• بطلا "أيقونة الخليل" يرويان لمصراوي تفاصيل صورة "الصبي و23 إسرائيليًّا"

    06:22 م الأربعاء 10 يناير 2018
    بطلا "أيقونة الخليل" يرويان لمصراوي تفاصيل صورة "الصبي و23 إسرائيليًّا"

    كتب-إشراق أحمد:

    رغم فارق العمر بينهما لكنهما تشاركا حال وطن ينتهكه الاحتلال الإسرائيلي كل يوم؛ في منطقة باب الزاوية، وسط مدينة الخليل الفلسطينية، ضغطت يد عبد الحفيظ الهشلمون على زر كاميرته وقت استهداف المصورين بقنابل الغاز والصوت، وثق اعتقال فوزي الجنيدي، الصبي القاصر -16 عامًا- بينما يقتاده حشد عسكري مدجج بالسلاح. اقتسم المصور والصبي اللقطة التي حازت لقب "أيقونة" صمود الفلسطينيين أمام أفعال إسرائيل خاصة تجاه الأطفال.

    خلال عام 2017 قامت سلطات الاحتلال باعتقال 1467 طفلاً، من بينهم فوزي الذي تم إخلاء سبيله قبل 13 يومًا، فيما يقبع 350 تحت عمر 18 عامًا في السجون حتى الآن، وفقًا لتقرير أعدته مؤسسات شئون الأسرى (هيئة شئون الأسرى والمحررين، نادي الأسير الفلسطيني، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، مركز الميزان لحقوق الإنسان.

    الخميس 7 ديسمبر المنصرم. يواصل الفلسطينيون هبتهم ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، تنطلق المسيرات صارخة بالهتاف، وعلى أتم الاستعداد للمواجهة. في ذلك الوقت قطع فوزي خمسة كيلومترات من منزله لشراء احتياجات أسرته، فهو الابن الأكبر لآل محمد الجنيدي، وعليه يعتمدون.

    في شارع وادي التفاح، -منطقة باب الزاوية، نصب جنود الاحتلال كمينًا للمتظاهرين الفلسطينيين، أطلقوا وابلًا من قنابل الغاز، قرب المحال التجارية، فوجئ فوزي بما يجري "مكنتش عارف إن في هاي الوقت راح تصير احتجاجات" يحكي فوزي لمصراوي، مستعيدًا مشهد اعتقاله؛ فبينما يحاول الركض بعيدًا "مسكني أحد الجنود وبعدين هجموا عليّ عصبوا عيوني وقيدوا إيديا وضربوني لساعات".

     

    كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ظهرًا، حين تكالب الجنود على الصبي الأعزل. في الجهة المقابلة لفوزي كان الهشلمون موجودًا، مصور الوكالة الأوروبية. أخذت عينا ابن مدينة الخليل تبحث عن المعتقلين في تلك اللحظات التي اعتاد تصويرها أثناء المواجهات؛ وجد الصبي ذا البشرة الشقراء تتعثر خطاه بين الجنود "كنت على بعد نحو 40 أو 50 مترًا لأن جيش الاحتلال كان منعنا من الاقتراب للتصوير"، ومع ذلك تمكن من توثيق اللحظة بالصورة الفوتوغرافية، إلى جانب صحفيين آخرين قاما بتصوير الفيديو.

    قرابة 23 جندياً إسرائيلياً يحيطون بصبي لا يتجاوز عمره 16 عامًا. يُعلي فوزي جبهته لعله يتبين خطوات سيره من أسفل عصابة العين، وهو ما تسنى له بينما يعرقله المدججون بالسلاح "مشوني نحو 250 مترًا من مكان اعتقالي لغاية منطقة اسمها الكونتينر" وهناك استمر تلقيه للضربات، لكن الصبي لم يستسلم وحفظ التفاصيل "3 ساعات يضربوني ويدعسوا –يدوسوا- على يدي وقدمي".

     

    لم يكن الصبي وحيدًا، لكنه أول مَن تم اعتقاله في ذلك اليوم حسب قوله، فكوا عنه عصابة العين "كان في 4 أو 5 فوق الـ18 سنة"، وذلك قبل أن يقتادوه إلى مستوطنة إسرائيلية تسمى "غوش عتصيون" –الخليل- وفيها وقع التحقيق. تم تهديده ليعترف بالمشاركة في التظاهرات وإلقاء الحجارة؛ لكنه رفض "صرت أقول لهم أنا كنت معدي أجيب حاجيات للبيت"، غير أن ذلك لم يفلح. أودعوا فوزي سجن عوفر الإسرائيلي –غرب مدينة رام الله.

     

    22 يومًا قضاها ابن السادسة عشرة عامًا لأول مرة داخل السجن، لا علم له بما يحدث خارج الزنزانة الموحشة، فيما أخذت صورته تدور العالم، ولا تغيب عن عين الهشلمون "متعودين نشوف اعتقال، وصورت أصغر من فوزي لكن ما حدا اعتقل بالطريقة والكم هاي"، يحكي المصور الصحفي، متذكرًا كيف كان يصيح الجنود بالعبرية بينما يبرحون الصبي ضربًا "لا هم فاهمينه ولا هو فاهم إيش بيقولوا".

