قبل زيارة بولينا أليكساندروفنا إلى مصر في أكتوبر 2024، وجهت رسائل إلى متابعيها على قناة تيليجرام، التي تديرها على تطبيق التواصل ذي الهوية الروسية، اختصّت فيها الراغبين بالانضمام إلى القتال مع قوات الجيش الروسي من ثلاث جنسيات عربية (مصريين ويمنيين وسوريين)، وكان نصيب المصريين منها رسالتان؛ الأولى تخص 7 مصريين حدّدتهم بالاسم وطالبتهم بالتواصل معها لاستلام دعوات السفر إلى روسيا، بينما الثانية كانت لمتابعيها من المصريين ومعهم اليمنيون، وأكدت فيها ضرورة خضوعهم للاختبارات الطبية كشرط أساسي لقبولهم في الخدمة العسكرية.
واختصّت اليمنيين بنشر صور لجوازات سفر ـ32 منهم دون توضيحات، ثم تبعتها بقائمة موسعة بـ 202 يمني، طالبتهم بالتواصل معها بشكل عاجل. بينما حذرت السوريين من التعامل مع من يزعمون تمثيلها، سواء في بلدهم أو خارجها.
بعيدًا عن التواصل العام في مجموعات مغلقة "جروبات" في العالم الافتراضي، أجرت الروسية "بولينا" تنسيقات واتصالات مع يمنيين ومصريين ممن طالبتهم بالاتصال بها، وبادر آخرون بالتواصل معها بشكل خاص؛ كان من بينهم والدة وشقيقة "سعيد"*، الذي انقطع تواصله معهما منذ يوليو 2024، ووالد وعم "سالم"*، الذي قتل في نفس التوقيت على جبهة القتال في أوكرانيا، وغيرهم من أهالي شباب مصريين مفقودين وقتلى؛ لمعرفة أي معلومات عن أبنائهم، باعتبارها حلقة الوصل في انضمامهم للجيش الروسي.



رسائل بولينا للشباب عبر جروب تليجرام الخاص بها "صديق روسيا"
على جبهة القتال الأوكرانية يوجد أكثر من 700 ألف جندي، وفقًا لتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتصف سبتمبر 2025، وتتقارب هذه الأرقام مع التقديرات الأوكرانية -التى قدرتهم قبل 5 أشهر من تصريحات بوتين- بـ623 ألف جندي، وفقا للقائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية أولكسندر سيرسكي، الذي أكد أن عدد القوات الروسية في تصاعد مستمر؛ حيث تزايدت خمس مرات منذ بداية الحرب، بمعدل 8-9 آلاف جندي شهريا.
ورغم سَنّ تشريعات جديدة وإجراء تعديلات على قوانين الخدمة العسكرية، من أجل انضمام مزيد من الأجانب للقتال في صفوف الجيش الروسي، لا يوجد إحصاء رسمي عن عدد الأجانب المتعاقدين أو المتطوعين للقتال ضمن صفوف القوات الروسية أو نسبتهم بالجيش، لكن ما رصدته هيئة تنسيق شؤون أسرى الحرب الأوكرانية، يعطي مؤشرًا عن هوية وطبيعة المقاتلين الأجانب في الجيش الروسي؛ حيث رصدت هوية أكثر من 18 ألف أجنبي ليسوا من خلفيات عسكرية يقاتلون مع الروس، من 128 دولة وإقليمًا غير معترف به. ويشمل هذا العدد من جرى التعرف عليهم فقط، بحسب المتخصص الأوكراني في الشؤون العسكرية، دينيس بوبوفيتش، الذي أوضح أنه لا يمكن لهؤلاء التأثير في المسار العام للأعمال القتالية؛ لكنهم يموتون بلا جدوى باعتبارهم "موارد بشرية استهلاكية" يدفع بهم في الصفوف الأمامية، خاصة في وحدات المشاة الهجومية، وسط تجاهل واضح من القادة الروس لمصيرهم.
