الصورة الرئيسية للتحقيق

سردية مضللة

"التهجير الطوعي" من غزة بين الحرب والدعاية

سارة أبو شادي وسيد إسماعيل
سارة أبو شادي وسيد إسماعيل
تاريخ
25 أغسطس 2025
تم تصميم الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي


الزمان : فجر الثالث والعشرين من نيسان/ أبريل 2025
المكان : دير البلح (المحافظة الوسطى - قطاع غزة)

مع استمرار الحرب في غزة، اندلعت حرب من نوع آخر، تضليل إعلامي يستهدف وعي الناس ويعيد تشكيل الرواية حول ما يجري. هذه المرة، لم تكن الصواريخ هي السلاح، بل حملات إلكترونية ضخمة تروّج لفكرة "الهجرة الطوعية"، بوصفها مخرجاً إنسانياً مزعوماً من المأساة، فيما يُعاد تصوير النزوح القسري على أنه خيار فردي.

وسط القصف وصافرات الإسعاف وصراخ الأطفال، كان عشرات المثقفين والعلماء يغادرون القطاع للالتحاق بمشروعات ومنح حصلوا عليها قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. غير أن هذه المغادرة تحولت سريعاً إلى مادة لحملات منظمة؛ تصف خروجهم بأنه "تهجير طوعي"، تمهيداً لتبرير خطة "اقتلاع" ممنهجة للسكان على نطاق أوسع.

بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2025، ظهرت ثلاث حملات إلكترونية متتالية على مواقع التواصل الاجتماعي، روجت لمشروع "التهجير الطوعي" الذي تقوده إسرائيل لاستهداف سكان غزة. في هذه الحملات، تم توظيف قصص الغزيين الذين غادروا القطاع إلى وجهات عربية وأوروبية، وجرى تصوير خروجهم كجزء من مخطط دولي منسق لتفريغ غزة من سكانها.

استهدفت الحملة الأولى نحو 115 شخصاً؛ أغلبهم من الأدباء والمثقفين، واتهمتهم بمغادرة غزة بتنسيق مع السلطات الفرنسية. أما الحملة الثانية، فركّزت على طائرة إماراتية يُزعم أنها أقلّت 188 شخصاً في إطار "التهجير الطوعي". وتطرقت الحملة الثالثة إلى مزاعم بوجود وثائق وتوكيلات وأسماء إسرائيلية تدعم "الراغبين في الرحيل"، من أبرزها المحامي يورام يهودا.

صورة

البداية..

تم تصميم الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي


بدأت أولى هذه الروايات المضللة في الانتشار، بالتزامن مع مغادرة الكاتبة والصحفية دنيا الأمل إسماعيل، قطاع غزة في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل 2025، ضمن قافلة ضمّت نحو 115 شخصاً، معظمهم من الأدباء والمثقفين، إلى جانب عدد من الحالات الإنسانية المرتبطة بـ "لمّ الشمل".

انطلقت القافلة من دير البلح وسط القطاع، وسلكت طريقها براً عبر معبر كرم أبو سالم، مروراً بالضفة الغربية، حتى وصلت إلى الأردن. هناك، أمضى المسافرون ليلة في فندق "إنتركونتننتال" بالعاصمة عمّان، قبل أن يغادروا في اليوم التالي من مطار الملك علياء إلى فرنسا.

في اليوم ذاته من مغادرة القافلة قطاع غزة، انطلقت أولى حملات التضليل التي سترافق الرحلة وتُلقي بظلال الشك على دوافعها. كان من أوائل مَن أسهموا في تأجيج هذه الرواية، مؤسس ورئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، الذي نشر في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل 2025، عند الساعة الثانية وخمس دقائق ظهراً، تغريدة عبر حسابه على منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، قال فيها:"عبر مطار رامون، قامت السفارة الفرنسية اليوم بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي بتهجير 110 من الغزيين أصحاب الكفاءات والأكاديميين والدرجات العلمية العليا".

وأرفق التغريدة بمقطع فيديو عام، يُظهر مشاهد من مطار رامون، من دون أي تفاصيل تخص هوية المغادرين أو ظروفهم.

