6 يونيو 2021

قررت النيابة العامة حبس الأم 15 يوما، بتهمة قتل ابنها، الذي أمر وكيل النيابة باستخراج جثمانه، بناء على اتهام الزوج لها في محضر رسمي بإنجاب الطفل من الزنا وقتله خوفا من فضح أمرها، بحسب أوراق القضية 2093 لسنة 2021.

الطفل الرضيع حسام*، واحد من ضمن ثلاثة أطفال قتلوا على يد ذويهم، وصدرت لهم تصاريح دفن؛ تؤكد أن وفاتهم طبيعية، ومكنت القاتل من الهروب المؤقت -وربما كان دائما في حالات أخرى- من العقاب، مما تسبب في سقوط ضحايا آخرين، كما حدث في مقتل حبيبة وشقيقها محمود.

في 6 يناير 2017، أمرت النيابة العامة باستخراج جثمان الطفلة حبيبة حمادة يوسف، من مقابر قرية أويش الحجر التابعة لمدينة المنصورة بالدقهلية، بعد 27 يوما من دفنها، عندما تسرب الشك إلى والدتها شيماء كمال، عقب استلامها شهادة وفاتها، التي دُوّن بها سبب الموت: "جَارِ البحث"، لتستفسر الأم عن السبب الذي ما زال البحث جارياً عنه؛ بتقديمها بلاغاً بقسم الشرطة، وقبل صدور قرار من النيابة العامة باستخراج الجثمان لتشريحه وإعادة فحصه، قُتل شقيق حبيبة الأكبر محمود في نفس الغرفة التي ماتت فيها وعلى نفس السرير، لتتزايد شكوك الأم حول وفاة طفلتها.


محمود الطالب بالصف السادس الابتدائي، الذي قتل بسكين، هو شقيق "حبيبة" الأكبر من الأب، وتسبب مقتله في استعجال قرار النيابة العامة باستخراج وفحص وتشريح جثة حبيبة، وكانت أقوال والديها الأولية أمام وكيل النيابة بأن موتها نتيجة سقوطها، وتأكيدهما عدم تورط أحد في موتها، السبب في الهروب المؤقت للجاني. صدر تصريح الدفن في حالة حبيبة بناءً على شهادة والديها، على عكس ما حدث مع الطفل الرضيع "حسام" الذي حصلت والدته على تصريح دفن من مفتش الصحة، يؤكد أن وفاته طبيعية على غير الحقيقة، بطريقة أخرى.

تصريح دفن حسام بروشتة علاج

في أول أيام شهر أبريل 2021، وداخل وحدة صحة أبو كبير. وضعت الأم المنتقبة رضيعها الساكن "حسام" أمام الدكتور تامر عبد المعطي مفتش الصحة لفحصه، تخبره بتدهور حالة ابنها المفاجئ: (ليلة إمبارح جسمه تلج، ووشه إزرق، ومش بينطق، رحنا كشفنا عليه في مستشفى أبو كبير، قالوا لنا: "ده مات، البقاء لله").

كعادته - منذ عمله بمركز صحة أبو كبير أوائل عام 2017- في هذه الحالة، التي يصفها عبدالمعطي بـ"الحساسة" على أهل الفقيد، يسأل الأم وشقيقتها عن بعض الأوراق الرسمية، لإنهاء تصريح الدفن: "والد الطفل فين؟، وقسيمة الزواج فين؟".

تجيبه الأم، وتخرج من طيات ملابسها روشتة علاجية؛ مؤكدة للطبيب أن رضيعها كان يعاني ضعفاً في التنفس وصفراء شديدة: "الدكتور اللي كشفنا عنده كتب لنا العلاج ده". يتبع تساؤلات مفتش الصحة الروتينية، فحص ظاهري لجثمان الرضيع، الذي لم يتجاوز عمره 4 أيام، ليحرر بعدها تصريح الدفن الذي حدد فيه الوفاة بـ"الطبيعية"؛ وأرجع سببها إلى قصور في عضلة القلب ومعاناة المولود من مرض الصفراء.

خلال السنوات الماضية. نشرت وسائل إعلام العديد من القضايا التي كشفت تورط مفتشي الصحة في استخراج تصاريح دفن في جرائم جنائية - كان أغلبها عن قصد، باستثناء قلة كانت بحسن نية- نرصدها في الشكل التالي:

أبرز القضايا التي تورط فيها مفتشو الصحة خلال السنوات الماضية




استبيان أجريناه مع 100 حالة استخرج ذويهم تصاريح بدفنهم, كعينة عشوائية من 11 محافظة، كشف الكيفية التي يتعامل بها أهل المتوفى للحصول على تصريح الدفن خاصة في القرى والنجوع.