تضم معسكرات الأسرى في أوكرانيا محتجزين من 40 دولة، وفقا لهيئة الأسرى الأوكرانية، ينتمون إلى مناطق جغرافية واسعة ومتعددة، أغلبهم من مواطني دول آسيا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، وبحسب المتخصص الأوكراني في الشؤون العسكرية دينيس بوبوفيتش، تسعى روسيا بشكل مستمر إلى تجنيد أجانب لتعويض خسائرها في أوكرانيا، ويدعم ما انتهت إليه هيئة الأسرى الأوكرانية انتشار منصات وقنوات تواصل روسية على تطبيق تليجرام، حيث تسعى هذه القنوات إلى تجنيد أجانب من جنسيات وعرقيات متباينة، وتتنوع ما بين قنوات موجهة للدول العربية وأخرى تستهدف الدول الآسيوية وثالثة لمواطني الدول الأفريقية، ورابعة تخاطب جمهوريات القوقاز وشمال القوقاز.
نادراً ما يكتب لهؤلاء المقاتلين الأجانب البقاء على قيد الحياة في جبهات القتال لفترة طويلة، ووفقا "بوبوفيتش" الذي يرجع ذلك إلى قلة خبرتهم القتالية والدفع بهم في الخطوط الأمامية أو الزج بهم في مهام انتحارية، هو ما أكده شهادات عن 5 مجندين من أصول مصرية بالجيش الروسي.
كان من بينهم المصريان سعيد وسالم؛ إذ لم يستدل على مصير الأول بعد عودته إلى منطقة العمليات العسكرية، بمجرد تعافيه من إصابته الأولى، وتأكد مقتل الثاني. لتبدأ أسرتاهما رحلة بحث لمعرفة مصير المفقود، واستعادة جثمان القتيل لدفنه في مصر، ولتنتهي كل مسارات البحث إلى "بولينا" باعتبارها الوسيطة التي سهلت تعاقد أبنائهما مع الجيش الروسي.
في البداية وعدت "بولينا" والدة "سعيد" بأنها سوف تجري اتصالاتها لمعرفة أى معلومات عنه، لكنها بدأت في المماطلة، وتطور الأمر إلى التجاهل وعدم الرد مع تزايد ضغط الأم، التي لجأت إلى الاستغاثة بمؤسسات روسية، واتهمت "بولينا" باستغلال ابنها وابتزازها، وساعد الأم إقامتها مع ابنتها في العاصمة الروسية موسكو، لتبدأ السمسارة في تهديدهما، وهو ما لم تهتم به الأم وابنتها في بداية الأمر، ليتطور التهديد إلى وعيد: "سأدمر حياة ابنك إذا لم تتوقف"؛ وبررت "بولينا" تهديدها للأم: "أنت تسيئين إلى الجيش الروسي، وهذه الإساءة ستدمر حياتكم، وستتحملين مسؤولية كل شيء"، مؤكدة للأم أن ابنها "سعيد" ليس له مستحقات مالية، بل العكس: "ابنك مدين لي بالمال، خدعني وأنا سامحته، لذا لا تجرئي على فتح فمك، وإلا سأعثر على ابنك، وعليكِ، وعلى جميع أطفالك. تذكري هذا".
"تسجيل صوتي".. بولينا تهدد والدة الشاب سعيد
تواجد والدة "سعيد" وشقيقته في روسيا كان له تأثير في الضغط على "بولينا" رغم التهديدات التي تعرضت لها الأسر، على عكس مع حدث مع أسرة "سالم"، حيث تواصل والده مع السمسارة بعد معرفتهم بمقتل ابنه، لمساعدتهم في استلام جثمانه والحصول على مستحقاته من أجل طفليه وزوجته، وهو ما رحبت به "بولينا"، لكنها طلبت منه استخراج توكيل رسمي موثق من وزارة الخارجية المصرية والسفارة الروسية في القاهرة، لكي تتمكن من إنهاء الإجراءات الرسمية.
