مدينة خالية من السيارات باسبانيا تخلق واقعا مختلفا عن أوروبا التي تختنق وسط الزحام

10:23 م السبت 01 يونيو 2019
مدينة خالية من السيارات باسبانيا تخلق واقعا مختلفا عن أوروبا التي تختنق وسط الزحام

أرشيفية

بونتيفدرا - (د ب أ):

في الوقت الذي تتزايد فيه حدة الازدحام المروري في مختلف أنحاء أوروبا، صارت مدينة بشمال غرب اسبانيا محط أنظار الحاسدين من سكان بعض المدن الأوروبية الكبرى، بعد أن حظرت هذه البلدة الصغيرة سير السيارات في وسطها قبل عقدين من الزمان.

"المشاة هم الملوك".. .ذلك هو الشعار الذي أعلنه ميجيل أنكسو فيرنانديز لوريس عمدة مدينة بونتيفدرا، وهي إحدى عواصم الأقاليم في أسبانيا، خلال مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) شرح خلالها فكرته وهو بادي الفخر والزهو.

وانتخب فيرنانديز لوريس (64 عاما) وهو طبيب وعضو الكتلة القومية اليسارية في إقليم جاليسيا الاسباني، الذي يغلب عليه تيار المحافظين، في منصب رئيس مدينة بونتيفدرا عام 1999، وفور توليه مهام منصبه، قام بتحويل المنطقة التاريخية بوسط المدينة إلى منطقة خاصة بالمشاة.

ولم يعد يسمح سوى لسيارات السكان المحليين وعربات التوصيل ووسائل المواصلات العامة بالسير في شوارع المنطقة التاريخية بالمدينة، وتم تحديد السرعة القصوى لسير السيارات في تلك المنطقة عند 30 كيلومترا في الساعة اعتبارا من عام 2010.

ولا يوجد في تلك المنطقة إشارات ضوئية أو لافتات مرورية تذكر، باستثناء بعض العلامات على الأرض لتحديد الحارات المرورية أو الأماكن المخصصة لسير الدراجات الهوائية. ويحق للمشاة السير بحرية في سائر أنحاء المدينة القديمة التي يعود تاريخها للعصور الوسطى وتذخر بالكنائس والمباني التاريخية التي ترجع للعصور القوطية والباروكية وعصر النهضة.

وتتميز إحدى كنائس بونتيفدرا بأنها كانت مقصدا للحجاج على طريق رحلة القديس جيمس، حيث كانت المدينة هي الضلع الجنوبي لشبكة الطرق الشهيرة التي كان الحجاج يسلكونها قديما.

ومن بين أسباب نجاح المنظومة المرورية في بونتيفدرا تجهيز قرابة 15 ألف مكان لانتظار السيارات على أجناب الطرق المؤدية إلى وسط المدينة، وعادة ما تكون نصف هذه الأماكن خالية، كما تم إعداد ألف مكان انتظار آخر في وسط المدينة نفسه، ولكن بشرط أن يقتصر استخدامها على السكان المحليين لفترة لا تزيد عن 15 دقيقة أو لخدمات التوصيل التي تتعلق بأغراض ضخمة أو ثقيلة الوزن.

وينبهر زوار مدينة بونتيفدرا بشكل المدينة في ثوبها الجديد.

وكتب ستيفان بيرجن المراسل بصحيفة "ذي جارديان" البريطانية يقول إنه استمع في شوارع بونتيفدرا إلى تغريد الطيور ورنين الملاعق في فناجين القهوة وأصوات البشر وهم يتحدثون دون الحاجة إلى الصراخ لتوصيل أصواتهم وسط ضجيج الزحام.

وإذا ما تحدثنا بلغة الأرقام، نجد أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون انخفضت بنسبة 67 بالمئة خلال الفترة من 1999 حتى 2014، حسب بيانات السلطات البلدية.

ومنذ عام 2007، لم تحدث حالة وفاة واحدة ناجمة عن حادث مروري في المنطقة الخاضعة للقواعد الجديدة مقارنة بثلاثين حالة وفاة في نفس الشوارع خلال الفترة من 1999 حتى 2006.

وعلاوة على ذلك، صارت تسعين بالمئة من رحلات التسوق في بونتيفدرا تتم سيرا على الأقدام، ويذهب نحو 80 بالمئة من تلاميذ المدينة إلى مدارسهم سيرا على الأقدام، ويتم قضاء 71 بالمئة من التحركات بالمدينة إما سيرا أو بدراجة هوائية، وتراجع عدد السيارات في قلب المدينة من 80 ألف إلى سبعة آلاف سيارة.