التغريدة التي نشرها رامي عبده، المقيم في جنيف، لم تمر مرور الكرام. فقد شاهدها قرابة 160 ألف شخص، وتفاعل معها نحو ألف مستخدم، في حين أعاد نشرها 551 حساباً، توزعت بين مستخدمين عرب وفلسطينيين وأجانب.

كابشن
كابشن

لم تتوقف الحملة عند هذه التغريدة؛ إذ شاركت حسابات أخرى، بعضها فلسطيني وأخرى عربية، في نشر المزاعم ذاتها. من بين تلك الحسابات، حساب فلسطيني نشر تغريدة تقول إن فرنسا أخلت عشرات الأدباء والمثقفين وهجّرتهم إلى الخارج. هذه التغريدة وحدها وصلت إلى نحو 176 ألف شخص، وتفاعل معها أكثر من ألف مستخدم، وأعاد نشرها 622 حساباً.

غادرت "دنيا" غزة بعد حصولها على منحة ثقافية فرنسية مرموقة تُعرف باسم "منحة بوز (BOZAR)"، المقدمة من وزارة الثقافة الفرنسية للمثقفين والفنانين والباحثين من مختلف أنحاء العالم. المنحة ليست مخصصة للفلسطينيين وحدهم، بل تُمنح سنوياً لمشاركين من عشرات الدول، من بينهم عرب وأوروبيون وآسيويون وأفارقة، ويقدم كل منهم مشروعاً ثقافياً يشمل تأليف الكتب، أو تنظيم المعارض، أو إعداد الأبحاث الأكاديمية، أو إنتاج أعمال فنية وموسيقية.

حصلت دنيا على المنحة ضمن برنامج يمتد لعام واحد فقط، قابل للتمديد لعام إضافي في حال تعذّر استكمال المشروع، لكنّها لا تتيح بأي حال من الأحوال مساراً للإقامة الدائمة أو الحصول على الجنسية؛ فهي فرصة ثقافية مؤقتة ومحددة بجدول زمني، على أن يعود المستفيد بعدها مباشرة إلى بلده.

ورغم أن دنيا بدأت إجراءات المنحة قبل اندلاع الحرب بفترة، فإن العدوان الإسرائيلي وما تبعه من إغلاق متكرر للمعابر، ودمار واسع في البنية التحتية، حال دون سفرها في أكثر من مناسبة. ومع كل تأجيل، كانت الفرصة تبتعد أكثر. حتى جاء الثالث والعشرون من نيسان/أبريل، حين سنحت أخيراً فرصة مغادرة القطاع، في لحظة نادرة من الانفراجة، لتبدأ رحلتها المؤجلة، ولكن برفقة حملة تشويه ترافقها إلى اليوم.

بعد نحو ثلاثة أيام من بدء الترويج للحملة، أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بياناً في 25 نيسان/أبريل 2025، أكدت فيه أنها ساعدت على إجلاء 115 شخصاً من غزة، كما أكدت وصولهم الأراضي الفرنسية. أوضح البيان أن فرنسا تعمل منذ 18 شهراً على تأمين مواطنيها وذويهم، وموظفي المعهد الفرنسي في غزة وأسرهم، بالإضافة إلى شخصيات فلسطينية مرتبطة بفرنسا .

في اليوم نفسه، نشرت وسائل إعلام فرنسية أنباءً عن وصول نحو 115 فلسطينياً إلى مطار أورلي في باريس، من بينهم "طلاب حاصلون على منح من الحكومة الفرنسية منذ نحو 15 إلى 18 شهراً، لكن تعذر عليهم القدوم لمتابعة دراستهم"، إضافة إلى "باحثين وفنانين" جاءوا برفقة أسرهم، وفق ما صرحت به أنيك سوزور وينر، الأستاذة الفخرية في جامعة باريس - ساكلي، ونائبة رئيس شبكة المهاجرين في التعليم العالي.