وما إن شرع والد "سالم" في اتخاذ إجراءات إصدار التوكيل، عقب تأكيد السيدة الروسية على سرعة إنجازه تفاديًا لدفن الجثمان في مقابر الغرباء بروسيا، حتى تلقى تحذيرًا من صديق ابنه سالم، المقيم في موسكو، من خطورة التعامل مع هذه السيدة؛ يروي الأب: "محمد اتصل بي، وقال اللي هتعملوه ده غلط، هي مش هتدفنه ولا هترجع الجثمان، هتاخد الفلوس ومش هتعمل حاجة".
كان هذا التحذير سببًا في إعادة والد سالم للتفكير في الأمر، وانتهى إلى ضرورة الحصول على ضمانات من السيدة الروسية قبل إصدار توكيل رسمي لها، وجاء ردها مفاجئًا للأب: "أنا قادمة إلى مصر وسألتقي بكم لتقديم ما يضمن تنفيذي ما وعدتكم به".
"سالم" الذي انتهت حياته تاركًا زوجة أرملة وطفلين يتيمين، و"سعيد" الذي مازالت والدته وشقيقته تسعيان لمعرفة مصيره، كان ضمن 313 مصريًا أبرموا تعاقدات مع الجيش الروسي، ووردت أسماؤهم في قائمة المقاتلين الأجانب - ضمن التي أعدتها مؤسسة "أريد أن أعيش" التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية- وتضم القائمة من ضمن الأسرى الأجانب الذين قاتلوا مع الروس 5 مصريين، وافق اثنان منهم على التحدث معنا.
سيحاكم الأسرى الأجانب كـ"مرتزقة"، خاصة أن القانون الدولي لا يمنحهم وضع أسرى الحرب، وفقا دينيس بوبوفيتش، المتخصص في الشؤون العسكرية، وبرر محاكمتهم بانخراطهم في القتال من أجل المال والجنسية، ويرى أن تعامل روسيا معهم يعزز تعرضهم لهذا المصير؛ ففي جميع صفقات تبادل الأسرى، لم تطالب موسكو بالإفراج عن أي أجنبي يحمل الجنسية الروسية أو لم يحصل عليها حتى نوفمبر 2025، وفقا لــ"بوبوفيتش" الذي أوضح أن الاستثناء الوحيد لغير الروس كان لعسكريين من كوريا الشمالية.
وهو ما استغربه محمد رضوان السنوسي، أحد المصريين الخمسة المتواجدين في الأسر الأوكراني، الذي يتمنى العودة إلى روسيا، يقول: لا توجد أي مؤشرات أو معطيات تؤكد احتمال عودتي. يوجد معي يمنيون ومصريون ونيباليون.. وغيرهم من دول إفريقية أخرى، ولا يشملنا أي تبادل أو صفقات.. لا يتم تبادل أشخاص مثلي".
يصمت "السنوسي" لبرهة قائلًا: أنا أحمل جواز سفر روسيًا، وعندما يحدث تبادل، يكون بين أسرى من أصول روسية مقابل أوكران، ويتعجب الشاب الذي سحبت منه جنسيته المصرية؛ قائلا: "لا أعلم لماذا يرفضون إدراجي ضمن أي صفقة تبادل، رغم مناشدتي لهم أكثر من مرة في وسائل الإعلام".
تتمنى والدة محمد السنوسي، أن تتدخل الحكومة المصرية لمساعدة ابنها، حتى بعد صدور قرار من وزارة الداخلية المصرية بسحب الجنسية منه عقب انضمامه للقتال في روسيا، وتطالب بالتعامل مع قضيته كـ"حالة إنسانية من أجل أسرته"، لم نكن نعرف ما يفعله هناك، لو كنت أعرف ما سيحدث له لما وافقت على سفره للدراسة في روسيا، أرجعت تصرفات ابنها، التي وصفتها بـ"غير المسؤولة"، إلى صغر سنه وخبرته الحياتية المحدودة.
