بدأت أولى هذه الروايات المضللة في الانتشار، بالتزامن مع مغادرة
الكاتبة والصحفية دنيا الأمل إسماعيل، قطاع غزة في الثالث والعشرين من
نيسان/أبريل 2025، ضمن قافلة ضمّت نحو 115 شخصاً، معظمهم من الأدباء
والمثقفين، إلى جانب عدد من الحالات الإنسانية المرتبطة بـ "لمّ
الشمل".
انطلقت القافلة من دير البلح وسط القطاع، وسلكت طريقها براً عبر معبر
كرم أبو سالم، مروراً بالضفة الغربية، حتى وصلت إلى الأردن. هناك، أمضى
المسافرون ليلة في فندق "إنتركونتننتال" بالعاصمة عمّان، قبل أن
يغادروا في اليوم التالي من مطار الملك علياء إلى فرنسا.
في اليوم ذاته من مغادرة القافلة قطاع غزة، انطلقت أولى حملات التضليل
التي سترافق الرحلة وتُلقي بظلال الشك على دوافعها. كان من أوائل مَن
أسهموا في تأجيج هذه الرواية، مؤسس ورئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق
الإنسان، رامي عبده، الذي نشر في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل 2025،
عند الساعة الثانية وخمس دقائق ظهراً، تغريدة عبر حسابه على منصة "إكس"
(تويتر سابقاً)، قال فيها:"عبر مطار رامون، قامت السفارة الفرنسية اليوم بالتنسيق مع الجيش
الإسرائيلي بتهجير 110 من الغزيين أصحاب الكفاءات والأكاديميين
والدرجات العلمية العليا".
وأرفق التغريدة بمقطع فيديو عام، يُظهر مشاهد من مطار رامون، من دون أي
تفاصيل تخص هوية المغادرين أو ظروفهم.
التغريدة التي نشرها رامي عبده، المقيم في جنيف، لم تمر مرور الكرام.
فقد شاهدها قرابة 160 ألف شخص، وتفاعل معها نحو ألف مستخدم، في حين
أعاد نشرها 551 حساباً، توزعت بين مستخدمين عرب وفلسطينيين وأجانب.
لم تتوقف الحملة عند هذه التغريدة؛ إذ شاركت حسابات أخرى، بعضها
فلسطيني وأخرى عربية، في نشر المزاعم ذاتها. من بين تلك الحسابات، حساب
فلسطيني نشر تغريدة تقول إن فرنسا أخلت عشرات الأدباء والمثقفين
وهجّرتهم إلى الخارج. هذه التغريدة وحدها وصلت إلى نحو 176 ألف شخص،
وتفاعل معها أكثر من ألف مستخدم، وأعاد نشرها 622 حساباً.
غادرت "دنيا" غزة بعد حصولها على منحة ثقافية فرنسية مرموقة تُعرف باسم
"منحة بوز (BOZAR)"، المقدمة من وزارة الثقافة الفرنسية للمثقفين
والفنانين والباحثين من مختلف أنحاء العالم. المنحة ليست مخصصة
للفلسطينيين وحدهم، بل تُمنح سنوياً لمشاركين من عشرات الدول، من بينهم
عرب وأوروبيون وآسيويون وأفارقة، ويقدم كل منهم مشروعاً ثقافياً يشمل
تأليف الكتب، أو تنظيم المعارض، أو إعداد الأبحاث الأكاديمية، أو إنتاج
أعمال فنية وموسيقية.
حصلت دنيا على المنحة ضمن برنامج يمتد لعام واحد فقط، قابل للتمديد
لعام إضافي في حال تعذّر استكمال المشروع، لكنّها لا تتيح بأي حال من
الأحوال مساراً للإقامة الدائمة أو الحصول على الجنسية؛ فهي فرصة
ثقافية مؤقتة ومحددة بجدول زمني، على أن يعود المستفيد بعدها مباشرة
إلى بلده.
ورغم أن دنيا بدأت إجراءات المنحة قبل اندلاع الحرب بفترة، فإن العدوان
الإسرائيلي وما تبعه من إغلاق متكرر للمعابر، ودمار واسع في البنية
التحتية، حال دون سفرها في أكثر من مناسبة. ومع كل تأجيل، كانت الفرصة
تبتعد أكثر. حتى جاء الثالث والعشرون من نيسان/أبريل، حين سنحت أخيراً
فرصة مغادرة القطاع، في لحظة نادرة من الانفراجة، لتبدأ رحلتها
المؤجلة، ولكن برفقة حملة تشويه ترافقها إلى اليوم.
بعد نحو ثلاثة أيام من بدء الترويج للحملة، أصدرت وزارة الخارجية
الفرنسية بياناً في 25 نيسان/أبريل 2025، أكدت فيه أنها ساعدت على
إجلاء 115 شخصاً من غزة، كما أكدت وصولهم الأراضي الفرنسية. أوضح
البيان أن فرنسا تعمل منذ 18 شهراً على تأمين مواطنيها وذويهم، وموظفي
المعهد الفرنسي في غزة وأسرهم، بالإضافة إلى شخصيات فلسطينية مرتبطة
بفرنسا .