ورغم وضوح الرواية الرسمية ونفيها المزاعم، لم تهدأ موجة الاتهامات. ففي 27 نيسان/أبريل 2025، عاد رامي عبده، لينشر على صفحته في "فيسبوك"، مكرراً المزاعم نفسها، وقال إن السفارة الفرنسية سهّلت مغادرة 115 فلسطينياً من غزة يوم 23 نيسان/أبريل، عبر معبر كرم أبو سالم، ثم جسر الملك حسين.

وكتب عبده: "رغم أن وزارة الخارجية الفرنسية تزعم أنها غير متورطة في سياسات التطهير العرقي التي تنتهجها الولايات المتحدة وإسرائيل في قطاع غزة، إلا أن البيان الرسمي بشأن هذه 'المهمة لم يصدر إلا بعد يومين من تنفيذها. وقد جرت العملية في سرية تامة، ووسط تواصل محدود، ومعايير غير واضحة، وامتناع تام عن الرد على الاستفسارات السابقة".

تفاعل مع منشوره نحو 109 أشخاص، وأُعيد تداوله عبر 45 حساباً. وبينما كانت فرنسا توضح أن ما جرى كان استجابة إنسانية مؤجلة، وفرصة تعليمية وثقافية أخّرتها الحرب، انتشرت الرواية الأخرى، وحمّلت المغادرين وزراً أُلصق بهم من دون ذنب.

لكن، ورغم إصرار رامي عبده على أن جميع المغادرين فعلوا ذلك بهدف الهجرة، خرجت الكاتبة الفلسطينية ضحى كحلوت (بالإضافة إلى دنيا الأمل إسماعيل) لتروي تجربتها، التي تكشف بوضوح زيف تلك الادعاءات.

كانت ضحى قد حصلت في آيار/مايو 2024، على منحة "الكاتب المقيم" المقدمة من معهد Ried Hall في باريس، التابع لجامعة كولومبيا؛ وهي منحة مرموقة تُمنح للمبدعين من مختلف أنحاء العالم، للعمل على مشروعات أدبية وثقافية ضمن بيئة بحثية حاضنة. لكنّ اندلاع الحرب في غزة، وما تبعها من إغلاق كامل لمعبر رفح، حال دون سفرها في الموعد المقرر، لتجد نفسها عالقة في القطاع لنحو عام تقريباً، في انتظار نافذة أمل تسمح لها بتحقيق حلمها.

ورغم اشتداد الحرب وتضاؤل الخيارات، لم تُغلق المنحة أبوابها. ظل الفريق المسؤول عنها على تواصل دائم معها، لمحاولة إيجاد مخرج من الحصار. ومع فتح نافذة إجلاء محدودة عبر معبر كرم أبو سالم، تواصلت ضحى مع القنصلية الفرنسية، كما فعل فريق المنحة، وتم تنسيق تفاصيل السفر بدقة، ليُحدد الموعد أخيراً في 23 نيسان/أبريل 2025.

غادرت ضحى القطاع في ذلك اليوم، من معبر كرم أبو سالم باتجاه الأردن، حيث قضت ليلة في أحد الفنادق، ثم ليلة أخرى داخل مطار الملكة علياء الدولي، من دون أن تطأ قدماها مطار رامون (الإسرائيلي)، الذي كان محوراً رئيسياً في الروايات المضللة المتداولة.

خرجت ضحى بمفردها، من دون أن يرافقها أي فرد من عائلتها. من بيتها في شمال غزة، سافرت إلى دير البلح قبل يوم من موعد الرحلة، حيث كانت نقطة التجمع المحددة للمغادرين، بحسب التعليمات الرسمية التي تلقوها مسبقاً.

أما عن مزاعم التوقيع على وثائق تمنعهم من العودة إلى غزة، تنفي ضحى تماماً ما قيل في هذا الصدد، وتوضح أن الأوراق الوحيدة التي وقّعت عليها كانت داخل القنصلية الفرنسية، وتتعلق بإجراءات الحصول على التأشيرة فقط. وتؤكد أن مدة إقامتها في فرنسا مرتبطة مباشرة بفترة المنحة، وستنتهي بانتهائها.