    مضى الأسبوع الأول في السجن ثقيلاً على نفس فوزي، الشوق إلى الأهل يغالبه، والسجان لا رحمة له "كان رعبًا وخوفًا. كانوا يفاجئونا يخبطوا على الأبواب يسكبوا علينا ماي" غير أن وجود رفقة قريبة من عمره هونت الحال، وإن لم ينشغل بمعرفتهم كما قال.

    7 مرات تردد فيها فوزي على المحكمة الإسرائيلية طيلة أيام سجنه، خلالها تمكن فقط من رؤية والده وأعمامه. وفيها عرف بأمر صورته التي التقطها الهشلمون؛ أراه الإسرائيليون إياها عبر جريدة إسرائيلية، أخبروه بأنها دليل إدانته بالتظاهر ومقاومة أفراد أمنهم. حينها كره فوزي الصورة وملتقطها، كما قال الهشلمون، الذي التقى الصبي بعد إخلاء سبيله، وتبادلا الحديث عن مشاعره المتغيرة بعد معرفته حقيقة الصورة.

    تم إخلاء سبيل فوزي في السابع والعشرين من ديسمبر المنصرم، بكفالة 10 آلاف شيكل – 5.1490 جنيه- خرج الصبي بكسر في يديه، وفتح منزل آل محمد الجنيدي أبوابه أمام المهنئين. بين الوافدين كان الهشلمون "خبرني إنه لولا الصورة مكنتش روحت"، أدخلت كلمات فوزي السرور على قلب مصور الوكالة الأوروبية.

    لأول مرة يلتقى الرجل الخمسيني بصاحب صورة له، أقصى ما كان يحدث منذ عمله عام 1984 أن تطالبه أسرة معتقل بإرسال ما التقطته يداه، لكنه حرص على لقاء الصبي هذه المرة "انجذبت لهذا الشبل لأني شوفته متل الصقر الفلسطيني.. إنسان عادي مالوش احتماء سياسي ولا اجتماعي".

    كانت صورة الهشلمون سببًا في معرفة والد فوزي بأمر اعتقاله، فوجئ الأب لكنه ما شعر بالخوف من المصير "عارف إنه رجّال.. نحنا فخورين فيه. كلنا فداء فلسطين والأقصى" بفخر قال محمد الجنيدي رغم قسوة فترة اعتقال ابنه الكبير، الذي هجر مدرسته قبل أربعة أشهر، ليعمل في مصنع من أجل مساعدة أبيه في ظروف المعيشة، والإنفاق على أشقائه الأربعة الأصغر عمرًا.

    حازت صورة فوزي لحظة اعتقاله على لقب أفضل صورة لعام 2017 في الوكالة الأوروبية كما قال الهشلمون. وبسببها تم استهدافه بقنابل الصوت مرتين من قبل سلطات الاحتلال حسبما ذكر.

    اعتاد المصور  أفعال الاحتلال، يتذكر الهشلمون الانتفاضة الأولى عام 1987 حين كان يقوم الجنود بتحطيم الكاميرا إذا ما رأوها، والانتفاضة الثانية عام 2000 وقت أن واجه المصورون الأجانب خصيصًا الاعتقال ما جعل أهل الخليل يعملون على إخراج جيل صحفي محلي يعمل في الوكالات، أما التوقيفات أثناء العمل "فحدث ولا حرج" كما عبر مصور الوكالة الأوروبية، معتبرًا أن تعامل الاحتلال الإسرائيلي في "احتجاجات القدس" الجارية هو الأكثر شراسة "يعطلوا علينا العمل بكل الطرق وأقل شيء يقفوا أمام الكاميرا".

    شيء ما يكنه المصور تجاه المعتقلين خاصة. كان يومًا واحدًا منهم؛ اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي وقت الانتفاضة الأولى عام 1987، ومكث في السجن ثلاث سنوات ونصف السنة، ومرة ثانية قضى سبعين يومًا عام 2003. كلفته تلك المدد الحرمان من السفر لخمس سنوات كما يفرض الاحتلال على جميع الأسرى بعد خروجهم، ورغم انقضاء السنوات غير أن المصور الصحفي لم يتمكن من مغادرة الخليل إلا مرة واحدة عام 2009.

    أسرة فوزي باتت هي الأخرى ممنوعة من مغادرة مدينة الخليل بعد اعتقال أحد أبنائها، كما يقول مدحت الجنيدي، عم الصبي. تنتظر العائلة الرابع عشر من يناير الجاري لانعقاد جلسة أخرى في قضية الصبي. يساورهم القلق من غدر الاحتلال، فيما ينتاب الهشلمون اطمئنان لعدم الحكم على فوزي وعودته للسجن مرة ثانية، مستندًا لقناعته الداخلية بأن الصبي لم يرتكب جرمًا.

     

    إعلان

    إعلان

    إعلان