"محمد" الذي سافر إلى روسيا من أجل الدراسة لم يتجاوز الـ 22 عاما، قضى منها عامًا في الأسر الأوكراني وشهرًا ضمن قوات الجيش الروسي، وعامًا ونصف العام في السجن الروسي بعد صدور حكم قضائي ضده بالسجن 7 أعوام، بعد إلقاء القبض عليه أثناء بيعه مواد مخدرات، ويعتبر واحدًا من 50 ألف سجين تم تجنيدهم للقتال في صفوف الجيش الروسي، سقط منهم 35% قتلى، وفقاً لوثائق فاغنر العسكرية التي تحدث عنها يفغيني بريغوجين، رئيس الشركة السابق، في مقابلة مع كونستانتين دولغوف الصحفي الروسي المعروف بدعمه للكرملين.
لجأ محمد سنوسي إلى التعاقد مع الجيش للتخلص من حياة السجن، التي كانت تضيق عليه يوما بعد آخر من أجل دفعه وغيره من السجناء لاختيار الانضمام إلى الجيش كما يروي، موضحا أن: "الضباط كانوا يأتون في ساحات التريّض ويعرضون علينا المزايا التي سنحصل عليها وأهمها الخروج من السجن وإلغاء الأحكام القضائية الصادرة ضدنا؛ لو وافقنا على القتال في صفوف قوات الجيش".
الإغراءات التي قدمتها الحكومة الروسية كانت كفيلة باستقطاب الآلاف -بخلاف السجناء- من الطلاب الأجانب الذي يعانون من أزمات متباينة كالفصل من الجامعة والتهديد بالترحيل من روسيا، كما حدث مع الطالب المصري محمد صالح الذي لم يتجاوز عمره الـ 23 عاما، وفصل من الجامعة بعد سبعة أشهر، ولجأ للتعاقد مع الجيش الروسي لاعتقاده أن التجنيد هو طوق النجاة الأخير له.
أسلوب استدراج محمد صالح للتوقيع على عقد مع الجيش الروسي، لم يكن عشوائيا بل مخطط ومدروس كمسار أمني لاستقطاب مزيد من المجندين الأجانب، وفق ما وثقنا في إحدى ولايات روسيا الحدودية "نتحفظ على ذكرها حماية للمصدر"، حيث سعى جهاز أمني إلى تجنيد طلاب عرب ناشطين وبارزين داخل الجامعة، من أجل الإبلاغ عن زملائهم الذين يعانون من أزمات مالية أو لديهم مشكلات ومهددين بالفصل والطرد من السكن والجامعة، كما حدث مع طالب الطب مروان محمد*، الذي اقتحم رجلان غرفته -عرّفا نفسهما على أنهما تابعان لجهة أمنية- وتحت تهديد السلاح اقتيد خارج المدينة الجامعية حتى وصلا به إلى غابات الأشجار خارج حدود الولاية العمرانية، وسحبا منه هاتفه وجواز سفره وتعرض لضغوط لإجباره على الإدلاء بمعلومات عن الطلاب الأجانب، خاصة المصريين والعرب، بما في ذلك أوضاعهم القانونية والاجتماعية. وعندما رفض، أُجبر تحت تهديد القتل، على تصوير مقطع فيديو يوحي بتعاونه الطوعي مع الأمن الروسي.
وخوفًا على حياته استجاب لهم، وقال بعض المعلومات التي يعرفها عن بعض زملائه، وأطلق سراحه بناء على الاستمرار في تقديم مزيد من المعلومات، وكان يستدعى بين الحين والآخر، وتنهال عليه أسئلة عن أشخاص بعينهم، حتى أتيحت له فرصة الهرب من الولاية التي يقيم فيها إلى موسكو، ومنها إلى مطار شيريميتيفو الدولي ليصبح خارج روسيا.
