وجود العدسات بالنسبة لغنيم لم يكن له أثر جيّد، حيث يفكر في احتمالية أن "التصوير ممكن يقلّب الشرطة علينا"، يحكي العامل عمّا يحدث بشكل دوري "الحكومة ممكن تطلع تاخد صاحب المصنع ونفرين تلاتة معاه وترميهم في السجن"، فعائق الترخيص يظلّ المُشكلة الأساسية لتقنين أوضاع المحاجر، يوضّح نجيب رؤية أصحاب المحاجر "دي عبء عليهم، القانون بيلزم صاحب المصنع بحق انتفاع 7 آلاف جنيه زائد تأمين عليهم، وهو بيكون راجل باع الجاموسة اللي حيلته وحلق مراته واشترك مع زمايله عشان يشتروا محجر".
مثّلت تجربة عمال المحاجر بالنسبة لفاروق تحديًا جديدًا، حاول من خلاله إبراز موهبته في التصوير، شعر أن المحجر طبقةٌ من السماء، والطوب الأبيض مثل قطع من السُحب تخطو عليها أقدام العُمال، وهو ما حاول تدوينه حالما عاد من المنيا، ليتذكّر تجربته هناك.
إعلان
إعلان
من الفجر حتى الحادية عشرة صباحًا ظلّ فاروق بين العُمال، يلتقط صورهم، يُبرز أوضاعًا مختلفة لعمال المحاجر، فيما تأثّر بحالهم الأبديّ، ترك فاروق الموقع، وغادرهم، لكنهم سيظلّون على نفس الحال، بين إصابات يرويها أقدارًا، ورزقٍ عليهم الإتيان به، بينما يُحاول نجيب عبر مكانه نقيبًا لهم، الإتيان بحقوقهم، فيما يرتئي أنهم سيبقون على نفس الوضع "شغل الجبل مسح لهم الفكر بتاعهم"، هو الرجل الذي لم يتعلّم عبر المدارس بل كان كتابه الحياة.