حوار- نجل محمد رشدي: حبه لليلى مراد أفقده جزء من لسانه.. وذاع صيته بسبب "الثورة"

06:08 م الجمعة 20 يوليه 2018
حوار- نجل محمد رشدي: حبه لليلى مراد أفقده جزء من لسانه.. وذاع صيته بسبب "الثورة"

محمد رشدي

حوار- منى الموجي:
قال عن صوته "موسيقار الأجيال" عبدالوهاب إنه يذكره بمصر ونيلها ورائحة أرضها، ووافقه الرأي الموسيقار بليغ حمدي مؤكدًا أنه "الفلاح" الغارق في مصريته، وكلما سمعه يشعر أن "إخناتون" يغني، هو "صوت الموال"، "صوت الطبقة الكادحة" و"مطرب العمال والفلاحين" الفنان الراحل محمد رشدي. "مصراوي" يحتفي بذكرى ميلاده التي تحل في يوليو من كل عام.

في أسرة فقيرة تعيش بمدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، كان لديها من الأبناء "انشراح" و"صبرية"، استعدت الأم لتضع مولودها الثالث في 20 يوليو 1928، ليكون هو قرة العين، الولد الذي تمنته ليصبح سندًا لها ولوالده وشقيقتيه، وأطلقوا عليه اسمًا مركبًا رشدي محمد محمد عبدالرحمن الراجحي، واستقبلت الأسرة بعده طفلًا رابعًا كانت شقيقته "عفاف"، فظل هو الابن المُدلل، الذي لا يُرفض له طلب "كان دلوعة أمه وأبوه"، هكذا تحدث نجله "طارق" في حواره مع "مصراوي".

يقول طارق "جدي كان عنده قمائن طوب كانت بتتعمل زمان على طرح النيل، كان بيدلعه وياخده معاه وهو رايح شغله، يركب مركب يقعد جواها يتفرج على أبوه ويلعب حتى جذبته الموسيقى وعالمها"، بدأ وعمره 12 عامًا في المداومة على حضور موليد سيدي إبراهيم الدسوقي، فيجلس أمام المسرح المُقام على "عربة كارو" ليستمع بانتباه شديد لما يقول المنشد ويراقب طريقة الأداء، واستجاب لـ"النداهة" فجاب كل المناطق المحيطة ببلدته خلف الموالد، واعتاد العودة لمنزله في أوقات متأخرة، فكانت والدته تجلس خلف الباب في انتظاره لتفتح له بعد أن تسمع طرقته الهادئة على الباب خوفًا من والده، لتقول له "كلبك وابنك إن بات برا متدورش عليه.. خش يا صايع".

محمد رشدي 1

وعلى غير ما يتوقعه كثيرون، يؤكد طارق أن والده عشق الغناء في صغره بسبب صوت "قيثارة الغناء العربي" ليلى مراد، وليس "أم كلثوم"، إذ كان حريصًا على الذهاب إلى السينما ومشاهدة أفلامها في الأربع حفلات كل يوم دون أن يمل، ولأنه لا يملك ثمن التذكرة كان ينتظر حتى تغلق السينما أبوابها ليلًا ليقوم بجمع التذاكر المقطعة والملقاة على الأرض ويلصقها علّها تكون وسيلة يفلح بها في خداع الحارس على باب السينما، فيدخل ويشاهد حبيبته.

ويضيف طارق "وبعد مشاهدة الفيلم كان يمشي على كوبري دسوق ويتخيل أنه أمام ليلى مراد ويرددان نفس الحوار بالفيلم، ويغنيان معًا"، وفي هذه الفترة تعرض الصبي لحادث ترك أثرًا عليه، ففي إحدى المرات دفعه حارس السينما ليمنعه من الدخول فسقط على الأرض واصطدم فكه بـ"طوبة" تسببت في قطع جزء صغير من لسانه "لما تسمعي طاير يا هوا القديمة، كان مايك واحد مُسلط عليه هتلاقي الأثر باين في كلمة أسرارنا، وعندما أعاد تسجيلها بعد تقدمه في العمر استطاع أن يخفي لدغته في الراء".

محمد رشدي 2
ذاع صيت الصبي في مدينته، وأصبح عضوًا دائم في جلسات يقيمها فريد باشا زغلول، أحد أعيان البلدة، ليغني للحضور أشهر أغاني هذه الفترة، وفي يوم وعده الباشا الذي كان مُقّدمًا على خوض الانتخابات البرلمانية بأنه سيساعده في الدخول إلى معهد الموسيقى بالقاهرة إذا نجح بالانتخابات، وبالفعل نجح الرجل، وأقام حفلًا كبيرًا دعا إليه "الست" أم كلثوم، وقدم لها رشدي لتسمعه وتحكم عليه.

اختار رشدي أن يغني للمطربة ملك "يا أتوموبيل يا جميل محلاك"، ولكنه نطق الكلمة الأولى "يا تومبيل"، وعن هذا الموقف يحكي طارق "نادته أم كلثوم وطبطبت على كتفه، وقالت له اسمه يا أتوموبيل مش اتومبيل يا فلاح، انطق صح، ووجهت كلامها لفريد باشا (الولد ده حرام يقعد هنا ده لازم ينزل مصر ويروح المعهد)"، وكانت الجملة التي استند عليها المحيطين به لإقناع والده بأن يسمح له بالبحث عن فرصته في مصر.