حرص الأمن الروسي على جمع معلومات عن الطلاب الأجانب، يستهدف التعامل معهم كمرشحين محتملين للتجنيد يسهل إقناعهم أو الضغط عليهم للتعاقد مع الجيش، وفقا لطالب الطب "مروان" الذي أكد حدوث الأمر من أكثر من طالب في دائرة معارفه. الذين كانت أزماتهم السبب الأبرز في اتخاذهم قرار التجنيد.
كان أحد هؤلاء الطلاب المصري محمد صالح الذي يقبع حاليا مع الأسرى الروس داخل معسكر يقع في غرب أوكرانيا، عندما استجاب لاقتراح صديقه بأن الحل الوحيد لمنع عودته إلى مصر هو التعاقد مع الجيش.
يحكي "صالح" عن تلك الفترة قائلا: كان يوجد أصدقاء لي انضموا إلى الجيش الروسي، وتحدثوا عن رواتبهم المجزية وحصولهم على الجنسية الروسية، ليقرر -دون علم أسرته أو استشارتها - التواصل مع ضابط حصل على هاتفه من صديق له، لينتهي الاتصال بإرسال سيارة إلى مقر سكنه لتوصيله إلى مركز التجنيد الذي يتواجد به الضابط، وينتهي به المطاف بعد شهرين في الأسر الأوكراني.
حوار خاص مع الأسير محمد السنوسي
حوار خاص مع الأسير محمد صالح
ووفق إحصائيات تنسيقية شؤون أسرى الحرب الأوكرانية، فإن أسيرا واحدا فقط من بين كل ألف مقاتل في صفوف الجيش الروسي ينجو من الموت ليقع في الأسر. ويرى ممثل التنسيقية، بيترو ياتسينكو، أن هؤلاء الأسرى الأجانب "محظوظون" لنجاتهم بحياتهم، إلا أنهم يواجهون تهمة "الارتزاق" لعدم قانونية مشاركتهم.
في صباح خريفي من أكتوبر 2024، هبطت طائرة شركة الطيران الروسية "إيروفلوت" في مطار القاهرة الدولي، وكانت بولينا أليكساندروفنا أحد القادمين على متنها، ومن أمام المطار في شرق القاهرة، استقلت سيارة أجرة حجزتها عبر أحد تطبيقات النقل الذكي، قاصدة جنوب العاصمة، حيث أحد الفنادق الشعبية بمنطقة الأهرام بالجيزة؛ وبعد ساعات تواصل معها والد "سالم" عبر تطبيق تليجرام، يستفسر منها عن موعد مقابلتها، لترد عليه برسالة مقتضبة بمكان وموعد اللقاء دون تفاصيل إضافية.
أجرت بولينا في مصر، بخلاف لقائها أسرة "سالم"، لقاءات أخرى مع مصريين ويمنيين، كان أحد هذه اللقاءات مع مصري مقيم في أمريكا يدعى "أ. ر" أثناء زيارته للقاهرة، ولقاء آخر مع شابين كان مخططًا سفرهما إلى روسيا بعد شروعهما في التعاقد مع الجيش الروسي، وكان لقاؤهما مع السيدة الروسية بأحد المولات الشهيرة في مدينة نصر.
اعتمدت "بولينا" أثناء تواجدها في القاهرة على إجراءات وتنسيقات لوجستية قبل كل لقاء أو مقابلة سواء مع وسطاء أو راغبين في السفر أو أهالي متعاقدين مع الجيش الروسي، لكي تضمن حمايتها وأمنها حال تعرضها لأي تهديد أو ملاحقة في مصر.