الــ 80 % الذين حصلوا على تصاريح دفن لذويــــهم بدون فحص الجثمان بمعرفة مفتش الصحة كانت نسبتهم كالتالي:


لا يوجد إحصاء دقيق عن الجرائم التي تكشفت بعد الحصول على تصريح دفن خاطئ أن الوفاة طبيعية، ولم تعلن جهة تحقيق أو بحث أرقاماً رسمية أو إحصائيات نسبية عنها، ورغم ذلك لا تختفي حكايات هذه الجرائم من وسائل الإعلام بين الحين والآخر.

كان من بين الحالات التي رصدناها في وسائل الإعلام حكاية الطفل محمد مكرم صاحب الخمس سنوات، الذي استخرج جثمانه بعد دفنه بـ5 أيام. وذلك، قبل عامين ونصف العام من استخراج جثمان الرضيع "حسام" من قبره لإعادة تشريحه.

في صباح 10 مارس 2019، فُتح قبر الطفل محمد بمقابر المحمدية، وفحص جثمانه ظاهريا بمعرفة الدكتورة إيمان بخيت، الطبيبة الشرعية بقسم الزقازيق بالشرقية، وذلك بناء على معلومات وصلت إلى والده باغتصاب ابنه وضربه حتى موته، ليتهم الأب اثنين من جيرانه بالاعتداء جنسيا على ابنه وإزهاق روحه بحديقة موالح بجوار منزله.

أقوال الأب السابقة بمحضر الشرطة، والتي أكد فيها أن وفاة ابنه كانت نتيجة سقوطه أثناء لعبه بدراجة هوائية أدت لتوقف تحريات المباحث آنذاك لعدم وجود شبهة جنائية في وفاة الطفل، رغم وجود تقريرين طبيين من قسم الاستقبال، يؤكدان أن الطفل، وصل مستشفى منيا القمح ويوجد به كدمات وسحجات متفرقة بالجسم. إلا أن أقواله الجديدة أعادت الأمور لمربع الاشتباه.

custom-preview


الروايات التي وصلت إلى محمود مكرم عن مقتل ابنه، ذكّرته بما ردده الأطباء بمستشفى منيا القمح، بأن ابنه تعرض للاعتداء والضرب؛ ليطالب الأب بإعادة فتح التحقيق في وفاة ابنه من خلال محضر بقسم الشرطة.

صور من تقارير الطبيب الشرعي الخاصة باستخراج جثامين الأطفال (حسام - حبيبة - محمد)

مولد "حسام".. مفاجأة للأب واتهام للأم

الأب أيضا كان أول خيط تكشف الجريمة، في "مقتل حسام". فقبل ثلاثة أيام من نهاية شهر مارس 2021، تلقى أحمد محمد اتصالا هاتفيا أثناء عمله بالسعودية، تخبره فيه زوجته بأنها وضعت مولودها وأسمته بالاسم الذي اتفق عليه قبل سفره إلى السعودية.

الخبر أثار تساؤلات لدى الأب الذي جاء إلى مصر في أجازة عمل، أول أكتوبر 2020، وانتهت بعد شهر، أول نوفمبر 2020؛ اليوم الذي عاد فيه إلى عمله بالسعودية. وبعد مرور 10 أيام على سفره، كان الاتصال الهاتفي من زوجته تخبره فيه بحملها: "أنا حامل في الشهر الثاني". وبعدها بثلاثة أشهر أخبرته بوصول المولود الجديد.

يستفسر الزوج من أم أبنائه الثلاثة: "إزاي ده؟، حامل في خمس شهور بس؟"، تؤكد له الزوجة أن الطفل مولود ابن 7 شهور، كما أكد لها الطبيب، ليتصل الزوج بشقيقه، طالباً منه الذهاب بالطفل المولود إلى الطبيب للاستفسار عن موعد ولادته.

وهو ما حدث صباح اليوم التالي، ليؤكد الدكتور أحمد عبد السلام، الذي وضعت الأم مولودها في عيادته، أن الجنين كان عمره 36 أسبوعا يوم مولده (9 أشهر)، وهو ما أخبر به شقيقه،مما تسبب في تزايد شكوكه، لتذهب بعدها الزوجة إلى منزل والدها.

وأمام إصرار الزوجة واتهام والدة زوجها (حماتها) بأن الطفل "ابن زنا" طلب محمود الشقيق الأكبر لـ"أم حسام" من زوجها ترك عمله بالسعودية والعودة إلى مصر، لكي يجري تحليل (DNA)، لحسم الأمر بدلاً من اتهام شقيقته في شرفها.