في شهادة ضحى، كما في قصة دنيا الأمل، تتجلى الحقيقة: لم يكن الخروج هجرة طوعية منسقة مع الاحتلال، بل كان رحيلاً مؤقتاً ومحاولة أخيرة لالتقاط الحلم، وسط حصار وآلة قتل لا تتوقف.

انعكس تأثير الحملة في الشهادات الواردة من خارج قطاع غزة، وتحديداً من فرنسا؛ إذ تزايدت الشائعات حول وجود "مشروع تهجير جماعي" للفلسطينيين من القطاع إلى أوروبا، وتحديداً إلى فرنسا. هذا التصعيد دفع العديد من سكان غزة إلى محاولة التواصل مع أقاربهم ومعارفهم في الخارج، أملاً في مساعدتهم على إيجاد طريق للخروج.

تأثير التضليل

تأثير التضليل..

تم تصميم الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي


محمود البنا، ناشط فلسطيني مقيم في فرنسا، تحدّث عن الأثر المباشر لتلك الحملة والشائعات التي رافقتها، مؤكداً أنه تلقّى عشرات الرسائل والمكالمات، ليس فقط من أقاربه وأصدقائه، بل من أشخاص لا يعرفهم شخصياً. وكان السؤال المتكرر بينهم جميعاً: كيف يمكننا الخروج؟ وأين يمكننا التسجيل؟

يقول محمود إن غالبية الأسئلة جاءت من أصحاب شهادات عليا ومثقفين، ظناً منهم أن فرنسا فتحت أبوابها لهذه الفئة تحديداً. بعضهم بحث عن أي أوراق تربطه بمؤسسات فرنسية للحصول على "طوق نجاة"، لكن الوصول إلى مثل هذه الأوراق كان شبه مستحيل. ويؤكد أن الواقع مختلف تماماً عما يُشاع؛ فعدد الفلسطينيين الذين دخلوا فرنسا مؤخراً، يبلغ نحو 110 أشخاص، معظمهم في إطار "لمّ الشمل" أو لأسباب إنسانية واضحة، كالإصابة في الحرب، ولم يُطلب منهم التوقيع على أي وثيقة تمنعهم من العودة. الإجراءات كانت قانونية واعتيادية، وليست ضمن أي "مشروع تهجير منظم".

هيئة إسرائيلية للتهجير الطوعي

ورغم انتشار حملات التضليل الثلاث للترويج لبداية ما سُمّي بـ"الهجرة الطوعية"، فإن إسرائيل لم تتوانَ عن تحويل هذه الحملات إلى خطوات عملية على الأرض؛ حيث أعلنت مطلع عام 2025، عن تأسيس هيئة حكومية جديدة، تابعة لوزارة الدفاع تُعنى بتسهيل "التهجير الطوعي" لسكان قطاع غزة، في خطوة وُصفت بأنها امتداد لمقترحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن نقل سكان القطاع إلى دول أخرى.

وتتولى الهيئة الجديدة تنظيم ومتابعة، ما تصفه إسرائيل، بإجراءات خروج الفلسطينيين من غزة "بشكل طوعي وآمن ومنظم". تشمل هذه التسهيلات توفير ترتيبات للتنقل الجوي والبحري والبري، على أن تُقدَّم جميع الخطوات باعتبارها متوافقة مع "القانون الدولي" والقانون الإسرائيلي. ووفق الرؤية الأميركية، فإن هذه الخطوة تندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة تطوير قطاع غزة، وتحويله إلى ما وُصف بـ"ريفييرا الشرق الأوسط".

سرديات تضليل متواصلة

لم تكن الحملة التي استهدفت خروج الأدباء والمثقفين الفلسطينيين من قطاع غزة، الوحيدة التي تم الترويج لها ضمن سردية "التهجير الطوعي". ففي أعقاب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمنطقة في أيار/مايو 2025، شهدت منصات التواصل الاجتماعي (تحديداً بين 12 و14 أيار/مايو)، تصاعد حملة منسقة تدّعي وصول طائرة إماراتية إلى غزة، بهدف نقل نحو 188 فلسطينياً، تحت ما وصف بـ"الهجرة الطوعية".