وفي اليوم التالي، عقب لقائها الشابين اللذين كانا يخططان للسفر بعد انتهاء إجراءات التعاقد مع الجيش الروسي، جاء موعد لقاء والد "سالم" الذي جاء برفقة شقيقه، وجرى لقاؤهما مع "بولينا" في المطعم الذي يحتل سطح البناية التي يتواجد فندق إقامتها في طوابقه الثلاثة الأخيرة، ودار الحديث بين الطرفين باستخدام تطبيق ترجمة روسي عربي، يقول عم الشاب المفقود "سالم": "قدمت نفسها لنا كصاحبة نفوذ في روسيا، ولديها القدرة على استلام جثمان سالم ونقله إلى القاهرة"، لكن اشترطت علينا، بخلاف عمل توكيل رسمي لها، دفع تكاليف ما ستقوم به، ما أثار استياء الأب والعم، اللذين كانا يطلبان منها المستحقات المالية التي نص عليها العقد الذي وقعه "سالم" مع الجيش الروسي، لكنها أصرت على الدفع مقدمًا؛ لما أسمته "مقابل الخدمة التي ستقدمها"، وهنا تبادل الطرفان التهديدات وارتفع صوت النقاش وزادت حدة الحوار، الذي انتهى بوصول قوات الأمن التي اصطحبت الروسية "بولينا" معها بعد الاطلاع على هويتها الشخصية، دون أن تهتم لأمر الرجلين.
خلال رحلتنا، وثّقنا ثلاث حالات اختلفت أسماؤها وتفاصيل قصصها، لكنها التقت في مصير واحد ومسار متشابه؛ إذ اختفى أحد أفراد كل أسرة بعد انضمامه للجيش الروسي، وحاول ذووهم البحث عن أي خيط يقود لمعرفة مصيرهم. وفي طريق هذا البحث، تواصلوا مع الروسية "بولينا"، التي ساومتهم بدورها مقابل تقديم أي معلومات عن ذويهم.
تمتد خيوط شبكة التجنيد التي تديرها بولينا وشركاؤها في مصر، من القاهرة إلى محافظات الصعيد والدلتا، وتتكرر قصص الضحايا وذويهم؛ إذ لجأ السماسرة المحليون -الذين يعتبرون أول حلقة في سلسلة التجنيد- إلى أساليب وحيل للالتفاف على القيود التي فرضتها الحكومة المصرية لمنع انضمام شباب جدد إلى الجيش الروسي بعد نشر الجزء الأول من هذا التحقيق، أحد هذه الأساليب ما حدث مع مصطفي نصار* في منتصف ديسمبر 2025.
عندما اكتشف "نصار" بالصدفة عملية النصب التي تعرض لها بعد هبوطه من الطائرة في مطار الملكية علياء الدولي في العاصمة الأردنية عمان، الذي تواجد فيه كمحطة ترانزيت قبل استكمال رحلته إلى العاصمة الروسية موسكو، التي كان يتطلب السفر إليها مباشرة من مصر تصريح أمني.
السمسار الذي سهل سفر مصطفى إلى روسيا، اختار المملكة الأردنية الهاشمية كدولة وسيطة، هربا من التشديدات الأمنية على المسافرين من مصر إلى روسيا، وهناك دول أخرى يختارها السماسرة ووكلاء السفر كدول وسيطة منها عمان والإمارات، بخلاف اختيار بعض المسافرين المطارات الفرعية فى مصر كمطارات برج العرب وسفنكس والغردقة، التي يرونها أقل وطأة في التشديدات الأمنية، كما يحكي من استطاعوا السفر عن طريق هذه المطارات؛ لمن يشتكي من صعوبة السفر ضمن تفاعلات مناقشات في مجموعات مغلقة "جروبات" خاصة بالمصريين في روسيا على منصات التواصل الاجتماعي، هي جروبات ينشط عليها وكلاء السفر من أجل استقطاب من يرغب في السفر أو التعاقد مع الجيش الروسي، كما وثقنا.