وقبل عودة الزوج بيوم، مات الطفل "حسام"، ودفن بعدها بساعات، بناء على تصريح الدفن الصادر من مركز صحة أبو كبير، ليطلب الزوج أحمد من والدته تحرير محضر في نفس يوم الوفاة، بقسم الشرطة ، بالشك في نسب الطفل الذي يُنسب إليها في الأوراق الرسمية حفيدا.


أمام ضابط المباحث بقسم شرطة أبو كبير، تؤكد جدة المولود المتوفى، كما تعرفها الأوراق الرسمية، أن لديها ريباً في وفاته، وتطالب بعرض الطفل على الطب الشرعي لمعرفة سبب الوفاة، وإذا كان الطفل ابن نجلها أم لا. لتصدر النيابة العامة أمراً باستخراج جثمان الطفل "حسام" لتشريحه، بعد استدعاء والدته وسماع أقوالها.

كشف غموض الجرائم الثلاث

محمد.. المعرفة سر القتل

أكدت الصفة التشريحية لجثمان الطفل محمد مكرم، ما جاء في تقريري الطبيبين الصادرين من مستشفى منيا القمح، لكنه أشار إلى تغير المعالم الأصلية لإصابات المجني عليه، نظرا لما طرأ عليها من تغيرات رمية. وذكر التقرير هذه الإصابات والسحجات تفصيليا.

وأشار التقرير إلى أن آثار الإصابات الموصوفة بجسم المجني عليه تنشأ من المصادمة بجسم أو أكثر، ويجوز حدوثها وفق التصور الوارد بمذكرة النيابة وفي وقت وتاريخ يعاصر وقت الحادثة.

حبيبة.. تعذّر معرفة كيفية القتل

ووجدت جثة حبيبة التي استخرجت صباح 6 يناير 2018، في حالة تعفن متقدم،بسبب مرور أكثر من شهر على دفنها. كما أظهرت الصفة التشريحية. وبسبب حالة التعفن الرمي، تعذر الجزم فنيا بمدى حيوية الكسر والجزم بكيفية حدوثه.

لو لم يحدث خطأ في تصريح الدفن الخاص بـ"حبيبة"، واكتشفت تفاصيل الجريمة؛ كان شقيقها محمود ما زال على قيد الحياة، لم يقتل هو الآخر. يقول محمد حسين، محامي حبيبة.

حسام.. سيناريوهان للقتل

"حسام ابن أمه، ويستحيل أن يكون ابن زوجها المسجل باسمه أحمد محمد".. هذا التأكيد كان بناء على فحص البصمة الوراثية التي انتهى إليها الطب الشرعي، وأكدها تقريره رقم 579 لسنة 2021، الذي تضمن نتائج تحليل العينات والمسحات التي أخذت من جثمان الطفل الرضيع "حسام".

بناء على ذلك؛ أمرت النيابة العامة بضبط وإحضار أم حسام وشقيقها للعرض على النيابة العامة، لمواجهتهما بما توصل إليه تقرير الطب الشرعي.



استخراج الجثامين من المقابر تتم بمعرفة فريق من الطب الشرعي

نصف الحالات لم تكن وفاة طبيعية

عمليات استخراج جثامين الموتى بعد دفنهم التي تمت بقرارات من النيابة العامة، وثبت عدم مطابقة سبب الوفاة لما هو مدون في تصريح الدفن، قدرها الدكتور محمد نبيل مدير مشرحة زينهم الأسبق، بنسبة 50% من الحالات التي قام باستخراجها أو عمل تحليل العينات الخاصة بها، حيث أثبت الفحص مخالفتها لسبب الوفاة، موضحا أن هذه النسبة من الممكن أن تختلف من طبيب إلى آخر.



أبرز قضايا استخراج الجثث بعد دفنها لشك في طبيعة الوفاة

اضغط على النقاط الخضراء للاطلاع على أبرز قضايا الاستخراج

استجابت جهات التحقيق إلى بلاغات استخراج جثامين الضحايا الذين تتبعنا قضاياهم، ورغم عدم حسم فحص الصفة التشريحية وغيرها من فحوصات الطب الشرعي والكيفية التي وقعت بها الوفاة؛ كما حدث مع "حبيبة" و"محمد"، لعبت جهات التحقيق الدور الأبرز في كشف الكيفية التي ارتكبت بها الجريمة، للتعرف على الجاني ومعرفة دوافعه، بخلاف قضية الطفل الرضيع "حسام"، التي حسمها الطب الشرعي.