بدأت الحملة بتغريدة نشرها حساب على موقع "إكس" بتاريخ 12 أيار/مايو، زعم فيها أن طائرة إماراتية هبطت في مطار رامون لنقل عشرات الفلسطينيين من غزة. أُرفقت التغريدة بصورة لطائرة إماراتية. ورغم حذف الحساب لاحقاً، فقد تمت أرشفته عبر محرك بحث جوجل.

عقب هذه التغريدة، انتشر أكثر من 180 منشوراً آخر خلال الفترة بين 12 و15 أيار/مايو، تضمنت المنشورات نصوصاً متطابقة تقريباً أو صوراً مشابهة، ما يشير إلى وجود حملة شبه منسقة تهدف إلى تشكيل رأي عام إلكتروني، يُروّج لفكرة التهجير كخيار "إنساني" مقبول.

ومن خلال تتبع مصدر هذه المنشورات، تبيّن أن أغلبها نُشر من حسابات في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسرائيل؛ ما يعزز فرضية التنسيق المسبق. كما كشفت البيانات أن المحتوى السلبي في تلك المنشورات تجاوز 67 في المئة، في حين لم تتجاوز نسبة المحتوى الأصلي 12 في المئة، وهو مؤشر واضح على وجود عمليات تضخيم رقمية وتضليل إعلامي ممنهج.

بدأت الحملة الإلكترونية الناطقة بالإنجليزية من حسابات مرتبطة بمجموعات يمينية داعمة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن العديد من هذه الحسابات حُذف لاحقاً. من أبرز الحسابات التي شاركت في الترويج للحملة في بدايتها؛ حساب الكاتب والمؤلف الأميركي المثير للجدل Craig Winn.

يتضمّن محتوى الحساب هجوماً مباشراً على الإسلام؛ إذ نشر المؤلف عدة كتب تنتقد الدين الإسلامي من منظور ديني وتحليلي حاد، أبرزها كتابه "Prophet of Doom" (نبي الدمار)، الذي يقدّم من خلاله نقداً لاذعاً للإسلام كدين. كما ألّف كتاب "Tea with Terrorists"، الذي يناقش فيه هوية "الإرهابيين"، ودوافعهم، وكيفية مواجهتهم من منظوره.

تحليل الحسابات المروجة لحملة التهجير الإماراتية

من خلال تتبّع الحسابات التي روجت لحملة إماراتية مثيرة للجدل، بشأن ما قيل إنه "مخطط للهجرة الطوعية للفلسطينيين"، توصّلنا إلى أنه من بين نحو 35 حساباً شارك في نشر الرسائل الأساسية للحملة، هناك خمسة حسابات يُشتبه في أنها بوتات (تُشغّل بشكل آلي جزئياً، أو تعتمد على مزيج من النشاط البشري والآلي).

ومن بين أبرز الحسابات المشاركة في الترويج للحملة: حساب يحمل اسم Zoya، يتابعه نحو 43 ألف شخص، ويُظهر موقع صاحبه أنه من مدينة كراتشي الباكستانية. بتحليل المحتوى المنشور على الحساب، يتبين أن الغالبية العظمى من تغريداته تدعم إسرائيل والحركة الصهيونية بشكل مباشر.

حساب آخر نشط في الترويج للحملة يحمل اسم In the Name of Jesus، ويبدو أن صاحبه يقيم في ولاية جورجيا الأميركية. الحساب، الذي يتابعه نحو 150 ألف شخص، يُعرف بتوجهاته الداعمة بشكل علني لليهودية السياسية ولإسرائيل، وتتسم منشوراته بخطاب ديني يمزج بين المسيحية والصهيونية.

كما شارك في الحملة حساب يدعى Afshine Emrani MD FACC، يُعرف عن نفسه بأنه طبيب قلب يهودي صهيوني، ويُبث محتواه من لوس أنجلوس، كاليفورنيا. الحساب يتابعه نحو 80 ألف شخص، ويظهر من خلال محتواه انخراطه الدائم في الدفاع عن السياسات الإسرائيلية.

chart image

أظهر Winn في منشوراته دعماً علنياً وصريحاً لإسرائيل، وركز على ضرورة حمايتها وتعزيز أمنها، مع تناول صراعات الشرق الأوسط من منظور منحاز للرواية الإسرائيلية.