"نصار" الذي اكتشف بالصدفة أنه تعرض لعملية نصب، عندما استفسر ضابط أمن في مطار الملكية علياء عن وجهته التالية، ليرد عليه بتلقائية "مسافر موسكو"، وبادر باستخراج ورقة مكتوبة بالروسية وقدمها للضابط على أنها تصريح للعمل في موسكو كما اقنعه السمسار، وكانت المفاجأة الصادمة ما قاله الضابط للشاب بمجرد اطلاعه على الورقة: "ده طلب بموافقتك على التعاقد مع الجيش الروسي"، ليدخل الشاب في حالة هستيرية، رافضا استكمال رحلته إلى موسكو، طالبا العودة إلى مصر، وهو ما استجاب له أمن المطار في العاصمة الأردنية بعد اتخاذ بعض الإجراءات الأمنية.
وبمجرد عودة الشاب إلى بلدته في محافظة الشرقية، ذهب إلى السمسار لمطالبته باسترداد الأموال التي دفعها "أخذ 85 ألف جنيه، قالي هتشتغل عامل في مغسلة بعيدا عن مناطق الحرب".
السمسار الذي وفر فرصة السفر لـ "نصار" يعمل محاميًا، وله مكتب صغير ، تخلو وجهته من أي لافتة تكشف عن أي نشاط آخر غير المحاماة، لكنه استغل المكتب كمقر غير معلن لاستقطاب واستغلال الراغبين في السفر إلى روسيا من أجل البحث عن فرصة عمل أو الانضمام للجيش.
رفض المحامي رد الأموال التي أخذها من "نصار"، وعندما هدده الشاب باللجوء إلى الشرطة.. كان رده: "لن تستطيع إثبات أي شيء"، ومع إصرار الشاب على استرداد أمواله، خاصة بعد فقدان عمله، وتراكم الديون عليه وعدم قدرته على السداد، وهو ما استقبله المحامي بالتهديد للشاب، ليضطر إلى اللجوء الشرطة، ليضمن عدم تنفيذ المحامي لتهديده والضغط عليه لرد الأموال التي حصل عليها منه.
كان مصطفى أوفر حظًا مرتين؛ الأولى عندما اكتشف الحقيقة قبل أن تطأ قدماه الأراضي الروسية، ورفضه استكمال رحلته، فهذا الرفض كان سيكلفه حريته وربما حياته إذا حدث بعد وصوله إلى موسكو وتسليمه خطاب موافقته على التجنيد "رفض تنفيذ الأوامر هناك يعني الموت"، يقول محسن * صديق الطالب أحمد غنيم الذي تعاقد مع الجيش وقتل في روسيا بعد تحدثه بشكل غير لائق مع قائده الروسي ورفضه تنفيذ ما طلب منه، وهو ما اعتبر عدم تنفيذ للأوامر العسكرية، لينقل إلى مكان مجهول، ويعود بعدها جثة هامدة، والثانية، معرفته المباشرة بالسمسار الذي استغله وحاول النصب عليه، دون أن يهتم بالمصير الذي قد يلاقيه،وهو ما يسهل وصول الأجهزة الأمنية إليه ومواجهته والتحقيق معه، بعكس العشرات من أهالي الضحايا الذين كانت "بولينا" سببا مباشرا في انضمام أبنائهم للجيش ولا يستطيعون الوصول إليها لمعرفة مصير أبنائهم أو الحصول على مستحقاتهم منها؛ مما دفعهم للجوء إلى طرق أخرى.
من وراء باب خلفي بمبنى السفارة الروسية المطل على كورنيش النيل بالعجوزة، يستقبل موظف السفارة استغاثات أهالي ضحايا الحرب الروسية، ويرد على استفساراتهم بإجابات مقتضبة ومكررة، كما حدث مع "أمل" * التي جاءت لتحصل على أي معلومة عن ابنها زين، و"أسمهان"* التي جاءت لمعرفة مصير زوجها محمد ممدوح الذي انقطع تواصله معها منذ أغسطس 2024، ليطلب منهما الموظف رقم هاتف للتواصل وبيانات الشخص الذي يُستعلم عنه أو صورة من هويته الشخصية.