بناء على نتائج الطب الشرعي، وقفت "أم حسام" للمرة الثانية - بعد أن أخلت النيابة العامة سبيلها في المرة الأولى- أمام وكيل النيابة، الذي واجهها بنتائج تقرير الطب الشرعي، والاتهام الذي وجهته لها حماتها وزوجها بمحضر رسمي، وكذلك تحريات المباحث التي أكدت وجود شبهة جنائية في موت الطفل. لتنهار الأم، وتعترف بقتل ابنها، وكان ردها: "أيوة الكلام ده حصل، وأنا فعلا خنقت الطفل وقتلته، وهقول على كل حاجة علشان أخلص ضميري قدام ربنا".

مولد وموت "حسام".. فضح علاقات جنسية

وعن الكيفية التي نفذت بها الأم جريمتها وأسباب ارتكابها؛ كان ردها، كما ذكرت في تحقيقات النيابة العامة، أنها أقامت علاقات جنسية أثناء سفر زوجها، مع أكثر من شخص؛ منها ما كان برضاها ومنها ما أجبرت عليه.

وحددت نتيجة تحليل البصمة الوراثية لـ"حسام" من والده، حيث تطابقت مع أحد الأشخاص الذين اعترفت "الأم " بإقامة علاقة غير شرعية معه.

محمد وحبيبة.. قتل من أجل الجنس والإزعاج

اعترف المتهمان بقتل محمد وحبيبة بارتكابهما الجريمة، ففي حالة محمد انتهت التحقيقات باعتراف المتهم باستدراج الطفل، والاعتداء عليه جنسيا، وقتله عندما تعرف عليه خوفا من فضح أمره.

بينما في حالة الطفلة حبيبة، التي كشف مقتل شقيقها الأكبر أن وفاتها لم تكن طبيعية، وأن المتهم بقتلها وشقيقها هو عمهما، وبرر ارتكابه الجريمة بأن "حبيبة" كانت تسبب له إزعاجا بسبب كثرة بكائها، بينما شقيقها محمود قتله حتى لا يقاسمه في الميراث.

أثناء استخراج جثمان الطفلة حبيبة بمقابر قرية أويش الحجر

ضغوط أهالي الضحايا قد تجبر مفتش الصحة علي إصدار تصريح دفن دون الفحص

عادات وتقاليد تمنع

يرجع التساهل أو الخطأ في إصدار تصاريح الدفن إلى الضغوط التي يتعرض لها الطبيب أثناء مناظرة جثة المتوفى/ة، كما يراها مفتش صحة وفقا لتجربته بأحد النجوع بمحافظة قنا، خاصة إذا كانت المتوفاة سيدة، والأهل يرفضون بشدة كشف جسدها، بينما إذا كان المتوفى طفلا أو رجلا كبيرا: "نجد معارضة بسبب بعض المفاهيم المرتبطة بحرمة الميت والكشف عن جثة المتوفى أثناء المناظرة"، وفقا لمفتش الصحة الذي يكمل عامه الثاني بالنجع الذي يقع بمركز أبو تشت. ويتزايد الأمر في القرى والنجوع خاصة في الصعيد، وفقا للطبيب الذي يرفض الإفصاح عن هوية، مؤكداً أن الأمر قد يصل إلى تهديد الطبيب ومنعه من القيام بعمله.


*مفتش الصحة يتحدث عن الضغوط التي يتعرض إليها أثناء عمله



سقط الجناة.. وبقيت ثغرات

الأم والعم والجار؛ كانوا الجناة في جرائم القتل الثلاث، بحسب ما انتهت إليه التحقيقات، وحكمت المحكمة عليهم بعقوبات متفاوتة بالسجن، الأم التي قتلت ابنها حسام تقضي عقوبة بالسجن المشدد 7 سنوات، بينما العم الذي قتل ابني شقيقه حبيبة ومحمود، يقضي عامه الخامس بالسجن الذي سيظل خلف جدرانه 30 عاما، حيث يقضي عقوبة 15 عاما عن مقتل حبيبة ومثلها عن محمود. والجاني الذي قتل جاره محمد واعتدى عليه جنسيا صدر الحكم بمعاقبته بالسجن 15 عاما، لعدم بلوغهما السن القانوني.

بينما الثغرات التي مكنت الجناة من الهروب المؤقت من ارتكاب جريمتهم، ما زالت قائمة وربما مكّنت آخرين من الهروب الدائم، هو ما رفضت وزارة الصحة التعليق عليه.

* حسام اسم مستعار للطفل المذكور بأوراق القضية رقم 2039 سنة 2021 إداري أبو كبير.

* تغيير الصوت الخاص بمفتش الصحة بناءً على طلبه بإخفاء هويته.