تزامنت هذه الحملة "الإنجليزية" مع تغطية إعلامية عبرية مكثفة وأخرى عربية، ركزت على الادعاء بوصول طائرة إماراتية إلى مطار رامون لنقل 600 فلسطيني ضمن ما سُمّي بـ "الهجرة الطوعية".

وفي الرابع عشر من أيار/مايو 2025، نشرت وكالة أنباء الإمارات الرسمية "وام" خبراً يفيد بأن الإمارات، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، نفذت رحلة إخلاء إنساني جديدة عبر مطار رامون الإسرائيلي، ومن خلال معبر كرم أبو سالم، حيث جرى نقل 101 من المرضى الفلسطينيين، برفقة 87 فرداً من عائلاتهم، للعلاج في الإمارات.

هذا الخبر يتسق مع ما أكده الصحفي الفلسطيني معالي أبو سمرة، مسؤول العلاقات العامة في "عملية الفارس الشهم" الإماراتية، المعنية بإجلاء المرضى والجرحى من قطاع غزة. أوضح أن ما حدث هو "عملية إخلاء طبي منسّقة"، جاءت ضمن جهود إنسانية إماراتية -بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية- ولا علاقة لها بما يُشاع حول وجود مخطط للهجرة الطوعية أو التهجير الجماعي.

المحامي الإسرائيلي

المحامي الإسرائيلي..

تم تصميم الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي


لم تتوقف حملات الترويج لسيناريو "الهجرة الطوعية" من غزة. ففي 21 نيسان/أبريل 2025، نشر الصحفي الفلسطيني جهاد خضرة منشوراً على "فيسبوك"، أعرب فيه عن رغبته في إخراج أسرته من القطاع، وزعم خروج نحو 11 ألف فلسطيني بشكل طوعي عبر مطار رامون. كما نشر صوراً لتوكيلات ومحاضر قانونية تتعلق بمحامٍ إسرائيلي يُدعى يورام يهودا.

وبحسب المنشور، أشار خضرة لإمكانية مغادرة القطاع عن طريق توكيلات قانونية للعائلات المستهدفة، يُطلب منهم توقيعها لصالح محامين إسرائيليين، مع تعهد بدفع مبلغ مالي، في إطار ما وصفه بأنهم يستطيعون مغادرة القطاع دون الحاجة لأي وساطة محلية، أو ترتيبات إضافية إلى دول مثل ماليزيا أو إندونيسيا.

المنشور تفاعل معه أكثر من 300 شخص، وتمت مشاركته من قبل نحو 153 مستخدماً، أغلبهم عبروا عن تأييدهم لفكرة الخروج.

في اليوم ذاته، نشر المحامي الفلسطيني محمد أبو حجر، المقيم في أوروبا، منشوراً مماثلاً، تحدث فيه عن "فرصة للخروج من غزة" بالتعاون مع المحامي نفسه، لكن هذه المرة كانت مقابل مبلغ مالي. وأوضح أن الراغبين في المغادرة سيُطلب منهم تحويل نحو ألفين و500 شيكل (746 دولاراً تقريباً) إلى حساب المحامي الإسرائيلي، الذي بدوره يرفع الطلب إلى المنسق العام للجيش الإسرائيلي في غزة، ضمن خطة سفر تشمل دولاً مثل ماليزيا، وإندونيسيا إضافة إلى أوروبا.

صورة طائرة
تم تصميم الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي


حظي منشور الصحفي محمد أبو حجر بأكثر من 411 تفاعلاً و 196 تعليقاً. ومن بين تلك التعليقات، برز تعليق من شاب فلسطيني يُدعى شادي غسان، مقيم في بلجيكا، قال فيه إنه تواصل بالفعل مع المحامي الإسرائيلي المذكور، وأكد له إمكانية السفر إلى ماليزيا وإندونيسيا عبر مطار رامون، مضيفاً أن المسافر يُمنح ما يقارب 5 آلاف دولار، مقابل التنازل عن ممتلكاته في غزة، والتوقيع على تعهد بعدم العودة إلى القطاع.