في اليوم نفسه، نشرت وسائل إعلام فرنسية أنباءً عن وصول نحو 115
فلسطينياً إلى مطار أورلي في باريس، من بينهم "طلاب حاصلون على منح من
الحكومة الفرنسية منذ نحو 15 إلى 18 شهراً، لكن تعذر عليهم القدوم
لمتابعة دراستهم"، إضافة إلى "باحثين وفنانين" جاءوا برفقة أسرهم، وفق
ما صرحت به أنيك سوزور وينر، الأستاذة الفخرية في جامعة باريس - ساكلي،
ونائبة رئيس شبكة المهاجرين في التعليم العالي.
ورغم وضوح الرواية الرسمية ونفيها المزاعم، لم تهدأ موجة الاتهامات.
ففي 27 نيسان/أبريل 2025، عاد رامي عبده، لينشر على صفحته في "فيسبوك"،
مكرراً المزاعم نفسها، وقال إن السفارة الفرنسية سهّلت مغادرة 115
فلسطينياً من غزة يوم 23 نيسان/أبريل، عبر معبر كرم أبو سالم، ثم جسر
الملك حسين.
وكتب عبده:
"رغم أن وزارة الخارجية الفرنسية تزعم أنها غير متورطة في سياسات
التطهير العرقي التي تنتهجها الولايات المتحدة وإسرائيل في قطاع غزة،
إلا أن البيان الرسمي بشأن هذه 'المهمة لم يصدر إلا بعد يومين من
تنفيذها. وقد جرت العملية في سرية تامة، ووسط تواصل محدود، ومعايير
غير واضحة، وامتناع تام عن الرد على الاستفسارات السابقة".
تفاعل مع منشوره نحو 109 أشخاص، وأُعيد تداوله عبر 45 حساباً. وبينما
كانت فرنسا توضح أن ما جرى كان استجابة إنسانية مؤجلة، وفرصة تعليمية
وثقافية أخّرتها الحرب، انتشرت الرواية الأخرى، وحمّلت المغادرين وزراً
أُلصق بهم من دون ذنب.
لكن، ورغم إصرار رامي عبده على أن جميع المغادرين فعلوا ذلك بهدف
الهجرة، خرجت الكاتبة الفلسطينية ضحى كحلوت (بالإضافة إلى دنيا الأمل
إسماعيل) لتروي تجربتها، التي تكشف بوضوح زيف تلك الادعاءات.
كانت ضحى قد حصلت في آيار/مايو 2024، على منحة "الكاتب المقيم" المقدمة
من معهد Ried Hall في باريس، التابع لجامعة كولومبيا؛ وهي منحة مرموقة
تُمنح للمبدعين من مختلف أنحاء العالم، للعمل على مشروعات أدبية
وثقافية ضمن بيئة بحثية حاضنة. لكنّ اندلاع الحرب في غزة، وما تبعها من
إغلاق كامل لمعبر رفح، حال دون سفرها في الموعد المقرر، لتجد نفسها
عالقة في القطاع لنحو عام تقريباً، في انتظار نافذة أمل تسمح لها
بتحقيق حلمها.
ورغم اشتداد الحرب وتضاؤل الخيارات، لم تُغلق المنحة أبوابها. ظل
الفريق المسؤول عنها على تواصل دائم معها، لمحاولة إيجاد مخرج من
الحصار. ومع فتح نافذة إجلاء محدودة عبر معبر كرم أبو سالم، تواصلت ضحى
مع القنصلية الفرنسية، كما فعل فريق المنحة، وتم تنسيق تفاصيل السفر
بدقة، ليُحدد الموعد أخيراً في 23 نيسان/أبريل 2025.
غادرت ضحى القطاع في ذلك اليوم، من معبر كرم أبو سالم باتجاه الأردن،
حيث قضت ليلة في أحد الفنادق، ثم ليلة أخرى داخل مطار الملكة علياء
الدولي، من دون أن تطأ قدماها مطار رامون (الإسرائيلي)، الذي كان
محوراً رئيسياً في الروايات المضللة المتداولة.
خرجت ضحى بمفردها، من دون أن يرافقها أي فرد من عائلتها. من بيتها في
شمال غزة، سافرت إلى دير البلح قبل يوم من موعد الرحلة، حيث كانت نقطة
التجمع المحددة للمغادرين، بحسب التعليمات الرسمية التي تلقوها مسبقاً.
أما عن مزاعم التوقيع على وثائق تمنعهم من العودة إلى غزة، تنفي ضحى
تماماً ما قيل في هذا الصدد، وتوضح أن الأوراق الوحيدة التي وقّعت
عليها كانت داخل القنصلية الفرنسية، وتتعلق بإجراءات الحصول على
التأشيرة فقط. وتؤكد أن مدة إقامتها في فرنسا مرتبطة مباشرة بفترة
المنحة، وستنتهي بانتهائها.
في شهادة ضحى، كما في قصة دنيا الأمل، تتجلى الحقيقة: لم يكن الخروج
هجرة طوعية منسقة مع الاحتلال، بل كان رحيلاً مؤقتاً ومحاولة أخيرة
لالتقاط الحلم، وسط حصار وآلة قتل لا تتوقف.
انعكس تأثير الحملة في الشهادات الواردة من خارج قطاع غزة، وتحديداً من
فرنسا؛ إذ تزايدت الشائعات حول وجود "مشروع تهجير جماعي" للفلسطينيين
من القطاع إلى أوروبا، وتحديداً إلى فرنسا. هذا التصعيد دفع العديد من
سكان غزة إلى محاولة التواصل مع أقاربهم ومعارفهم في الخارج، أملاً في
مساعدتهم على إيجاد طريق للخروج.