جاءت قرار نزوله إلى القاهرة عام 1947 أو 1948، لا يتذكر طارق تحديدًا العام، وفي رحلته وأثناء تواجده في القطر صعد من محطة طنطا شاب اقترب من رشدي وسأله إذا ما كان موسيقي بعدما لاحظ أنه يحمل عودًا، فأجابه رشدي "أنا مطرب"، هذا الشاب لم يكن سوى "العندليب الأسمر" عبدالحليم حافظ، جمعتهما الصدفة قبل أن يجمعهما تاريخًا طويلًا من الحكايات، سنتطرق لها في واحدة من حلقات "مصراوي" مع طارق محمد رشدي.

المطرب محمد رشدي

كان مكتب الموسيقار محمد عبدالوهاب، أول مكان يذهب له بعد أن وطأة قدمه "قاهرة المعز"، القلب ينبض والعقل لا يشغله سوى التفكير في كيف ستكون نتيجة هذا القرار؟، هل سيحقق الحلم ويصبح من مشاهير هذا العالم؟، أم سيُقهر حلمه؟. لم تكن البداية مبشرة فعند سؤاله عن "بلدياته" أحمد المنشاوي، الذي كان يصوّر لأهالي قريته أنه يعمل مع عبدالوهاب وقريبًا جدًا منه، لاحظ امتعاض حارس العقار، وعندما صعد إلى المكتب الموجود بوسط البلد، اكتشف أن المنشاوي ما هو إلا "فراش" بالمكتب، ليعرف أن حدوده في هذا المكان لن تكون سوى "البوفيه".

سرعان ما أخذته فكرة وجوده في مكان يجلس فيه المطرب والملحن الكبير، فدخل بعد نزول عبدالوهاب إلى مكتبه وتلمس أوراقه وكرسيه، وأثناء هذا وجد في سلة المهملات ورقة ممزقة كانت أغنية لم تعجب عبدالوهاب لكنها أصبحت بوابة اعتماد رشدي في الإذاعة.

التحق رشدي بالمعهد لكنه لم يستمر فيه سوى ثلاث سنوات، التقى خلالها بكبار الموسيقيين في مصر، وتتلمذ على أهم أسماء في هذا المجال، ومن بينهم الموسيقار الكبير محمد القصبجي، ويقول طارق "كان بيقول مش هنسى أبدًا إن وأنا في المعهد كنت بغني ادام أستاذ القصبجي راح بضهر إيده ضربني قلم على بقي، وقالي انطق عدل"، لكنه لم يكمل تعليمه بالمعهد وأخذته دوامة الغناء في الأفراح.

صورة رقم 4

ومر الوقت والشاب يرسل لأهله خطابات يؤكد فيها أنه يسير في الطريق الصحيح، وأنه سعيد بما وصل له في القاهرة، و"في يوم ذهب جدي لزيارته ومعه زوادة، فوجده يجلس في غرفة بباب الشعرية تحت بير السلم، فكانت صدمة بالنسبة له، ومع ذلك لم يرفع صوته ولم يغضب منه، ولكنه بكي قائلًا (بتعمل كده ليه)، ليرد بأنه لن يستطيع الابتعاد عن هذا الطريق، وأن الفرصة لم تأتيه لكنه سينتظرها".

كغيره من أبناء هذا الجيل، التحق بفرقة "بديعة مصابني"، وهناك شعر أن التمثيل ليس مجاله، وفي يوم أغضب بديعة، فصرخت في وجهه "اتعلم بقى"، فقرر أن يترك الفرقة ويبحث عن مَخرج آخر يجعله يبلغ حلمه في الغناء، حتى جاءته مرحلة جديدة جعلته معروفًا باسم "مطرب الأغنية الواحد"، بسبب "قولوا لمأذون البلد".

يقول طارق إن والده ظل ينتظر الفرصة، وفي موعده الشهري المحدد لتسجيل مختارات للإذاعة، والتي كان يتقاضى منها 8 جنيهات يدفع منها 3 لإيجار البيت، ومثلها للفرقة الموسيقية التي ستسجل معه الأغنية بالإذاعة بقيادة أحمد فؤاد حسن، وجنيهين يعيش بها باقي الشهر، وجد أمرًا لم يكن يخطر له على بال، إذ فوجئ بالدبابات أحاطت الإذاعة والضباط انتشروا في كل مكان وحاول أحدهم منعه من الدخول قائلًا "امشي يا بني فيه ثورة"، لم يستوعب الشاب الأمر كل ما شغله كيف سيعيش هذا الشهر.

علا صوتهما فسمعه الضابط –آنذاك- محمد أنور السادات، فسأله عن الأغنية التي من الممكن أن تناسب الحدث حتى يغنيها، ليأتي رد رشدي ليأكد أنه فعلًا لم يستوعب ما يدور حوله "يا ملكَ البلاد"، فذكروه أنها ثورة على الملك، فاختار أن يغني "قولوا لمأذون البلد"، يضيف طارق "السادات قاله احنا في فرح فعلًا، ادخل قولها"، كانت نقطة تحول في حياته ففي الوقت الذي يجلس فيه كل المصريين لسماع بيان الثورة، يستمعون عقب انتهائه لأغنية "قولوا لمأذون البلد" بصوت رشدي، فتجعله يتقدم خطوة نحو حلمه، لكنه لم ينجح لمدة 3 سنوات في تقديم أغنية تدفعه خطوات أخرى للأمام، فأصبح "مطرب الأغنية الواحدة".

في الحلقة الثانية من حوار "مصراوي" مع طارق محمد رشدي، نتحدث عن الحادث الذي كاد أن يودي بحياته، وتسبب في قطع بحاجبه وكسر في رجله، وأبعده لفترة عن الغناء وأصابه بالاكتئاب، ويحكي طارق حكايات رشدي مع حليم، وعلاقته بالشاعر عبدالرحمن الأبنودي والموسيقار بليغ حمدي.

إعلان

إعلان