وعلى العكس، تبين أن سكان العاصمة الالمانية برلين على سبيل المثال أمضوا 154 ساعة في المتوسط، بما يوازي ستة أيام كاملة، داخل سياراتهم وسط الزحام خلال عام 2018، حسبما افادت مؤسسة "إينريكس" الأمريكية لبيانات الزحام المروري.

وتحلم ريجينه جونتر عضو مجلس شيوخ برلين لشؤون البيئة والنقل وحماية المناخ بأن تصبح العاصمة الألمانية يوما ما خالية من السيارات، وقالت مؤخرا "إننا نود أن يتخلص الناس من سياراتهم".

وفي مدينة شتوتجارت، التي تضم مقار كبرى شركات السيارات الألمانية مثل مرسيدس بنز وبورشه وأودي، تم حظر سير جميع سيارات الديزل التي لا تلبي سوى معيار الانبعاثات الأوروبي (يورو 4) في شوارع وسط المدينة، بما في ذلك سيارات السكان المحليين، اعتبارا من أول أبريل الماضي. ويطبق عدد متزايد من المدن في ألمانيا، الشغوفة بالسيارات، قرارات حظر مشابهة أو أنها بصدد تطبيقها.

وفي حين أنه من الصعب تصور الحياة المدنية المعاصرة بدون ضجيج السيارات في الخلفية، إلا أن فيرنانديز لوريس مقتنع بأن كثير من عناصر مفهومه للمدينة الخالية من السيارات يمكن أن تكون نموذجا يحتذى بالنسبة لمدن أخرى أكبر حجما.

ولا يتفق كثير من أقرانه مع هذا الرأي، ويقولون إن بونتيفدرا صغيرة في الحجم مما يجعلها مناسبة لتطبيق هذه الفكرة.

وبالرغم من ذلك، يبدو أن فيرنانديز لويس قد اكتسب معجبا كبيرا، حيث أبدت عمدة باريس آن هيدالجو اعجابها بالعرض الذي قدمه عمدة بونتيفدرا خلال منتدى المدينة الذكية الذي أقيم في العاصمة الفرنسية في نوفمبر الماضي، ووصفته بأنه "رائد".

وأعربت هيدالجو، التي تريد إخلاء شوارع باريس من السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2030، عن رغبتها في زيارة بونتيفدرا ومعرفة المزيد عن هذه المدينة قدر المستطاع.

ويزور عدد متزايد من خبراء تخطيط المدن في هذه الأونة مدينة بونتيفدرا التي حصلت على عدد متزايد من الجوائز في مجال التخطيط العمراني.

ويقول مسؤولون محليون إنه "يتعين تطبيق فلسفتنا بدون تغيير بواسطة المدن الكبيرة أيضا باستخدام شبكات مترو الأنفاق والحافلات".

ولم يكن إخلاء المدينة من السيارات أمرا سهلا.

ويسترجع فيرنانديز لويس تلك الفترة قائلا: "لقد أقام حزب الشعب المحافظ دعوى قضائية لعرقلة خططنا، ونظرا لأن هذه الفكرة كانت غير مسبوقة، كان الكثيرون، الذين لا يعرفون سوى الأفكار المألوفة، يخافون من التغيير".

واعترض عدد كبير من أصحاب المتاجر في البداية، حيث كانوا يخشون أن تؤثر هذه الخطط على مبيعاتهم، ولكنهم الآن مفعمون بالسرور بعد أن اطمأنوا إلى الأرباح التي حققتها لهم هذه الفكرة.

ومن بين هؤلاء التجار ميجيل لاجو الذي صرح لصحيفة "إل بايس" الاسبانية قائلا إنه كان متشككا للغاية في البداية، ولكنه تعلم أنه "أهم شيء هو عدد الأشخاص الذين يمرون سيرا على الاقدام أمام متجرك".

ويقول فيرنانديز لوريس إن سكان بونتيفدرا أكثر صحة وسعادة عما كانوا قبل عشرين عاما، مضيفا: "من الواضح انك تحصل على المزيد من الحياة وتعيش في حالة صحية أفضل عندما تكون في بيئة بها قدر أقل من التوتر والتلوث والحدة فضلا عن الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث السيارات".

ولكن فيرنانديز لوريس لا يعرف الاستكانة، حيث قال لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): "نحن الآن نصدر نموذج مدينتنا إلى إقليم بونتيفدرا بأسره والذي تقطنه قرابة 900 ألف نسمة"، مشيرا إلى أن المزيد من شوارع بونتيفدرا يجري تحويلها إلى شوارع خالية من السيارات.

ويؤكد عمدة بونتيفدرا أن "أعمال تحسين المدن لا تتوقف مطلقا".

إعلان

إعلان