وبالتحقّق من حساب شادي غسان، تبين أنه من النشطاء الفلسطينيين المقيمين في أوروبا، المعروفين بمواقفهم المعارضة لـحركة حماس. كما أظهرت نتائج البحث أن محمد أبو حجر، صاحب المنشور الأصلي، يُعرف أيضاً بنشاطه السياسي المعارض للحركة، ويمتلك حساباً آخر على فيسبوك، ينشر فيه منشورات ناقدة بشدة لحماس وأعضاء مكتبها السياسي.

تواصل فريق التحقيق مع شادي غسان، الذي أعلن تواصله مع المحامي الإسرائيلي، الذي رُوّج لاسمه ضمن حملة "الهجرة الطوعية" من غزة. بحسب شادي، فإن المحامي عرض تسهيل خروج عائلات من القطاع مقابل مبلغ مالي عن كل شخص، يقدر بألفين و500 شيكل (746 دولاراً تقريباً)، يُدفع بعد إدراج الأسماء في قوائم التنسيق والارتباط، على أن تغادر بعد نحو شهر من الاتفاق، عبر معبر كرم أبو سالم إلى مطار رامون، ومن هناك إلى وجهات مثل ماليزيا أو إندونيسيا.

وبحسب روايته، يُطلب من المغادرين التوقيع على وثائق تتضمن التنازل الكامل عن ممتلكاتهم داخل غزة، إلى جانب تعهد بعدم العودة مجدداً، مقابل وعود بالحصول على مبالغ مالية قد تصل إلى خمسة آلاف دولار لكل شخص. وأرسل المحامي للشاب بعض الوثائق التي طلب منه تجهيزها، من أجل الاستعداد لإخراج أهله من القطاع، من دون أي تفاصيل أخرى.

رغم أن الناشط الفلسطيني قال إنه تحدث مع المحامي الإسرائيلي، وأخبره أن الأمر صحيح، ومن خلاله يمكن الخروج من غزة، لكننا قمنا -عبر أحد المواطنين الفلسطينيين في أراضي عام 1948- بتجربة الوصول للمحامي الإسرائيلي. وبعد التواصل مع مكتبه، أبلغونا أنه مشغول ويمكن أن نتواصل معه في وقت آخر، مع أن الشاب أبلغهم أنه يسأل عن قصة التهجير من غزة.

المحامي الإسرائيلي "يورام يهودا"، الذي تحدث عنه عدد من النشطاء الفلسطينيين المقيمين في أوروبا كوسيط لخروج الفلسطينيين من قطاع غزة، أُثيرت حوله تساؤلات وشبهات في الأوساط الإسرائيلية أيضاً. إذ تداولت حسابات إسرائيلية منشورات حوله، واتهمه بعض المغردين بأنه قد يكون ممارساً للاحتيال على الدول الأوروبية لتسهيل سفر الغزيين مقابل مبالغ مالية. كما تناولت حسابات أخرى علاقته بخروج الفلسطينيين من غزة، مشيرة إلى حصوله على أموال منهم مقابل وعود بترتيب سفرهم.

وبالتحقق من هوية "يورام يهودا"، تبيّن أن الاسم حقيقي، وهو محامٍ سبق أن واجه مشكلات قانونية. فقد تم إيقافه لمدة عشرة شهور عن ممارسة مهنة المحاماة، ووجهت له تهم جنائية في قضايا عائلية. من بين تلك القضايا، دعوى رفعتها زوجته السابقة ضده بسبب امتناعه عن دفع نفقة أطفالهما، إذ بلغت ديونه 120 ألف شيكل؛ ما أدى في النهاية إلى صدور مذكرة توقيف بحقه. كما وُجهت له في عام 2008 شكوى في المحكمة التأديبية للنقابة، بعد اتهامه بالتهديد أمام محكمة الصلح الإسرائيلية، على خلفية قوله لطليقته خلال نزاع عائلي: "إذا وجدتكِ وحدكِ في غرفة مرة أخرى، فلن تخرجي منها حيّة".