"زوجي مختفي من 10 شهور، ومعرفش عنه أي حاجة، حاولت أتواصل مع بولينا للتأكد منها عن محمد وأطمئن على وضعه، لكنها رفضت تزويدي بأي معلومات بدون دفع فلوس، ادعت أنها للشخص اللي هيبحث عنه، كل اللي قدرت أعمله وقتها إني سألت عليه في السفارة الروسية، يمكن أعرف على الأقل هو فين".
اسمهان زوجة محمد ممدوح
" كان يقول لي متخافيش يا ماما، خلاص الحرب بتخلص، ما فيش حاجة، دول بيروحوا وما فيش أي حاجة هناك'. منها لله بولينا .. هي السبب.. وضحكت عليه".
والدة الشاب المصري زين
"لا نعرف عنه شي" بهذه الكلمات المقتضبة رد موظف السفارة على "والدة زين" بعد يومين من زيارتها، مؤكدا أنه في حالة الوصول لأي معلومات جديدة سيتم التواصل معها، بينما "أسمهان" زوجة محمد ممدوح التي رفضت دفع أموال لـ"بولينا" لمعرفة مصير زوجها، بسبب التحذيرات المتكررة من التعامل معها وفضلت التواصل مع السفارة الروسية، جاءها اتصال موظف السفارة قائلًا: "زوجك مات في الحرب وجثمانه موجود في المستشفى"، وطلب منها تجهيز أوراق لاستخراج التأشيرة، والسفر لدفنه والحصول على مستحقاته المالية.
حاولنا التواصل مع "م ـ ل"موظف السفارة الروسية في القاهرة، المنوط بالتعامل مع عائلات المتعاقدين بالجيش الروسي للرد على دور السفارة في إبرام تعاقدات مع الجيش الروسي، ومعرفة ما هي الخدمات التي تقدمها لعائلات المتعاقدين والضحايا، والرد على الاتهامات التي وجهها الأهالي إلى السيدة الروسية بولينا، وهل كان لدى السفارة علم بالزيارات التي أجرتها أثناء زيارتها إلى مصر، لكننا لم نتلق أي رد، وهو ما تكرر عند محاولة التواصل مع الخارجية الروسية.
وبعد ساعات من إلقاء القبض على "بولينا"، ومواجهتها بالاتهامات التي وجهها لها والد "سالم" وعمه -اللذان حرصا على إبلاغ الشرطة قبل مقابلتهما بالفندق الذي تقيم فيها- قررت السلطات الإفراج عنها، لسلامة موقفها القانوني وعدم ثبوت ارتكابها أي مخالفات خلال وجودها في القاهرة، في ظل إخفاق أسرة سالم في تقديم ما يدعم الاتهامات الموجهة لها.
بينما لا يزال مصير المصريين "سنوسي" و"صالح"، اللذين يقبعان في الأسر الأوكراني مع 3 مصريين آخرين، مرهونًا بتدخل الحكومة المصرية، كما قال منسق شؤون الأسرى الأوكراني "المرتزقة الأجانب"، ومن بينهم مصريون، يعتمد إطلاق سراحهم على سير المفاوضات مع بلدانهم الأصلية، كما حدث مع الحكومة الهندية.
ورغم تكرار محاولاتنا للتواصل مع السفارة المصرية في روسيا ووزارة الخارجية المصرية للرد على ما توصل إليه التحقيق، لكننا لم نتلق الرد، بينما غادرت السيدة الروسية بولينا مصر إلى موسكو، ونشرت صورتها التذكارية أمام أهرامات الجيزة، عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وعادت لممارسة نشاطها في استقطاب المزيد من المجندين المصريين والعرب والأجانب.
(*) تم استخدام اسمٍ مستعارٍ بناءً على طلب صاحبه وتغيير بعض المعلومات الشخصية حفاظا على سرية هوية بعض الأشخاص.
أُنجز هذا التحقيق بدعم من مركز بوليتزر للصحافة.
تحقيق: سارة أبو شادي
رسوم: سحر عيسي
تصميم وتنفيذ: مصطفي عثمان