في الوقت نفسه، تتواصل حملات شبه يومية على مواقع التواصل الاجتماعي، معظمها تنطلق من حسابات أجنبية، تروّج لفكرة "التهجير الطوعي" للفلسطينيين من قطاع غزة. هذه الحملات تلقى تفاعلاً واسعاً، بين مؤيد يرى فيها "فرصة للنجاة" من الحرب، ومعارض يراها "مخططاً لتفريغ القطاع من سكانه".

صورة لأم تحتضن طفلها
تم تصميم الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي


رصدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (الفلسطينية) جانباً من معاناة المواطنين في غزة، جراء حملات التضليل المكثفة التي رافقت الحديث عن "الهجرة الطوعية". وأوضح مديرها العام، عمار دويك، أن الهيئة تحرت حول مزاعم عن تواصل مكتب محاماة في تل أبيب مع مواطنين في غزة، بدعوى مساعدتهم على مغادرة القطاع والنجاة من الحرب. إلا أن التحقيقات الأولية كشفت أن بعض هذه المكاتب استغلت حاجة الناس، وأن هناك محامين تورطوا في محاولات احتيال ونصب، دون أي إطار رسمي أو ضمانات قانونية واضحة.

ويضيف دويك أن الظروف الأمنية المتدهورة داخل غزة، حالت دون تمكن الهيئة من التحقق الكامل بشأن حجم التعاون بين المواطنين وتلك المكاتب، أو من نوعية المعلومات التي قدموها في مساعيهم للخروج من القطاع.

ويؤكد دويك أن مسألة خروج المواطنين من غزة لا ترقى إلى أن تُوصَف بظاهرة أو "هجرة منظمة"، كما يُروج لها في بعض وسائل الإعلام. موضحاً أن مَن يُسمح بخروجهم حالياً ينقسمون إلى ثلاث مجموعات رئيسية؛ جميعها تخضع لإجراءات تنسيقية صارمة، ولا تتجاوز أعداداً محدودة.

المجموعة الأولى هي الحالات المرضية، خصوصاً من الأطفال، بمعدل 10 إلى 30 حالة أسبوعياً، يرافقهم أفراد من عائلاتهم. وتتم هذه العمليات بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر، وتُوجَّه الحالات إلى دول مثل الإمارات والجزائر، وفق متطلبات كل دولة. أما المجموعة الثانية، فتشمل الأشخاص المرتبطين بسفارات أجنبية، مثل مزدوجي الجنسية أو أقاربهم من الدرجة الأولى. هذه الفئة كانت ممنوعة من السفر سابقاً، لكن سُمح مؤخراً لبعضهم بالمغادرة بأعداد قليلة جداً. بينما تشمل المجموعة الثالثة من لديهم أقارب في الخارج ويعملون على تنسيق سفرهم، لكنّ عددهم محدود للغاية.

نافذة أمل مزيفة..

حملات التضليل الثلاث كانت كفيلة بفتح نافذة أمل، وإن كانت زائفة، أمام آلاف المحاصرين في غزة الذين لم يعودوا يبحثون عن حياة كريمة، بل عن مجرّد نجاة. دفعت تلك الحملات بعضهم إلى طرق أبواب مجهولة، حتى لو كانت عبر التواصل مع أفراد في جيش الاحتلال أو وسطاء له، أملاً في الخروج. لكنّ هذا الأمل سرعان ما تحوّل إلى فخ.

استغل بعض المتعاونين هذا اليأس، فجمعوا بيانات خاصة عن هؤلاء المواطنين وعائلاتهم، وباعوهم الوهم بوعود الخروج إلى حياة آمنة. لكنّ الحقيقة لم تكن سوى خيبة أخرى تُضاف إلى سلسلة الخذلان التي يعيشها المحاصرون منذ شهور الحرب الطويلة.

أُنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة 'إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية' (أريج).